قدرُها كأسمها ومـن النادر أن يتساوى الاسم والقدر. في اللغـة الانبـار تعني المخزن وفي الواقـع هي مخزن النخوة والاباء والرجولة والشرف. شهدت أرضها نكبة البرامكة وقُتل حاكمها البريطاني العقيد لجمن على يد أحد شيوخها. كـان الغزاة غالبا ما يدخلون العراق مـن بوابتها ظناً منهم أنها الخاصرة الرخوة.
هكذا ظن الساسانيون والانكليز والامريكان، لكنها كانت دائما تطيح بهم فيخرجون مـن العراق عبرها، فكانت صفحتها في كتب التاريخ راية عـز وكرامة. كان لحظ الاحتلال العاثر نكبة كبرى على أرضها وبيد رجالها النجباء، حينما جرّب أن ينتهك حُرماتها وأن ينشر ضيمه بين جوانب باديتها وحواضرها، فكانت قلعة صمود وتصدي ومعقلاً من معاقل المقاومة دفع فيها ثمنا باهظا من جنوده وآلياته العسكرية. وعندما حاول أن يصنع نصراً كاذبا يجبر أهلها على الانصياع، تصدت له الفلوجة بشيوخها ورجالها وشبابها ونسائها في معركة دامت عاما كاملا، فشل خلالها بكل جبروته وعظمته العسكرية أن يدخل المدينة الا بعد أن استخدم كل الاسلحة المحرمة دوليا لقهر أهلها، لكنها بقيت في أذهان كل قادة الاحتلال كابوساً وعلى شفاههم كأس سم زعاف.
كذلك كانت مدن حديثة والقائم وغيرهما الكثير من أقضيتها ونواحيها وقراها، وكأنه قدر عليها أن تكون مساحتها ثلث مساحة العراق كي تقاتل باسم جميع العراقيين، وتنتخي لكل من يمسه الظلم والقهر على أرض الوطن. وها نحن اليوم أمام ملحمة جديدة يسطرها أهل الانبار، بعد أن وصلت صرخات نساء وادي الرافدين ورجاله الابرياء الى مسامع شيوخها ورجال الدين فيها، يشكون ظلـــماً وتعسفاً وجـــبروتاً وطغياناً بأيدي ورثة الاحتلال، الذين ما انفكوا يسيرون على نهجه في القتل والاعتقال والتعذيب، فما كان من أهلها الا أن خرجوا عن بكرة أبيهم في وجه الظالم منتصرين لكل من مسّه الجور، موحدين غير مفرقين في نصرتهم لكل مظلوم وهم الذين ما عرفوا يوما الطائفية والتمييز فانتصبت سرادقهم في وسط البادية، وارتفعت راياتهم في وجه الباطل، وصدحت حناجرهم بالحق ليسمع سكان المنطقة الخضراء القابعين في جحورهم، بأن القادم أكبر إن واصل الطائفيون ركوب طريق الغي والتجبر.
ولأن الظلم والتفرقة والتمييز الاجتماعي والفساد والاثراء على حساب الشعب قد جاوز الحد الطبيعي للانفجار، فقد كان للانبار شرف أن تكون هي الحافز الاول لانطلاقة الصرخة، التي تردد صداها في الموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى وبغداد، فخرجت الجماهير في تلك المحافظات هي الاخرى تحمل مطالبها في حق الحياة الحرة الكريمة، وتتلاحم مع أهل الانبار في وقفة مشرفة كان العراق أرضا وشعبا في أمس الحاجة اليها. إن شرف الدفاع عن الوطن وتحمل مسؤولية تحريره من قبضة الحكم الطائفي المقيت، يتطلب من كل محافظات العراق ومدنه وقراه أن يكونوا اليوم كلهم الانبار وأن يحشد الجميع طاقاتهم في الاتجاه الصحيح الذي بدأ فيها، فتوسيع جبهة المواجهة مع السلطة هي الحل الوحيد لإجبارهم للرضوخ الى المطالب المشروعة، كما أن الظرف الراهن يتطلب أن يفهم الكل بأن السلطة الحالية لا تمثل أي طائفة أو مذهب أو قومية، وأنهم استخدموا كل تلك المسميات كي يضمنوا سيادتهم على الجميع، ويمـارسوا هيمنتهم على موارد البلد وثرواته، وإذا كان هنالك من أعطى صوته مدفوعا بغـــريزة الطائفة في ظرف استثنائي، فإن مسيرة السنين الماضية من عمـر الحكومة أثبتت بلا شك بأن هؤلاء لم يلتفتوا إلا الى مصالحهم ورغباتهم، وهكذا سار البلد من سيء الى أسوأ ومن أزمة الى أخرى، وبالتالي فلا شرعية لمن لم يحترم تلك الاصوات التي وثقت به وقبلت أن يكون ممثلها.
