هيئة علماء المسلمين في العراق

عندما تستخدم النساء العراقيات كوسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات من السجناء/ د.مثنى عبدالله
عندما تستخدم النساء العراقيات كوسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات من السجناء/ د.مثنى عبدالله عندما تستخدم النساء العراقيات كوسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات من السجناء/ د.مثنى عبدالله

عندما تستخدم النساء العراقيات كوسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات من السجناء/ د.مثنى عبدالله

إن أبرز سمات النظام السياسي في العراق أنه نظام طائفي أثني يعتمد التنويع المذهبي والديني والعرقي كأسس ثابتة في بناه السياسية والحزبية والادارية ومقياس مفاضلة بين مواطنيه. لكنه مع ذلك يجعل كل الخارطة الجغرافية للعراق بحدوده المعترف بها مسرحا لمزاولة نشاطاته الاجرامية، حتى تكاد صفة الطائفية تُنزع عنه عندما تتحرك صولاته وعناصر الفرقة القذرة بين محافظاته ومدنه وقراه كي تصنع متهما، أو تُلبس حدثا أجراميا بمجموعة أشخاص لا ذنب لهم سوى معارضة العملية السياسية سلميا.

ويحفل السجل الاجرامي لهذه السلطة بالكثير من الدلائل والوقائع التي تثبت هذا السلوك، وتتصدر الصحف والفضائيات الكثير من الاصوات العراقية التي تستغيث من هذا الظلم الممنهج، والتعذيب السادي الذي يجري في المعتقلات السرية والعلنية، الذي لا يمكن بأي حال من الاحوال إلقاء تبعاته على تصرفات فردية كما يُقال، أو ارجاع أصوله وثقافته وأساليبه وأدواته الى مراحل سياسية سبقت الغزو والاحتلال كما يدّعون، لأن من يتصدر صناعة القرار السياسي والامني ويتحكم بكافة مفاصله الرئيسية وحلقاته المهمة هم قادة الاحزاب الذين استقدمهم المحتل معه، والذين قضى معظمهم جانبا كبيرا من حياتهم في الغرب، وكانوا على تماس حياتي يومي مع الحالة التي يجري فيها تطبيق القوانين هناك، وكان يفترض فيهم أن يكونوا على قدر كبير من الوعي بحقوق الانسان ومتطلبات الحفاظ على الكرامة الشخصية.

كما أن الفترة الزمنية الممتدة من نيسان 2003 وحتى اليوم هي كافية بكل المعايير للقضاء على أية تصرفات فردية تُسيء الى الانسان العراقي، بل هي كافية أيضا بالنهوض بالعراق بكل الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية والتربوية، خاصة في ظل الوفرة المالية الواردة من تصدير النفط. فلقد حصلت طفرات تنموية كبرى في دول آسيوية تملك نفس خصائصنا الاجتماعية بإمكانات مادية أقل، وعمر زمني أقصر من عمر العملية السياسية لدينا. لكن دراسة تلك التجارب توضح لنا الفرق الشاسع بينها وبين ما جرى ويجري في العراق. فلقد أُعتمدت الهوية الوطنية في تطبيق القانون والمساواة في الحقوق والواجبات واستغلال الثروات الوطنية. كما أُعتمدت التنمية البشرية القائمة على أسس وطنية تضع الجهد الجمعي للمجتمع في خدمة الكل، وتُحرّم وتُجرّم كل سلوك يعطي الخصوصيات القومية والاثنية قداسة أكبر من قُدسية المشروع الوطني.

أما في مجال الاحزاب والحركات السياسية فقد كان الصراع بينها منحصرا في ابتكار وسائل وأساليب جديدة بكلف سياسية واقتصادية أقل من أجل النهوض بالمجتمع. فهل تجوز المقارنة بين هذه وتلك؟ وهل من الانصاف إطلاق وصف العملية السياسية على ما يجري في العراق؟ بل هل من العقلانية أن ننعت الذين يُسيّرون البلد اليوم ويُقيمون على شؤونه قادة وزعماء وأصحاب فخامة ودولة وسيادة ومعالي؟ وإذا ما تطرفنا في التساؤل المشروع فسيحق لنا أن نسأل أيضا هل بعض الرموز الدينية والقبلية والعشائرية والاجتماعية الاخرى هي فعلا نماذج قدوة في المجتمع؟.

