ان هامش الحرية الضيق الذي راود مخيلة بعض المثقفين، في ايام الاحتلال الاولي، اشباعا لحرمان بعد طول اضطهاد او سذاجة او لمنفعة شخصية، سرعان ما تلاشي مع واقع الاحتلال وانتهاكاته المتبدية في كل منعطف تسلكه سلطة
الاحتلال. واعني بسلطة الأحتلال ادارته بنوعيها الاجنبي بقيادة الامريكي والمحلي العراقي. فتلاشي الحلم الوهمي بحرية يمنحها المحتل للمثقف مع تشجيع نهب المتاحف والمواقع الاثرية وحرق المكتبات الوطنية والمعارض والممتلكات العامة، مع حماية مبني واحد فقط لاغير هو وزارة النفط، مع صراخ التعذيب المهول في ابو غريب وبوكا وكروبر، مع تغطية رؤوس المواطنين بأكياس الخيش احتقارا، مع وضع حذاء العسكري المحتل علي عنق المواطن اهانة، مع اجبار المرأة علي التقاط الصور المهينة لرجال عائلتها عند اعتقالهم، مع اختطاف الشباب ورمي جثثهم بعد التعذيب في الطرقات المهجورة، مع اختفاء المعتقلين في دهاليز ألوية الصقر والذئب والعقرب، مع قصف العمليات المشتركة المسماة بالحربة والرعد والصقر الامريكي والنار الحارقة وبوابة الجحيم.
مع استخدام الاسلحة المحرمة دوليا وتذويب الاجساد باسلحة تجرب خصيصا في العراق، مع وقوف السفير الامريكي لاملاء اوامره علي المنخرطين فيما يسمي بالعملية السياسية، مع كتابة الدستور وهو الوثيقة الاهم في حياة اية امة وفقا لجدولة الانتخابات الامريكية، مع غربلة خدعة الانتخابات الديمقراطية لتتماشي نتائجها مع مواصفات الاحتلال. مع الخراب والاغتيالات والنهب وسلب الموارد الطبيعية. مع بناء أكبر سفارة امريكية في العالم في بغداد تكريسا للاحتلال الي ابد الآبدبن. مع تهميش الهامش الي حد ضاقت فيه الحياة فصار هم المواطن الاول هو محاولة المحافظة علي البقاء وحماية الاهل.
واختزل الحلم الهامشي الي اجترار لموضوعات تعالج واقعا افتراضيا، يحاول بعض المثقفين تسويقه والترويج له تضليلا. وسلك عدد من المثقفين مسار الهيمنة ابتزازا بمشاعر وعواطف الناس. متجاهلين بان قوات الاحتلال لاتحتضن المخيلة والحياة بل ان المخيلة خطر حقيقي يخشاه المحتل اكثر من سواه. لذلك يوظف المحتل عددا من المثقفين المحليين لاستخدامهم ككاتم صوت ضد ابناء بلدهم ومواطنيهم، ضد الصوت الحر والقلم الباحث عن الحقيقة. وهذا ما يجري عمليا في العراق الآن. فلم يعد العراق المحتل يتسع حتي لبضعة اصوات جريئة. اذ بات الترويع كاتما للاصوات الناطقة احتجاجا او فضحا لزيف الادعاءات الديمقراطية. فهاجر من هاجر وصمت من صمت واعتقل من اعتقل واغتيل من اغتيل. صارت حرية الكاتب شبحا يحتضر.
ها هو الكاتب كمال سيد قادر يعتقل ويصدرالحكم عليه بالسجن لمدة 30 عاما لانه تجرأ وكتب مقالتين علي الانترنت عن الفساد المالي والاداري في، كردستان الديمقراطية ، منتقدا سياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة البارزاني، وهو نفسه رئيس الاقليم الكردي. واضطر البارزاني الي تخفيض الحكم الي عام ونصف، في محاكمة صورية ثانية، ومن ثم اصدار العفو عن الكاتب جراء الضجة الاعلامية العالمية المستهجنة للحكم واسبابه والداعية الي اطلاق سراح الكاتب فورا بلا شرط او قيد. وها هو المدرس والصحافي حويز الحويزي الذي تجرأ فكتب مقالة عن فساد السلطة الكردية المحلية، نشرت في الصحيفة الكردية الاسبوعية هاولاتي، قد القي القبض عليه بتاريخ 17 آذار (مارس) وتعرض للضرب المبرح علي أيدي قوات أمن الحزب الوطني الكردستاني الذي يرأسه جلال الطالباني، وهو في طريقه الي مركز التوقيف في السليمانية.
وهو بانتظار تقديمه للمحاكمة بتهمة كتابة مقالة لا غير. وقد دعت منظمة العفو الدولية في تقريرها المرقم MDE 14/016/2006 الصادر بتاريخ 28 آذار (مارس) وبلهجة حادة الحكومة العراقية والسلطات الكردية الي العمل علي توفير الحماية الكاملة لحق حرية التعبير وان تراجع قوانينها وتشريعاتها الخاصة فيما يخص تجريم الكتاب لممارستهم حق حرية التعبير .
