هيئة علماء المسلمين في العراق

عندما يعدل فرد جماعة/ د. ثامر براك
عندما يعدل فرد جماعة/ د. ثامر براك عندما يعدل فرد جماعة/ د. ثامر براك

عندما يعدل فرد جماعة/ د. ثامر براك

من أحسن التفاسير للآية الكريمة: (({إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً...)) (النحل: 120) أن المراد أنه كان عند إِبْرَاهِيمَ –عليه السلام- من الخير ما كان عند أمة، أي جماعة من الناس. وهذا معنى صحيح، يبينه قول الشاعر:
وَما النَّاسُ إِلَّا وَاحِدٌ كقَبِيلَةٍ ... يُعَدُّ، وألْفٌ لَا يُعَدُّ بواحِدِ
وقول الآخر:
والنَّاسُ ألْفٌ مِنْهُمْ كوَاحدٍ ... ووَاحِدٌ كالألْفِ إنْ أمرٌ عَنَّا
أي اجْتمع في شخص واحد من الفضائل والقدرات والعطاء ما تفرق في ألف شخص، أو في قبيلة.
ومن إلقاء نظرة عجلى على تاريخنا الأدبي والسياسي، نجد أنه ربما قام شخص فقامت بقومته مجموعة أو مجموعات، فيذكرون بعد أن كانوا في طي النسيان، ويشتهرون بعد خمولهم، وينتقلون من المؤخرة إلى المقدمة، ومن أمثلته:
1- بعد الإسلام آلت الخلافة إلى العدنانيين من العرب، وكان الحكم والملك والسيطرة للقحطانيين منهم قبل ذلك، حتى لقد قال قائلهم:
وكم أبٍ علا بابنٍ ذرى شرفٍ ... كما علتْ برسولِ الله عدنانُ
2- (باهِلَة) : قبيلة كانت النسبة إليها حطة عند العرب، وبها يضربون المثل في اللؤم، حتى قال شاعرهم:
وما ينفعُ الأصل من هاشمٍ ... إذا كانت النفسُ مِن باهلة!
واستمرت هذه صفتهم إلى أن ظهر فيهم قتيبة بن مسلم الباهلي وبنوه، فزالت الوصمة، وقيل:
إِذا مَا قُرَيْش خلا ملكها ... فَإِن الْخلَافَة في باهلة!
وقتيبة بن مسلم الباهلي (49- 96 هـ = 669- 715 م) أمير، فاتح، من مفاخر العرب، نهض للجهاد في الشرق حتى بلغ أطراف الصين وضرب عليها الجزية، وأذعنت له بلاد ما وراء النهر كلها.
3- ومن المشهورات بالأندلس "اعتماد" التي انتقلت على المستوى الشخصي من امرأة كأية امرأة من الرعية (مواطنة عادية) إلى ملكة في قصر، بفصاحة اللسان، وقوة البيان، وبفطنتها وحضور بديهتها: فقد اقترن بها المُعْتمِد بن عَبَّاد (431- 488 هـ = 1040- 1095 م) ، وكان اسمه (محمد) إلا أنه اخذ اسم المعتمد منها، هذا على الرغم من انه أحد أفراد الدهر شجاعة وحزما وضبطا للأمور، وولي إشبيلية وقرطبة وكثيرا من المملكة الأندلسية، واتسع سلطانه إلى أن بلغ مدينة مرسية (وكانت تعرف بتدمير) وأصبح محط الرحال، يقصده العلماء والشعراء والأمراء، وما اجتمع في باب أحد من ملوك عصره ما كان يجتمع في بابه من أمراء الألسن. وكان خطيبا مفوها، وشاعرا فصيحا، وكاتبا مترسلا، ولاقترانه باعتماد قصة هي أنه خرج يوما إلى شاطئ النهر للنزهة، وكان معه ابن عمار وزيره، وقد هبت نسمة هواء، رسمت موجات لطيفة على سطح الماء، وكان منظرا بديعا؛ فَأَنْشد ابن عباد:
(حاكتِ الرِّيحُ من المَاء زَّرَدْ ... )
والزَّرَدُ: حِلَقٌ تصنع منها الدروع العسكرية.
وطلب من ابن عمار إتمام شطر البيت، فأطال الفكرة، وأفحم، ولم يأت بشيء!! فقالت فتاة كانت مرت بهم وسمعتهم:
(...أيّ دِرْع ٍ لقِتَالٍ لَو جَمَدْ)
فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به، مع عجز ابن عمار، ونظر إليها فإذا هي ذات صورة حسنة، فأعجبته فسألها: أذات زوج هي فقالت: لا، فتزوجها، وولدت له أولاده الذين أصبحوا ملوكا.
وهكذا أصبحت اعتماد السيدة الأولى في البلاد بشطر بيت من الشعر!!
والأمثلة كثيرة على نبوغ لدى فرد ينقله من حال إلى حال، كما قال عمارة اليمني عن ابن تُومَرْت (485- 524 هـ = 1092- 1130 م) ، زعيم الموحدين في المغرب:
هذا ابن تومرْتَ قد كانت بدايته ... فيما يقول الورى لحماً على وَضَمِ
وقد ترقى إلى أن صار طالعةً ...  من الكواكب بالأنفاس والكظم
