تدحرجت كرة الخيبة والهزيمة من بين يدي المالكي الى بقية الاقطاب السياسيين فذاق الكل مرارتها. لقد أفقدتهم هبة الجماهير المظلومة تلك الغطرسة التي سمعناها طوال السنين الماضية عـن العـراق الديمقراطي الجديد، والتجربة النموذج التي كـان رئيس الوزراء يدعو العرب الى أن يغرفوا منها ويطبقوها في أقطارهم، ويفاخر بها باعتبارها ربيعا سبق ربيعهم
فإذا به يقف فاغرا فـاه من هول الصدمة التي ذكرته بحجمه الطبيعي قبل العام 2003، وسلبته كياسة المنصب واللباقة الواجبة فراح يشتم شعبه واصفا تظاهراتهم بأنها فقاعة، وشعاراتهم المطالبة برفع الظلم والحيف والاجتثاث والاغتصاب والتعذيب والقهر وقطع الارزاق والاعناق بأنها (نتنـة)، ثم يضيف زعيم تحالف أحزاب الاسلام السياسي الشيعي إبراهيم الجعفري وصفا آخـر لها، قائلا إنها (طفح) بعـد أن أصابتـه هـو الآخر صدمة ما جرى.
ويبدو ان الترويع الذي أصيبوا به من الاصوات الهادرة في الانبار والموصل وصلاح الدين وأعظمية بغداد، التي التحمت بها أصوات المظلومين في كل العراق، أفقدتهم الذاكرة فنسوا أن نتانة الغزو هي التي أتت بهم الى السلطة لا صناديق الانتخابات كما يدعون . لقد بانت معادنهم الرخيصة في أول اختبار شعبي عفوي وحقيقي، فخرجوا الى العلن عراة من لبوس الديمقراطية والحرية التي حاولت قوى الغـزو إكساء أبدانهم العليلة بها، وظهرت وجوههم الكالحة على حقيقتها بعد أن سالت من حرارة التظاهـرات كل مساحيق التجميل التي أظفاها الضامنون الدوليون والاقليميون عليها، وانطلقت تصريحاتهم المرتبكة المستقوية بجبروت السلطة لتنم عن مدى التخلف الفكري والسياسي الذي يغلف عقولهم.
فكانت هذه أول الثمرات الايجابية التي حققتها انتفاضة الجماهير حين سحبت كل الاغطية عنهم، ليتعظ كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهـو شهيد، وليكف كل من راهن على العملية السياسية وادعى بإمكانية إصلاحها أو ترميمها عن رهانه، فلا يمكن إيقاف عجلة الزمن الذي يصادر مستقبل أجيالنا دون نتيجة تذكر الى ما لا نهاية، كما لا يمكن بأي حال من الاحوال أن يضغط هذا وذاك مطالب الجماهير وحقها في الحياة الحرة الكريمة، كي تتناسب مـع قالب سياسي فاشل بهدف إنجاحه على حساب الشعب والوطن، فالأفكار والنظريات السياسيـة أنماط عمل لخدمة الشعوب والامم ونتاج بشري غير مقدس إطلاقا، والعقل والمنطق يقتضي أن نذهب الى طريق آخر غير الطريق المسدود منذ ما يقرب عشر سنوات، الذي قدم فيه الشعب تضحيات جسام دون نتيجة تذكر، وسقط فيه الوطن في جب الفساد والتشظي.
إن صراخ المالكي ورهطه عن طائفية الشعارات التي ترفع في التظاهرات هي كذبة كبرى يريدون من خلالها التهرب من حقوق الشعب واستحقاقات الوطن التي ثبت أنهم غير قادرين على إنجازها، لذلك ليس أمامهم إلا استخدام سلاح التحشيد الطائفي كـي يتحقق الاستفـزاز ثم الاستنفار في الطرف الـذي يدّعون تمثيله وهو منهم براء. ألم يكن تصريحه عندما قال (أنا شيعي أولا) استفزازا طائفيا وهـو الذي يقود بلدا متنوع القوميات والأديان والمذاهب، ومن الواجب أن يجعل الخيمة الوطنية هي صفته الأولى؟ ألم تكن ضربة كبرى للديمقراطية التي يدعون أنهم يطبقونها عندما قال أمام جمع من شيوخ العشائر أنـه لن يستطيع أحـد أن يأخـذ السلطة منه ولـن يعطيها بعـد اليـوم؟ بل إن المستشار السابق لرئيس الجمهورية قال في مقال له بأن المالكي قال للرئيس (علينا أن نعمل معا لامتداد إقليم كردستان ليضم محافظة نينوى لأن هؤلاء ويعني سكانها، هم أعداء لنا وسيظلون رغم كل شيء سُنّة وقومجية عُربان، وملجأ للمتآمرين على حكمنا)، فكيف يمكن تفسير ذلك سوى أنه تفكير طائفي مقيت يتحكم بعقل المالكي وتصرفاته، والذي هـو أحـد الأسس والركائز الاولى لحزبـه الطائفي؟.