وتجدرالاشارة عند الحديث عن الكتاب المعتقلين الي اطلاق سراح القاص والمترجم محسن الخفاجي، أخيرا، وبعد ثلاثة اعوام من الاعتقال التعسفي في سجن بوكا الواقع في حنوب العراق. وكان الخفاجي قد اعتقل اثر احتلال العراق بفترة قصيرة، وبدون ان توجه اليه اي تهمة رسمية. ومثل معظم المعتقلين في سجون الاحتلال الذين يتجاوز عددهم الثلاثين الف حسب الصليب الاحمر الدولي، لم يتم تقديمه، الي المحاكمة، علي الرغم من انتهاء التحقيق معه، مما يتنافي مع كل القوانين الدولية والانسانية ولايتطابق مع معاهدات جنيف الصادرة عام 1949 التي تضع القواعد للتعامل مع الذين يتعرضون للاعتقال في الصراعات المسلحة الدولية.
والمعروف ان الاعتقالات العشوائية سواء من قبل قوات الاحتلال او بالاشتراك مع مستخدميها المحليين، واختفاء المعتقلين او توقيفهم لفترات طويلة تتعدي الاشهر، صارت كابوسا مسلطا علي رقاب المواطنين، مما دفع منظمة العفو الدولية الي التصريح بأن الاعتقال التعسفي يخلق جوا من الرعب بين الناس وان معظم المعتقلين ومن بينهم النساء والاطفال هم ابرياء . ونددت الناطقة باسم منظمة الصليب الاحمر الدولي بتعرض المعتقلين العراقيين الي التعذيب والاهانة والحط من الكرامة الانسانية، قائلة: إضافة إلي معايير قانونية أخري، فإن القانون الدولي الإنساني يحظر التعذيب وسوء المعاملة في كل الأوقات وبغض النظر عن وضع الشخص المحتجز. ويجب أن تجري التحقيقات المتعلقة بالتقارير عن مثل تلك الاعمال علي النحو المطلوب وأن يحال مرتكبوها إلي العدالة. كما يتوجب علي سلطات الاحتجاز اتخاذ كافة التدابير اللازمة للحيلولة دون وقوع مثل تلك الإساءات أو تكرارها .
وكنا قد بدأنا في الهيئة العراقية للاعلام والثقافة الوطنية، مع عدد من المنظمات الثقافية في المهجر ومن بينها المنتدي الثقافي العراقي في روسيا الاتحادية وبالاشتراك مع المنظمات المناهضة للحرب والاحتلال في بريطانيا والعالم وخاصة محكمة الضمير ضد الحرب والاحتلال في بروكسل، حملات اعلامية للمطالبة باعادة الحرية المسلوبة الي كل المعتقلين في سجون الاحتلال ظلما ومن بينهم القاص الخفاجي. وفي الوقت الذي لاندعي فيه بان حملتنا هي الوحيدة دفاعا عن المعتقلين او السبب الوحيد في اطلاق سراح بعض المعتقلين الا اننا نعتقد بانها ساهمت في التنبيه الي قضايا المعتقلين الموجودين في السجون اما تحت اشراف القوات العسكرية البريطانية والامريكية او في سجون من دربتهم قوات الاحتلال علي التعذيب والاعتقال والقتل، وتساعد الحملة المستمرة علي خلق جو من التضامن الذي سنواصل العمل علي ابقاء جذوته ملتهبة مع ابناء شعبنا في كفاحهم من اجل البقاء ومقاومة الاحتلال.
ان الاحتلال الانكلو امريكي ـ الصهيوني المتنكر بأزياء الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان البراقة يمارس اقسي الجرائم والانتهاكات بحق ابناء شعبنا جميعا، يوميا، وبلا تمييز. فمن خطف وتغييب للمواطن الي الاعتقالات العشوائية والتعذيب والقتل. من الكتاب والصحافيين الي العلماء والاطباء والاكاديميين. من المواطن الذي يحدث ويقترب صدفة من دبابة امريكية الي من لايتمكن من الوقوف حسب الطلب عند نقاط التفتيش. لمواجهة كل ذلك تصبح مسؤولية المثقف الباحث عن الحقيقة ان يكون أولا مواطنا باحثا ومدافعا عن الحقيقة، صوت المثقف هو صوت المواطن الحر المعتز بكرامته وحريته وهو صوت من يقاوم الاحتلال بكل الوسائل الممكنة، ناشدا الحرية والاستقلال والعدالة للجميع. حينئذ فقط تصبح كلمات قصيدة الالماني مارتن نايموللر صدي لعالم لا نرغب في ان يكون مستقبلنا. وان تصبح أبياته جاؤوا أولا لاعتقال الشيوعيين فلم أعترض لأنني لم اكن شيوعيا (ثم جاؤوا لاعتقال الاشتراكيين فلم أعترض لأنني لست اشتراكيا) ثم جاؤوا لاعتقال النقابيين فلم أعترض لأنني لست نقابيا (ثم جاؤوا لاعتقال اليهود فلم أعترض لأنني لست يهوديا) ثم جاؤوا لاعتقالي فلم يبق أحد ليعترض من أجلي . وان تصبح قصيدته مثل الاحتلال كابوس سينجلي.
القدس العربي
المثقف العراقي ومعني الحرية تحت الاحتلال-هيفاء زنكنة
