حروب وتجارة وخسارات متفاقمة في اكثر من ساحة حرب، تقابلها تمردات واحتجاجات، هنا وهناك، تؤشر إلى رأس جليد الغضب عليها كعواقب لاستراتيجية الإمبراطورية الأميركية الصهيونية.
وبالتأكيد الإدارة التي تقود الكوارث اليومية ليست شخصا واحدا، رغم أن الأنظار توجه هذه الأيام إلى شخص واحد، ككبش فداء للعواقب المرعبة التي يجري التعتيم عليها.
فهل دونالد رامسفيلد هو المسئول فقط عما يحصل في حروب أفغانستان والعراق وفلسطين؟. رامسفيلد بحكم وظيفته يتحمل مسئولية كبيرة، لكنه يبقى واحدا من مؤسسات وآخرين معه في الوزارة والبيت الأبيض والكونغرس الأميركي واللوبيات المؤثرة فيها.
وبحكم مسلسل أخطائه الشخصية حسب الوظيفة ينبغي محاسبته عليها، لا بما أحدثته ونتائجها فقط وإنما بما تجاوزته وانتهكت فيه كل القواعد والأعراف السارية المفعول داخل مؤسسته أيضا.
فهو داعية خطط الحرب والمتاجرة فيها، وتقع عليه مسئولية الكوارث التي ألحقتها إجراءاته وأفعاله اليومية في شن هذه الحروب وفي سيرها وفي عواقبها المدمرة، ليس على الشعب الأميركي وحسب وإنما الشعوب التي تعرضت لتجارته.
إضافة لها وقوفه وراء كل الممارسات الوحشية التي قامت بها قواته المسلحة، من تدمير المدن والمنشآت وقصف البيوت والأحياء إلى تعذيب المعتقلين وشراء ذمم وسائل إعلام ورشوة أجهزة دعاية لمنجزاته التخريبية.
وهو مسئول قانونيا وإداريا وأخلاقيا عن العمليات العسكرية الإجرامية المدانة وكل العمليات الاخرى التي استباحت المؤسسات الثقافية والعلمية والمتاحف والمدن الأثرية والتاريخية الحضارية، التي وحدها تكفي أن تضعه وأركانه أمام محاكمة دولية، وليست استقالته فقط.
لاسيما وقد اجبر الرئيس الأميركي بعد هذه السنوات من الدمار والحصار والدماء على الإقرار بأخطاء تكتيكية بأفغانستان والعراق مباشرة، واستمرار دعمه للكيان الصهيوني، ورددته وزيرته كوندوليزا رايس وبعض من يتكلم نيابة عنهما، أو يتجرأ بالاعتراف.
ولهذا تتصاعد داخل الولايات المتحدة انتقادات أو انتفاضات ضد هيمنة تجار الحروب. وتطالب بعضها باستقالة رامسفيلد أو إقالته، مجددة مطالب قديمة جديدة، تسعى إلى تغيير واسع ليس في قيادة البنتاغون وحسب.
وقد اتسعت هذه الأصوات لتضم عددا من الضباط المتقاعدين، في ظاهرة جديدة تتجاوز حدودا وأعرافا متداولة في صفوف الجيش، داخل الخدمة أو خارجها. وقد تكون هذه المرة أوسع أثرا وتأثيرا، لا لأنها من ضباط متقاعدين فقط وإنما من شخصيات لها موقعها في صف القوات المسلحة والكونغرس وحتى في مؤسسات الإدارة نفسها، بفضل خدمتها وسمعتها وجديتها في خدمة الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك في مواقفها من عواقب ما حصل في تجارة الحروب خارج أميركا.
وقد أشير إلى أن هؤلاء الذين بادروا باسمهم بالمطالبة لا يتكلمون عن أنفسهم أو عن رغباتهم وإنما عن عدد من زملائهم وأصدقائهم ومن كانوا تحت امرتهم أو معهم في الخدمة. ومن الطبيعي ضمن التقاليد المتبعة لا تنقطع الاتصالات بينهم وبين إضرابهم، وقد أفصح الجنرال غريغوري نيوبولد، المدير السابق للعمليات الخاصة بهيئة رئاسة الأركان خلال فترة التخطيط للحرب على العراق، في ما كتبه في مجلة تايم في 19 أبريل 2006 بأنه لا يعبر عن رأيه فقط بل ونيابة عن بعض الضباط الكبار الذين مازالوا يحتلون مناصب متقدمة. الأمر الذي يعني أن فتح النار هذه المرة مباشر وموجه، من قبل جنرالات يعرفون مهمتهم وتصويب رسائلها إذا لم تصب هدفها مباشرة، متجاوزين الممنوعات ونقاشات تحت الطاولة، لتكون علنية خارج الإدارة العسكرية، وتتجمع متضامنة مع ما سبقها من رسائل من الدبلوماسيين الأمريكان في العالمين العربي والإسلامي، ومناشدات ومقترحات عدد غير قليل من الشخصيات السياسية والأكاديمية والمسئولين السابقين، وحتى رسائل أمهات الضحايا والقتلى الأميركان ومناشداتهم المستمرة في وقف الحرب والانسحاب المشرف لسمعة الولايات المتحدة والسلم العالمي.
