دائرة الطب العدلي تتلقى 100 جثة يوميا
في سؤال «الشرق الأوسط» له وهو منهمك بعمله البسيط عن عدد الاشخاص الذين يتوافدون يوميا الى دائرة الطب العدلي في بغداد للبحث عن ذويهم وأقاربهم المفقودين او تسلم جثثهم الموجودة في ثلاجة الموتى في الدائرة، أجاب كاميران (ابو احمد)، 38 عاما، وهو صاحب «بسطة» لبيع المأكولات الشعبية بالقرب من دائرة ومعهد الطب العدلي في منطقة باب المعظم ببغداد «بالمئات».
وأضاف أبو أحمد «أخي، لو تقف لمدة ساعة واحدة هنا لرأيت وسمعت العجائب والغرائب والمآسي من القصص التي يرويها اصحاب وذوو الضحايا أثناء تناولهم الطعام أو احتسائهم الشاي الذي أبيعه، فقبل ثلاثة أيام جاء أحد الاشخاص والذي تم اختطاف اخيه الذي يعمل ضابطا في وزارة الداخلية وقد اتعبته عملية البحث عنه، قائلا لليوم الخامس والخمسين بالضبط ونحن نبحث عن اخينا بعد ان تم اختطافه وهو في طريق عودته الى منزله الكائن في حي الخضراء، وبعد ان اتصل بنا شخص طالبا دفع فدية مقدارها 50 ألف دولار من أجل اطلاق سراح أخي وقد تم تحديد مكان تسلم المبلغ من قبله في منطقة السدة والتي تقع شرق بغداد، وقمنا بجمع المبلغ المطلوب بعد ان بعنا (حالنا ومالنا) وسلمنا المبلغ المطلوب بحسب التعليمات التي كانت تأتينا من الخاطفين، إلا انه لم يتم الإفراج عن أخي لغاية هذه اللحظة، ونحن منذ ذلك اليوم نقوم بعملية بحث في كافة المستشفيات ومراكز الشرطة والطب العدلي وبشكل يومي، لكن من دون جدوى، هذه حالة من مئات الحالات التي يرويها اصحابها لي وبصورة يومية». وأضاف ابو أحمد «في احد الايام وصل للطب العدلي 250 رأس انسان بدون جثة ولم يتم تسلمها من قبل الدائرة، وقد تم العثور عليها في شاحنة (لوري) في إحدى المناطق غرب بغداد، وقد قام أحد الرجال المتطوعين من أصحاب الغيرة والشهامة المعروف بها العراقيون بدفن هذه الرؤوس المشوهة».
وأثناء الحديث وصلت سيارتان للشرطة العراقية تحمل جثثا لأشخاص تم إطلاق رصاصة على رؤوسهم، وقال ابو احمد «هذا مشهد يتكرر يوميا ولأكثر من مرة خلال فترة وجودي في هذا المكان، فتأتي سيارات تابعة للشرطة محملة بجثث بعضها مجهول الهوية والبعض الآخر يكون ذووهم متواجدين في الطب العدلي بعد عمليات بحث قاموا بها ولأيام عديدة ليجدوا أبناءهم في نهاية المطاف جثثا هامدة في ثلاجة الموتى».
من جهته، قال صلاح خضير، 44 عاما، الذي كان جالسا والحيرة غالبة على وجهه «قصتي غريبة.. فقد أبلغتنا دائرة الطب العدلي بوجود جثتي خالي ـ الذي يعمل موظفا في وزارة الخارجية العراقية وابنه اللذين تم اختطافهما وتعذيبهما بأبشع الوسائل ـ لديها، ولكن وبسبب العدد الكبير للجثث الموجودة في الثلاجة والذي يفوق سعتها، اضطر مسؤول الثلاجة الى وضع أكثر من جثة في مكان مخصص لجثة واحدة واختلطت أرقام هذه الجثث ولم نستطيع تسلم جثة خالي التي فقدت مع زحمة الجثث المجهولة الهوية». وأضاف «وبعد مرور أسبوعين من تسلمنا جثة ابن خالنا، لم نتسلم جثة ابيه، وكلما قمنا بمر اجعة المسؤولين في الطب العدلي قالوا لنا (تعالوا في يوم آخر) بسبب كثرة الجثث التي لم تستطع الثلاجة استيعابها، مما يضطرهم الى إبقائها في أماكن مكشوفة ولفترات طويلة من الزمن».
وقال خضير «لقد فوضنا أمرنا لله عز وجل، فلا يوجد أي أثر لجثة خالي، وبحسب ما قاله لنا العامل في المشرحة، وهو مصري الجنسية، فان الجثث التي يمر عليها وقت طويل أو تلك التي تعتبر ضمن الجثث مجهولة الهوية، فانه يتم دفنها في مكان مخصص لها من قبل وزارة الصحة العراقية».
وبين خضير أن جثة خاله قد فقدت في هذه الدائرة بسبب الإهمال والفوضى والاعداد الكبيرة من الجثث التي تتسلمها هذه الدائرة يوميا، حيث يفوق عددها المائة جثة بحسب وجوده في هذا المكان لمدة ثلاثة اسابيع وبشكل يومي ومنذ بداية الدوام الرسمي ولغاية الساعة السابعة مساء. وأشار أبو احمد الى ان ثلاجة الموتى في الدائرة تتسلم وبشكل مستمر ويومي ومنذ أحداث تفجيرات سامراء، ما يقارب الـ(150) جثة بين مجهولة الهوية والمتوفاة بشكل اعتيادي، وهذا ما يفوق قدرة استيعابها. من جهته، قال مصدر في دائرة الطب العدلي، طلب عدم الكشف عن اسمه، لأسباب أمنية لـ«الشرق الاوسط» ان عدد الجثث التي تصل الى الدائرة وعلى وجه الخصوص لثلاجة الموتى الموجودة في الدائرة، يفوق الطاقة الاستيعابية لها «مما يؤدي الى إبقاء عدد كبير من هذه الجثث في أماكن غير مخصصة لها، او مما يضطر اصحابها الى أخذها لمنازلهم من دون اجراء اللازم بحقها». وعن عدد الجثث التي تصل للدائرة يوميا قال «لا يوجد رقم معين وثابت، وان العدد في تذبذب مستمر بين الحين والآخر، وانه يصل للثلاجة يوميا ما يقارب 50-60 جثة سواء كان الضحية قد فارق الحياة نتيجة القتل أو الاغتيال أو تعرضه لحادث عرضي أو نتيجة الموت الطبيعي».
الشرق الاوسط
جثث ضائعة وسط زحام مشرحة بغداد