أو ينبغ بنبوغ نابغة منه شعب أو أمة، كأن يكون هذا النابغة مفكرا، أو مكتشفا، أو مخترعا، أو يشيع جوا علميا -على الأقل- أو يكون له أثر فعال في صياغة وتوجيه الأفكار، وإحلال قيم وأفكار جديدة محل أخرى قديمة، أو يتوسل أصحاب الأفكار والعقائد به، للوصول إلى عقول الجماهير من الناس من أقرب طريق وأسهله.
ويشمل ذلك شتى المجالات: الجهادية، والدعوية، والسياسية، والتجارية، وغيرها من المجالات التي توجه البلاد وتدير دفتها، فمجاهد، أو داعية، أو سياسي ينتهج نهجا استقلاليا، أو تاجر ناجح، يمكن أن يصير (مغناطيس) يجذب إليه العشرات والمئات والألوف من البشر، وأكثر من ذلك، سواء كان صاحب فكر بناء أو هدام، وما بدأت الأحزاب والتنظيمات السياسية المعروفة إلا بواحد،  لكننا سنركز في هذا المقال على حقول التربية والتعليم: فربما جاء موهوب من أقصى قرية، في عمق الريف، من العراق، أو الشام، أو مصر، أو المغرب، أو غيرها، فيقدم أبحاثا في الفيزياء، أو يكون متفوقا في الكيمياء، أو تكون له تجارب رائدة في الفلك، أو يشخص مرضا، أو يتعرف على دواء له، فينتفع به وطنه والإنسانية جمعاء.
والذي يبكي العينين دما لا دموعا أن مستوى المدارس في عراق ما بعد الاحتلال قد تراجع تراجعا خطيرا، يهدد بانهيار عملية صناعة الجيل، وقد غزتها الطائفية السياسية، فصرنا نسمع عن رسوب بالجملة لطلبة مدرسة أو مدارس عدة، أو حصولهم على علامات أو درجات منخفضة في الامتحانات؛ لكونهم ينتمون إلى هذا المكون أو ذاك من مكونات الشعب العراقي، وصرنا نسمع حديثا ممن لا يمتلكون الشعور بالمسؤولية، ولا يحسون بثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم، عن (مقبولية) ممارسة أعمال الغش والتزوير لإنجاح الطلبة من مكونهم، منافسة للمكونات الأخرى، ويغمضون عيونهم عن حقيقة أن الطبيب الذي سيخرجونه بهذه الطريقة سيموت على يديه الناس من كافة المكونات، ولن يخطط لهم المهندس الذي يخرجونه بهذه الطريقة مدينة عصرية، أو خدمات متطورة، وإنما سيخطط لهم عشوائيات وعمارات وأبنية تسقط على رؤوس ساكنيها من المكونات كافة، ومثل هذا الخريج إذا كان معلما أو مدرسا أو تدريسيا أو أستاذا جامعيا فأقرأ على مدارسنا وجامعاتنا السلام، وستنشأ أجيال من الجهلة من كافة المكونات.
وإننا لنتسائل: كيف ساغ لهم استعمال لغة (نحن، وهم) وهم جميعا (نحن) ؟! ثم ألا يعلم هؤلاء أن جميع دول العالم تتكون من مكونات عدة؟! وأن الأسرة الواحدة تتكون من مكونات عدة: الأب من أسرة، وألام من أسرة ثانية، وزوجات الأبناء من أسر، وأزواج البنات من أسر أخرى، وهكذا؟! هذا فضلا عن الإنسان ذكر وأنثى، وأن الاختلاف من طبيعة الحياة، وهو اختلاف للتنوع والتكامل لا للتصادم والتضاد.
ونتسائل: ألم يأنِ لأبناء الفراتين أن يقدروا وجوب الاتحاد والالتحام قدره؟ ألم يأن لهم أن يتفلتوا من شرك هذه السياسة المضرة، سياسة (فرِّق تَسُدْ) التي يطبقها العدو عليهم، فمكنت يده من نواصيهم، ونير حكمه في رقابهم؟!
إنه كيد خارجي وداخلي، يعكس ثقافة مرحلة (الفوضى الخلاقة) التي جاءنا بها الاحتلال، لإدامة الجهل والفقر والمرض، واستمرار هيمنته على مقدراتنا.
ونعود إلى مقولة: (رب رجل يقوم مقام رجال) ، فإننا يجب أن نعترف بأن أمتنا متخلفة عن ركب الأمم المتقدمة، ولكي تلحق بها، وتنافسها، وتتفوق عليها، فإن على شعوبها أن تصبح شعوبا منتجة غير مستهلكة، وعلى دولها أن تكون دولا صناعية وليست نامية فقط، وكيف تخوض حروبا ضد أمريكا والغرب، وربيبتهم الصهيونية، وهم يصنعون سلاحهم ويطورونه بما يمتلكون من عقول، بينما أنت مستورد لهذا السلاح والذخيرة منهم؟!
فلنلتفت إلى أبنائنا، ولنهتم بالمبدعين منهم، وما يدرينا لعل ثلة قليلة منهم –إذا نهضت- تستنهض جيلها والأجيال التالية، القادرة حينئذ على الابتكار والاختراع والاكتشاف، ومن ثم الإنتاج، وحينئذ فقط تستطيع الأمة تحقيق أقصى درجات التوازن والتكامل بين المادية والروحية، خلافا للغرب المادي فقط، وتستعيد دورها في قيادة العالم نحو الإيمان بالله، وعمارة الأرض.

أضف تعليق