ثم يتحدثون عـن فرية أخرى يتهمون المتظاهرين بأنهم يرفعون صور أردوغان، وعلم الثورة السورية والعلم العراقي قبل العام 2003، لكن عندما يرفعون صور خميني وخامنئي في مكاتبهم التي يمارسون سلطاتهم من خلالها، وفي العديد من شوارع وساحات بغداد والمحافظات الجنوبية، يكون كل ذلك جائز في عرفهم وليس نهجا طائفيا بل عقيدة كما يصرح عضو دولة القانون علي شلاه عندما سئل عن هذا الموضوع في إحدى الفضائيات، فقال لا يوجد اي مبرر لهذه الضجة نحن في بلد ديمقراطي ومـن حق الناس أن يمارسوا معتقداتهم. وبذلك يتحقق التمييز الطائفي والعرقي على أرض الواقـع عندما يسمح لهذا ويمنع ذاك، كذلك هي القوانين التي اجتثت بموجبها العديد من العقول العلمية العراقية بينما لم تطبق هذه القوانين والقرارات على البعض الآخر لاعتبارات طائفية.
إن المطالب التي رفعها المتظاهرون تمثل 'خطا أحمرا' في عرف المالكي ومن معه، فبها صادروا الحكم واستأثروا بالسلطة وأفسدوا وأثروا فيها دون حسيب أو رقيب حتى اليوم، وتحقيق هذه المطالب في عرفهم ضياع للسلطة وتداولها إلى غيرهـم. فجميـع المحافظات تخضع الى أحكـام عرفية غير معلنة مـن خلال الصلاحيات الواسعة التي تملكها قيادات العمليات العسكرية فيها، التي باتت السيف المسلط على رقاب العراقيين بعمليات الدهـم والاعتقالات والتغييب التي تقوم بها، ممـا أخلّ بدور المجالس المحلية التي يقولون أنها سلطة المواطـن. كمـا خدمت المادة (4) إرهاب بسيفها الاستثنائي المالكي وحلفه في التخلص مـن كـل الخصوم السياسيين داخل العملية السياسية وخارجها، وإخلاء الساحة من كل الأصوات الوطنية الشريفة، التي اتخذت موقفا مشرفا من الغزو والاحتلال وحكوماته. أما قانون الاجتثاث فلم يقتصر على اتجاه سياسي واحد بل شمل جميع الكفاءات العلمية والوطنية التي تسعى لبناء الوطن، وبه تخلص الجهلة من أعوان وأحزاب السلطة مـن منافسين حقيقيين لهم في تسلم مناصب الدولـة.
وبذلك بات واضحا جدا لماذا يقول المالكي بأن مطالب المتظاهرين هي عملية نسف للعملية السياسية، لأن حاضر ومستقبل هذه الاطراف مرتبط باستمرار هذا القوانين والقرارات الجائرة. لذلك هو يفضل اليوم التهرب من دفع ضريبة التهميش والاقصاء، تارة بإلقاء المسؤولية على البرلمان الذي له فيه الغالبية المعطلة للقوانين، وتارة أخرى باتهام السعودية وقطر وتركيا وما يسمى الهيئة العالمية للربيع العربي أو الإخوان بتحريك التظاهرات في العراق. إنه اليوم في حالة إحباط سياسي وفشل تام أمام نفسه وأمام الآخرين بعد أن صدّع رؤوسنا ب 'الأمان' الذي كان يدعي أنه حققه، وب 'الديمقراطية' التي كان يفاخر بها على الآخرين فإذا بكل شيء ينفجر في وجهه وتذهب غطرسته أدراج الرياح، لذلك هو يبحث الآن عـن رد فعـل يعيد لـه بعض التوازن النفسي، مـن خلال الإيعـاز الى أعضاء حزبـه الذين يسيطرون على بعض مجالس المحافظات لتنظيم تظاهرات دعم وإسناد له هي في حقيقتها تحشيد طائفي يبتز بها المتظاهرين كي يتخلوا عن مطالبهم المشروعة. لكن ذلك لن يعيد له هيبة بعد اليوم، فلقد وعى الشعب جيدا بأن الدستور وكل أسس العملية السياسية بضمنها القيادات السياسية، قد عجزت عن حل مشاكلهم بل إنها السبب الرئيس في كل معاناتهم التي من المؤكد أن لا نهاية لها إذا تم الاستمرار في نفس النهج، لذلك لا يمكن أن يبقى الشعب العراقي خارج حركة التاريخ.
لقد عاهد المتظاهرون أنفسهم وشعبهم على إعادة الحق الى نصابه، وهو ليس فعلا يستهدف التربح الطائفي أو القومي أو المذهبي، بل هو فعل يعيد للعراق وجهه الناصع ودوره العربي والاقليمي والدولي في لعبة التوازنات السياسية الدولية . كما انه يضع شعبه على خط مشروع واحد دون تمييز أو إقصاء كي يبني المستقبل المضيء لأجياله.
* باحث سياسي عراقي
العراق.. انتصار الكرامة على السيف/ د. مثنى عبدالله
