عجباً، الآن فقط اكتشف وزير المالية العراقي والنائب السابق لرئيس الوزراء أن العراق الذي يشارك في قيادته هو دولة ميليشيات، وأن الحكومة التي هـو مـن أبرز قادتها تديرها عصابات، وأن المالكي لا يؤمن بالشراكة ولا يؤمن بالقانون ولا يؤمن بالدستور.
فقط حصحص الحق لأن النار وصلت الى بيت الوزير ومكتبه وفـوج حمايته، وقـد اعتدنا أن نسمع هـذه النغمة مـن كل من تتضرر مصالحه الحزبية والسياسية. سمعناها مـن نائب رئيس الجمهورية طـارق الهاشمي حتى خُيّل لنـا بأن الرجـل لـم يكــن يشغل هذا المنصب، وسمعناها مـن نائب رئيس الوزراء صالح المطلك حتى تصورنا بأن الرجـل سينتحر احتجاجاً، مثلما فعل المرحوم عبدالمحسن السعدون رئيس الـوزراء العراقـي فـي العهد الملكـي.
كمـا سمعناها مـن كـل الاطراف عندمـا تهتز مناصبهم وتتضرر مصالحهم الشخصية فـي الصراع الدائـر في سيرك العملية السياسية، بينما الصمت هـو سيد الموقف لـدى الجميع وهم ينظرون الى عجلة المالكي تسحق يوميا العـراق كوطن وهوية وكيان مادي ومعنوي، وتسلب الحياة مـن شعبه بالتهجير والاعتقالات والقتل والاجتثاث والتهميش والتجويع.
وهـا هـو الوزير ينتفض لما اعتبره إهانـة عندمـا اقتحموا مكتبه وفـوج حمايته، بينما شارك في العملية السياسية جنباً الى جنب الامريكـان الذين صبّوا اليوارنيوم المُنضّب في أجساد أبناء مدينته الفلوجـه، حتى باتت أرحام نسائها تلد الاطفال المشوهين، ويعاني أهلها من شتى الامراض المعروفة وغير المعروفه. وعلام ترتفع رايات العشائر العراقيـة في الانبـار والموصل وصلاح الدين، وتقول اللافتات التي رفعوهـا بأن الوزير' خط أحمر'، بينما لم يحدث مثل هذا الحشد عندما تُغتصب العراقيات البريئات في سجون السلطة، وعندمـا يُلاحق الناس الابريـاء بتهم باطلـة ؟ ولـِم يخفت صوت رجـال الدين فـي تلك الحـالات، بينما يدعـون مـن على المنابر الناس للخروج في تظاهرات دعماً لوزير ونائب وسياسي لم يعرفه أحـد سابقا، وبرز فقط لأنه بات جزءاً من العمليـة السياسيـة الامريكيـة ؟ ثـم اسألوا الوزير عـن مقدار رواتبـه ومخصصاته وامتيازاتـه الاخـرى وقارنوها بما قدم مـن خدمـة الى العـراق طيلة سنوات استيزاره، ثم خمنوا عدد العوائل التي يمكن أن يسد رمقها مجموع رواتبه ومخصصاته الشهرية وليس السنوية هو وحماياته وخدمه وحشمه، الذين بلغ عددهـم كمـا سمعنا منه هـو في تصريحه بأنهم 'مائـة وخمسون فـردا' بينما لـم يكن للوزير قبل الاحتلال سوى سائق وشرطي، وكذلك هـو الحال في دول الجوار والعالم ؟.
ولماذا الوزير والنائب وزعيم الكتلة في عرف القبيلة والعشيرة والطائفة ورجل الدين 'خطوط حمراء'، بينما الوطـن 'خط أخضر' مفتوح على الدوام لكل من ينتهك حرماته؟ ولماذا المواطن 'خط أخضر' أيضا يغتصب من قبل المليشيات، ويقتل ثم يلقى على المزابل أو في الانهار ؟ ألم يكن صالح المطلك 'خط أحمر' في عُرف البعض من رموز المجتمع عندما طرده المالكي ومنعه من دخول مجلس الوزراء، وعندما عاد الى أحضان المالكي كان أول شيء فعله هو التصويت بالموافقة على إلغاء البطاقة التموينية التي يسد بها الفقراء والمساكين رمقهم؟ نعم قد يغضب البعض علينا مـن هـذا التصور الذي نطرحه، وقـد نتهم مـن أصحاب التطرف الطائفي بأننا نسيء الى الرمـوز الدينية والقبلية، لكننا نعتقد بأن ما يجـري مـن ممارسات تعطي قـدم سبق لهذا وذاك على حساب الشعب إنمـا هـي جريمة كبرى، وتصنيف لا إنساني للمواطنين بين سائد ومسود، كمـا أنها تُعلي مـن قدر هـذا الحزب وذاك التكتل على حساب المجتمع كإطـار أخلاقي لعلاقات اجتماعية أوسع، والاكبر والاعظم من كل ذلك هـو وضع شُعاع قُدسي يحيط بالطائفة بينما ينزع صفة القدسية عن الرابطة الوطنية العليا.