وللاجابة عن هذه التساؤلات نقول بأن القاصي والداني، وأهل البيت العراقي وكل الجوار وما بعد الجوار، وحتى بعض ساسة الدول الذين شاركوا في غزو واحتلال العراق، شهدوا بأن الطبقة السياسية الحاكمة لا تملك أية مؤهلات حقيقية لقيادة بلد، وان الوصف الصحيح الذي ينطبق عليهم هم مجرد مافيات اعتمدت الوسيلة السياسية وطرائق الحكم للاستيلاء على المال العام، والإثراء على حساب المجموع، وكان هذا سببا حسب العُرف الخاص بالمافيات كي يتم تمزيق المجتمع على أسس غير وطنية، هم لا يؤمنون بها إطلاقا لكنها طريق معبد للوصول الى الغايات. فعندما تتعزز الهوية الطائفية والاثنية والمذهبية في أذهان الناس ويجري التثقيف عليها، حينها تتعزز معها ثقافة الخوف من الآخر، ويجري التحسب ليوم الصدام بإقناع أتباع الطائفة والقومية والدين على التنازل عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى الإنسانية لصالح قادة تصنعهم هواجس تلك اللحظة، أو قد يكون صنعهم العنصر الخارجي لمصالح وغايات بعيدة عن مصلحة الوطن. وبذلك يصبح التحكّم بالناس يسيرا بل ومقبولا منهم، لأن لحظة الوعي التي جعلتهم يتنازلون عن خصوصياتهم وهوياتهم الصغرى من أجل تكوين مجتمع بعلاقات أوسع وحدود أكبر، تكون قد غابت بسبب التلاعب بالهندسة السايكولوجية للمجموعة البشرية تلك، بفعل تسليط تيار معلوماتي ضخم ومضلل عليهم يغيّر قناعاتهم، ويُعيدهم الى عصبيات ما قبل الحضارة وتكوين المجتمع. لكن هل يجوز أن يتساوى العامة مع النخب ورموز المجتمع الذين يُجسّدون القيم والتقاليد ويحافظون عليها، فيصبحون في سلة واحدة من غياب الوعي هذا؟ يقينا لا يجوز أن يحدث ذلك لكن هذا هو الحاصل في العراق اليوم، وهو السبب الرئيسي في الحالة الراهنة. فبعض النخب الثقافية تخلوا عن دورهم في التوعية الاجتماعية وباتوا منشغلين في تحديث قناعاتهم ونقلها الى مرحلة؟ تأييد الوضع الراهن، والتسبيح بحمد هذا الحزب أو ذاك، أملا في الحصول على منصب أو جاه أو اتقاء شر المادة 4 إرهاب حتى لو كان على حساب الشعب والوطن، وبذلك دخلوا أيضا في حالة التقوقع الذاتي التي هي إحدى مراحل القبول بالانفصال على أسس طائفية وقومية ودينية.

أما بعض الرموز الدينية فقد اختلفوا منذ البداية في تحديد الواجب الشرعي تجاه الغزو، فكانوا سببا حقيقيا في إشاعة الاختلاف داخل المجتمع في الموقف من الغزو والاحتلال، وفي الموقف من السلطة ورموزها. كذلك كان تصرف بعض زعماء القبائل وشيوخ العشائر، مما تسبب في إشاعة ثقافة الخنوع والقبول بالامر الواقع والاصوات الخافتة المعترضة في النهار والجالسين في الليل على موائد اللئام، فلم نر فعلا حقيقيا يرتفع الى حجم المأساة، يتصدى للجرائم التي تديرها مؤسسات الدولة كي يوقفوا المساس بالشرف الرفيع في المجتمع.

إن المساس بشرف النساء العراقيات في السجون والمعتقلات، أو جلبهن أمام أزواجهن وأشقائهن وأبنائهن واستخدام شرفهن وسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات من السجناء، لم تحدث فقط هذه الايام التي ثارت فيها هذه القضية. بل هو سلوك مارسه المحتل عندما كانت لديه سجون ومعتقلات، ثم أورث هذه الممارسة الى السلطات الحالية التي استخدمتها استخداما مزدوجا. فمرة لابتزاز ذوي المعتقل ماديا والحصول على أموال منهم، وأخرى لانتزاع اعترافات باطلة من الابرياء بالمسؤولية عن حوادث التفجيرات بعد أن فشلت هذه الأجهزة في حماية العراقيين. وإذا كان هذا الفعل وصمة عار في جبين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإنه كذلك في جبين رموز المجتمع العراقي الذين لازال البعض منهم مصرا على المهادنة والمساومة في الحق، متناسين أن جبروت السلطة وغيها مهما كان كبيرا لا يمكنه الوقوف في وجه الاعتراض عندما يكون جمعيا، الاحداث في الساحات العربية مؤخرا؟ أثبتت هذه الحقيقة... فهل يمكن أن يستمر اغتصاب النساء والرجال في السجون السرية والعلنية في العراق لو خرج رجل دين الله لا دين السلطة، معترضا على ذلك شاهرا كتاب الله بيده في وجه طغاة المنطقة الخضراء؟ وهل يمكن أن يبات الليل في أوكارها مسؤول صغير أو كبير، لو خرج زعيم قبيلي عراقي حاسر الرأس بعد أن أقسم أن لا يلبس العقال الا بعد طردهم؟ إن الشخصيات الدينية والثقافية هي التي تصنع النموذج الاخلاقي المثالي للروح الانسانية، فتختار الوئام والانسجام لبناء اللحمة في المجتمع، والخصام والصدام مع الباطل والظلم أياً كان مصدره، بعيدا عن الشعارات العامة القادرة على الإثارة والعاجزة تماما عن بناء أي شيء أو إيقاف ظواهر سلبية مدانة، وإن المجتمع العراقي المليء بالتناقضات والمشاكل وعدم الرضا، قد بلغت فيه اليوم الجاهزية الكبرى للاحتجاجات الواسعة نموذجا طبيعيا يحتاج فقط الى عملية تحفيز كي يتحرك لاستعادة حقوقه المسلوبة وكرامته المهدورة. فلينصت رجال الدين وزعماء القبائل وشيوخ العشائر وكل شريف في العراق الى صوت الشرف الرفيع الصارخ والمستغيث من الاذى، وليتذكروا أنهن أخوات وبنات كل واحد منهم.

* باحث سياسي عراقي

أضف تعليق