إن انتفاضات الشعوب ليست يومية، وثوراتها ليست عملا يتكرر بفترات زمنية قصيرة، لأنها ليست خالية من المخاطر الفردية والجماعية، لكن عندما تصبح مخاطر السكوت والاستكانة أكثر ضررا على حياة الفرد والمجتمع، وبسببها يتهاوى مستقبل الاجيال وتضيع الحقوق والواجبات، يصبح الخروج على السلطات أمرا واجباً وقانونياً، وتصبح ضريبة ذلك الخروج مقبولة من الجميع، فترتفع التضحية الفردية الى مستوى الاعمال البطولية التي يخلدها التاريخ.
هكذا هي القراءة التي حفل بها تاريخ الشعوب والامم على مر العصور. وإذا كانت النخب الفكرية والثقافية والسياسية الوطنية قد غُيّبت في العراق منذ الغزو وحتى اليوم بالتهجير والقتل والاعتقال والاجتثاث، وبعضها غادر موقع الاستنهاض لأسباب انتهازية وحسابات مصلحية وطائفية ضيقة، فإن مسؤولية الاستنهاض الوطني تصبح على عاتق الرموز الاجتماعية العشائرية والدينية، لذلك نراها اليوم تقود الانتفاضة في العراق بوعي ومسؤولية تاريخية كبرى، وهذا الموقف ستجابهه السلطة بالسعي الحثيث على استخدام رموز أخرى لتكوين موقف مؤيد لها ومناهض للقيادات الدينية والعشائرية التي تقود الانتفاضة، مما يتطلب مزيدا من الاصرار على المطالب ووضوحا تاما في عرض المظالم وصبرا على المطاولة، كي يصبح الوقوف ضدها عار على كل من يتحالف مع السلطة، وبالتالي يشكل عنصر ضغط مجتمعي يمنع الانزلاق ضد مطالب الشعب. كما ان الاصرار على وحدة الموقف وعدم تجزئة الحقوق المغتصبة يعزز من مصداقية الانتفاضة، ويكسبها الاحترام ويمدها بالمزيد من التأييد المحلي والخارجي، إضافة الى أنه يؤسس لثقافة ردع لكل من يفكر مستقبلا في التجاوز على مقدرات البلد ونهب ثرواته. فلقد أمنت السلطات منذ الغزو وحتى اليوم الردع الشعبي والنخبوي، حتى خيل لهم بأن البلد تركة يقتسمونها فيما بينهم، في ظل الترديد المتكرر عن أن الربيع لن يدخل العراق لأنه ديمقراطي، لذك بانت ملامح الصدمة عليهم واضحة في هذه الانتفاضة المباركة، فجنحوا للتهديد والوعيد وإطلاق العبارات المشينة بحق المتظاهرين، ثم توسلوا بشركائهم السابقين والحاليين في الفساد كي يوقفوا الانتفاضة، مقابل ضمانات كاذبة ووعود براقة لكن الرد جاء صاعقا في ساحة التظاهر بعد طرد كل الوسطاء الغير نزيهين، والرفض الواضح لوساطة أي اتجاه سياسي أو شخصية لها علاقة بالسلطة، وهو موقف متقدم يحسب لكل من يقود الانتفاضة، دلالته ان الشعب عرف جيدا بأن هؤلاء الذين هم من نفس النسيج الاجتماعي للمتظاهرين، انحازوا للسلطة وليس لهم وفشلوا في تحقيق أي مصلحة وطنية ليس لحواضنهم الشعبية فحسب بل للعراق كله.
إن الاهمية التاريخية للانتفاضة العراقية تكمن في هذه التعرية الكاملة للسلطة السياسية التي حرص المحتل طوال السنوات الماضية على تلميع وجهها القبيح، حتى بات المالكي ورهطه ينظرون الى أنفسهم كقادة استثنائيون، ومثال يحتذى من قبل الآخرين لهم الحق الحصري في اضطهاد شعبنا ومصادرة حاضره ومستقبله، مما يتطلب الاصرار على المنهج وعدم التفريط بحزمة المطالب، ومواصلة الضغط على السلطة وعزلها والذي سيقود الى فقدان هيبتها الذي هو مقدمة لسقوطها.
إن كان الانسان حراً فعليه أن يحكم، وأن كان لديه طغاة فعليه أن يخلعهم، هكذا يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير، وهو وصف ينطبق تماما على أهل الانبار وثوارها الشرفاء الذين ولدوا أحراراً، وهم اليوم سعداء بأن القدر وضعهم في مقصورة قيادة الوطن للتخلص من الطغاة. فليكن العراق اليوم كله الانبار.
* باحث سياسي عراقي
كانت الانبار كل العراق فليكن العراق اليوم كله الانبار/ د. مثنى عبدالله