وقـد حصل كـل ذلك في المجتمع العراقـي اليوم حتى بات المشهد مبكيا حقاً أمام هـذا الانقسام الواضح. ففي هـذا الطرف يحتج رجال الدين والعشائر ومعهم جموع مـن الناس علـى مـا تعرّض لـه هـذا السياسي مـن تهميش واجتثاث واتهـام، ويعلنون تضامنهم معـه علـى الرغـم مـن أنه جزء مـن حالـة الفساد والافقـار والتجويع والتشظي التي يعيشونها، ونجـد رجـال دين آخرين وعشائر وجموع بشر يقفون في الطرف الآخـر من الصورة يتظاهرون تأييدا لما حصل ضد هـذا الزعيم السياسي، مطالبين بإنزال أقسى العقوبات ضده، ومتهمين إياه بأنه هو من قتل أبنائهم لمجرد إدعاء من يمثلونهم طائفيا في الحكومة بأنه هـو الذي فعل ذلك حتى لو كـان مجرد اتهام سياسي، كما حصل مـع الهاشمي عندمـا تظاهر البعض مطالبين بإعدامـه حتى قبل أن تباشر المحكمة بالتحقيق بمـا نسب اليـه.
ممـا يعني وبوضوح تـام بـأن عملية التثقيف الطائفي تجري على قـدم وساق في البـلاد، وأن الجميع مشترك فيها ويعزف على وترهـا كي تصبح أنشودة رسمية داخـل المجتمع. آخـذين في الاعتبـار أن أخطـر المراحـل المرضية في حيـاة المجتمعات والشعـوب، هـي لحظة انـزلاق رموزهـا الاجتماعية الى تبني الظواهر المدانة والشاذة كقيم ومبادئ، يوهمون الناس بأنها كانت سائدة لكنها خبت بفعل الظروف السياسية القاهرة، ثم يليها في الخطورة انجراف البعض من المثقفين الى هذا الطريق مدفوعين بالانجذاب الاجتماعي لهذه الافكار كي يحجزوا لهم حيزا للظهور، وهذا ما حصل للاسف عندما دعى بعض المثقفين العراقيين في الاردن الى اجتماع عاجل لدراسة موضوع الوزير العيساوي التي لا يمكن تفسيرها إلا كونها حمية طائفية، بينما يغرق الوطن في مستنقع التمزق المر والتشظي الكارثي الذي سيدفع ثمنه الجميع في المستقبل المنظور وغير المنظور.
فبكاء السياسيين من أحزاب الاسلام السياسي السني وتظلمهم من جور المالكي وبيته الاسلامي السياسي الشيعي، والظهور الدائم بمظهر الضعفاء لن يعيد حقا لمن يدعون أنهم يمثلونهم، كما لن يبني مجدا لهؤلاء الذين تركوا المقاومة وبعضهم طعنها في الظهر مرات عديدة حتى أدماها، كي يحجز له مكانا على مائدة اللئام وينجو من المساءلة ظنا منه أنه قد دفن المقاومة الى الأبد.
إن هؤلاء لا يستحقون أن ينتخي لهم أحد، لأنهم ذهبوا بإرادتهم الى حتفهم عندما وضعوا رقابهم تحت سيف المالكي ورهطه، وقبله رضوا بكل أفعال المحتل وقبلوا أن ينتظموا في مشروعه التدميري بحجة مصلحة الطائفة، والايمان بأن الديمقراطية المزعومة ستجبر المالكي ورهطه على الامتثال الى شروط اللعب في ساحتها، فما كان منه الا استخدمهم 'قرابين' يذبح كل يوم واحدا منهم كي يكسب التحشيد الطائفي المقابل، الذي به يبني مجده السياسي ويحقق به فوزا في منصب رئاسة الوزراء لولاية أخرى له.
إن العراق الفاقد للهوية السياسية والمبتعد عن شروط ومواصفات وميزات مفهوم الدولة، لا يمكن أن يرتع في ربوعه القانون والدستور، لذلك سيبقى التمييز قائما بين مواطنيه كما جاء في التقرير الاخير للامم المتحدة عن العراق الصادر في الاسبوع المنصرم والذي أكد على أن (العديد من العراقيين العاديين من النساء والأطفال وذوي الإعاقة وأفراد الجماعات العرقية والدينية، ما زالوا يواجهون درجات متفاوتة من التمييز، فيما يتعلق بالتمتع الكامل بحقوقهم الأساسية، وأن كثيراً من العراقيين يعانون من محدودية فرص الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف).
كما أشار التقرير الى الممارسات اللاأخلاقية في السجون والمعتقلات والاتهامات الكيدية التي قد توصل أشخاص أبرياء الى الاعدام، وأن مراعاة سيادة القانون وأصول المحاكمات غير متوفرة في كل الاجراءات التي يخضع لها المعتقلون.
وكل ذلك ينفي تماما صفة دولة القانون في العراق، ويعطي صورة ضبابية عن كل الهياكل والمؤسسات والتشكيلات السياسية والادارية التي تقوم فيه اليوم، وينزع عنها كل الصفات التي تتستر بها وتعمل تحت مسمياتها. وينعكس هذا الوصف تماما على كل الافراد المشاركين في المؤسسات السياسية، الذين يتقلدون مناصب يقودون من خلالها السلطة في العراق، لأنهم يسيرون مؤسسات وهمية استمراريتها فيها ضرر كبير للشعب والوطن، ولا يمكن بأي حال من الاحوال إطلاق صفة الوطنية على من يضر بالمصلحة العليا.
إن الوضع العراقي لم يعد له من علاج سوى استئصال الورم الطائفي أياً كان مكانه، فالحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعا، فالطائفيون إن تقاتلوا فسوف يتقاتلون بالشعب ويجعلونه وقودها، وإن تصافوا واتفقوا سندفع نحن ثمن ذلك بانتشار الورم السرطاني في كل أنحاء الجسد العراقي.
* باحث سياسي عراقي
العراق.. دولة القانون أم دولة المليشيات والملفات؟/ د. مثنى عبدالله
