يقصد بمصطلح العدل في النحو العربي تغيير الاسم من صيغة لفظية إلى صيغة لفظية أخرى مع بقاء الاشتراك الكبير بينهما في المعنى، نحو (عمر) فإنه معدول عن (عامر)، و(زفر) عن (زافر)، و(قثم) عن (قاثم)، و(ثُعل) عن (ثاعل)
وحقيقة هذا العدل أنه فرع عن الاسم المعدول عنه المقصود؛ لأن الأصل في الأسماء ألاّ تخرج عما تستحقها بالوضع لفظاً، فقولنا: (عمر) نريد به (عامراً)، و(زفر) نريد به (زافراً)، وهكذا دواليك في كل علم عدل به (فُعَل) عن (فاعل)، والمعدول عنه في كل ذلك منصرف يجب تنوينه إذ هو متمكن أمكن، ولكنه عندما تغيّر إلى صيغة (فُعل) صار ممنوعا من الصرف لاجتماع علتين فيه هما: العلمية والعدل واستحق منعه من التنوين وجره بالفتحة، قال سيبويه –رحمه الله تعالى-: (وأمُّا عمر وزفر فإنما منعهم من صرفهما وأشباههما أنهما ليسا كشيء مما ذكرناه، وإنما هما محدودان من البناء الذي هو أولى بهما، وهو بناؤهما في الأصل فلما خالفا بناءهما في الأصل تركوا صرفهما، وذلك نحو عامرٍ وزافر.)(1).
فالعلة إذن في حقيقتها هي تغيير اللفظ، ويزيد هذا الأمر عند النحاة بياناً أنهم يشترطون عدم كون العلم المذكر المعدول مصغراً؛ لأنه في حال تصغيره يكون منصرفاً، نحو (عُمير)، و( زُفير)، قال سيبويه –رحمه الله تعالى- : (وإن حقَّرته - أي صغرته - صرفته؛ لأن فُعيلاً لا يقع في كلامهم محدوداً عن فُويعْل وأشباهه)(2).
الفرق بين العدل والاشتقاق:
يقترب العدل في حقيقته من الاشتقاق، ولكن هذه القربى ليست بذات بال، لأنها لا تطابقه في إرادة المعنى وقصده قال ابن يعيش - رحمه الله تعالى- ذاكراً التفريق في اتفاق المعنى بين العدل والاشتقاق: وأمّا العدل فهو اشتقاق عمر من عامر، والمشتق فرع على المشتق منه، والفرق بين العدل وبين الاشتقاق الذي ليس بعدل أن الاشتقاق يكون لمعنى آخر أُخذ من الأول كضارب من الضرب، فهذا ليس بعدل، ولا من الأسباب المانعة من الصرف؛ لأنه اشتق من الأصل بمعنى الفاعل، وهو غير معنى الأصل الذي هو الضرب، والعدل هو أن تريد لفظاً، ثم تعدل عنه إلى لفظ آخر، فيكون المسموع لفظاً والمراد غيره، ولا يكون العدل في المعنى إنّما يكون في اللفظ)(3).
وأصل العدل في الأعلام هو ورود السماع عن العرب، فيقتصر عليها، ولا يجوز القياس عليها قال ابن جني: (ومنه أن عدلوا فُعَلا عن فاعل في أحرف محفوظة. وهي ثعل، وزحل، وغُدر (4)، وعمر وزفر وجشم وقثم وما يقل تعداده. ولم يعدلوا في نحو مالك وحاتم وخالد وغير ذلك فيقولوا: مُلك ولا حُتم ولا خُلد. ولسنا نعرف سبباً أوجب هذا العدل في هذه الأسماء التي أريناكها دون غيرها فإن كنت تعرفه فهاته. فإن قلت: إن العدل ضرب من التصرف وفيه إخراج للأصل عن بابه إلى الفرع وما كانت هذه حاله أقنع منه البعض ولم يجب أن يشيع في الكل. قيل: فهبنا سلمنا ذلك لك تسليم نظر فمن لك بالإجابة عن قولنا: فهلا جاء هذا العدل في حاتم ومالك وخالد وصالح ونحوها دون ثاعل وزاحل وغادر وعامر وزافر وجاشم وقاثم ألك ههنا نفق فتسلكه أو مرتفق فتتوركه؟)(5).
والأعلام المعدولة السماعية الواردة عن العرب قليلة، فقد بلغت خمسة عشر علماً وهي (عمر)، و(زفر)، و(زُحل)، و(قثم)، و(مُضر)، و(ثُعل)، و(جُمح)، و(جشم)، و(بُلع)(6)، و(عُصم)، و(دُلف)، و(قُزح)، و(جُحى)(7)، و(هُبل)، و(هُذل)، ولم يسمع العدل في غير هذه الأعلام الخمسة عشر، وهذا العدل في حقيقته علة افتراضية لجأ إليها النحويون مضطرين إليها لئلا تضطرب قواعدهم؛ لأن كل هذه الأعلام ليس فيها علة ظاهرة غير العلمية وعلة العلمية وحدها لا تستقل بمنع الصرف فافترضوها علة أخرى وهي العدل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكتاب لسيبويه: 3/223.
(2) المصدر نفسه: 3/224.
(3) شرح المفصل لابن يعيش: 1/62.
(4) هكذا قال ابن جني مدرجاً (غُدر) مع الأعلام المعدولة، وهو وهم منه والصواب أنها ليست منها إذ كلمة (غُدر) هي وصف ملازم للنداء يستعمل عند العرب في سب الذكور، وهو شائع، قال ابن مالك في الخلاصة:
وشاع في سب الذكور فُعلُ ولا تقس وجُرَّ في الشِعر فُلُ
(5) الخصائص لابن جني: 1/52.
(6) بُلع: هم من قبيلة قضاعة، قال ابن دريد: (بنو بُلع: بطين من قضاعة) تاج العروس: 20/356.
(7) جُحى: على وزن فُعل وهو معدول عن اسم الفاعل (جاح) من الفعل جحى إذا مال في أحد شقيه معتمداً على القوس عند الرمي، ينظر: المستقصى في أمثال العرب للزمخشري: 1/76.
علة العدل الافتراضية في الأعلام الممنوعة من الصرف/ د.عمر مكي