وضعت هذه الاحتجاجات الإدارة الأميركية والرئيس الأميركي بوش أمام اختبار جدي بين الاستمرار في ما كشف من أخطاء والعمل على التصحيح، أو الخشية من الإقدام عليه قبل معرفة نهاياته التي قد تطيح ليس برأس رامسفيلد وحده، الذي بدا انه اكثر نضوجا الآن من غيره، ولا يكتفي به أو يتوقف عنده.
فجاء استباق الرئيس بوش وإعلان تمسكه برامسفيلد وبأخطائه وتجارته المشتركة خطوة دفاعية ومحاولة سحب قوة الاندفاع أو الانتفاض، مع علمه بأنه يواجه خصوماً جدداً لا يمكن التشكيك في وطنيتهم، أو اتهامهم بما يسكتهم، فضلا عن حساسية كل طرف منهما في إعلان الخلافات بينهما علنا وفي هذه الفترة الحرجة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ستة جنرالات حتى أواسط أبريل 2006 شنوا في سلسلة من المقابلات التليفزيونية والإذاعية حملتهم على رامسفيلد، وما زالوا يعبرون في وسائل الاعلام عن آرائهم بما آل إليه الوضع الحربي لبلادهم والظروف التي أدت إلى الغزو والأخطاء التي ارتكبت بالعراق وأفغانستان، مركزين على قصر نظر أو غطرسة القيادة المدنية، وحجم الخسائر التي يتكتم عليها البنتاغون والإدارة الأميركية.
فكانت المبادرة من الجنرال المتقاعد بول ايتون، الذي اشرف على تدريب القوات العراقية حتى 2004، في مقال في صحيفة نيويورك تايمز في 19 مارس 2006 مطالبا باستقالة رامسفيلد، لفشله في بناء ائتلاف حقيقي مع الحلفاء ولتجاهله نصائح القادة العسكريين المحترفين.
وتبعه الجنرال انطوني زيني أثناء مناقشة كتابه الجديد (المعركة من اجل السلام: رؤية من الخطوط الأمامية للقوة الأميركية وأهدافها) حين قال في مقابلة تليفزيونية إن أميركا تدفع اليوم ثمن إخفاقها في التخطيط الجيد للحرب.
وأضاف أن هذه ليست أخطاء تكتيكية (بل أخطاء استراتيجية) ارتكبها القادة المدنيون وبينهم رامسفيلد. ومثله أعلن بقية الجنرالات في المطالبة العلنية وحشد الآراء المتفقة معهم في اكثر من مجال.
هل أينع رأس تاجر الحروب؟ وهل هو وحده أم أن كل من اشترك في شن الحرب والعدوان هو مسئول عن كل ما حصل ويحدث الآن؟.. وخاصة العسكريين الذين مارسوا البشاعات التي يتوقف عند بعضها بعض هؤلاء الجنرالات.. إن محكمة التاريخ لن تعفي كل من ارتكب أو شارك بأي شكل في جريمة الحرب على الشعوب وتدمير البلدان لأهداف إمبراطورية فاشية في القرن الجديد بعد ماسي الحروب العالمية الدموية التي أدانتها البشرية جمعاء.
صرخت مواطنة أميركية في وضوح بوجه رامسفيلد في ندوة عامة مفتوحة ومتلفزة، معبرة عن حكم جماعي لكل من شاركه، والهدف المطلوب من التمردات والاحتجاجات السرية والعلنية: أنت تعذب الناس.. أوقف هذه الحرب الإجرامية.. أنت مجرم حرب.
هذه الصرخة هي السؤال الحقيقي أمام الجميع.
المصدر : التجديد العربي
هل أينع رأس تاجر الحروب؟ د. كاظم الموسوي
