يقول فرانسيس فوكوياما: “إن ما يسمى بعقيدة بوش، التي وضعت هيكل العمل للدورة الأولى من حكمه، غارقة الآن في الدم والدمار”.
ويتابع فوكوياما: “في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، جادلت عقيدة بوش بأن على أمريكا أن تشن حروباً وقائية بشكل دوري للدفاع عن نفسها ضد الدول المارقة والإرهابيين المزودين بأسلحة الدمار الشامل. وعليها أن تفعل ذلك بمفردها إذا اقتضت الضرورة ذلك”. ويعلق فوكوياما قائلاً: “ليس من المستغرب (في الدورة الثانية لحكم بوش) أن تنأى الإدارة (الأمريكية) بنفسها عن هذه السياسات”.
وكان فوكوياما قد وقع على الإعلان التأسيسي لمشروع “القرن الأمريكي الجديد” الى جانب مجموعة من الشخصيات من بينها ديك تشيني، ودونالد رامسفيلد، وبول وولفويتز، ولويس ليبي، وزلماي خليل زاد (السفير الأمريكي الحالي في العراق)، ومن أهم الأهداف التي طالب موقعو الإعلان بتحقيقها (3/6/1997) هي:
* زيادة الانفاق على شؤون الدفاع بدرجة كبيرة “إذا كان علينا اليوم أن نتحمل مسؤولياتنا على مستوى العالم، وأن نجدد قوتنا المسلحة من أجل المستقبل”.
* إننا في حاجة لتوثيق علاقتنا بحلفائنا الديمقراطيين، وان نجابه الأنظمة المعادية لقيمنا ومصالحنا.
* تعزيز الحرية الديمقراطية والاقتصادية في الخارج.
* تحمل المسؤولية لدور أمريكي متميز للمحافظة على نظام دولي صديق لأمننا، ولازدهارنا، ولمبادئنا، مع توسيع هذا النظام.
قبل ظهور مشروع “القرن الأمريكي الجديد” بسنة تقريباً، قدم ريتشارد بيرل (8/7/1996) إلى بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء “الاسرائيلي” آنذاك، وثيقة مكتوبة لرسم سياسة خارجية “إسرائيلية” جديدة، تدعو الى رفض اتفاقيات أوسلو، ومفهوم “الأرض مقابل السلام”. وتدعو الى ضم الضفة الغربية وقطاع غزة الى “اسرائيل” بصورة دائمة. وتدعو الوثيقة الى القضاء على نظام صدام حسين كخطوة أولى تسبق التخلص من نظم الحكم القائمة في كل من سوريا ولبنان والسعودية وإيران. وكانت الوثيقة معدة أساساً “لمعهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة” بفرعيه في كل من واشنطن و”إسرائيل”. أما “بيرل” فقد تولى منصب رئيس هيئة السياسات الدفاعية في وزارة الدفاع الأمريكية أثناء حكم بوش فيما بعد.
في بداية حكمه اعترض جورج دبليو بوش على مشروع “بناء الأمة”. ولكن ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، قبل أحداث 11/،9 زرع في إدارة بوش ثمانية من رفاقه من المحافظين الجدد: رامسفيلد، وولفويتز، آبرامز، ليبي، بولتون، بيرل، فيث، ورمسر، وقد دافع هؤلاء عن سياسة “تغيير النظام” في بغداد وإعادة بناء العراق. واستغل تشيني والمحافظون الجدد أحداث 11/9 لإقناع بوش بالتخلي عن مبادئه المحافظة التي كان يعتنقها عندما انتخب لأول مرة.
ولأول مرة، بعد مرحلة شن الحرب على العراق، يعترف البيت الأبيض بلسان الرئيس بوش ب”اننا وجدنا أسلحة الدمار الشامل” كانت تستند إلى معلومات وجدت خاطئة في واشنطن. إن تأكيد الرئيس بوش في 29/5/،2003 على أنه قد عثر على ترسانة صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، كان يرتكز على العثور على شاحنتين زعمت بعض المصادر الأمريكية بأنهما استخدمتا كمختبرين متنقلين للأسلحة الجرثومية. وقد اعترف سكوت مكليلان، الناطق باسم البيت الأبيض (12/4/2006) بأن الرئيس بوش، الذي لم يكن على علم بالحقيقة، قد استخدم معلومات كاذبة.
“إن التفاؤل المفرط حول التحول الى الديمقراطية في أعقاب الحرب (العراقية) يساعد على تفسير الفشل المبهم في التخطيط الضروري لمواجهة التمرد الذي برز فيما بعد في العراق”. هذا ما يراه “فرانسيس فوكوياما”، صاحب الإعلان المشهور عن “نهاية التاريخ” ،1992 متوقعاً تحولاً سلساً الى الديمقراطية الليبرالية على امتداد العالم. ويعزو فوكوياما هذا القصور في التنبؤ لدى الجيل الثاني من المحافظين الجدد الى تأثير الطريقة التي انتهت بها الحرب الباردة في تفكيرهم، حيث خلقت لديهم توقعاً بأن كل أنظمة الحكم المطلق جوفاء من الداخل، فما ان تموت “الساحرة الشريرة”، حتى ينهض المسحورون وينطلقون في الغناء مرحاً لاسترجاعهم لحريتهم.
بعد أن يعلن فوكوياما (19/2/2006) نهاية عصر المحافظين الجدد، يقول: “اننا في حاجة الى تجريد، ما نسميه حرباً عالمية على الإرهاب، من السلاح. إن مقابلة “التحدي الجهادي” تأتي من خلال نضال طويل لا تدخل في صلبه الحروب العسكرية، بل نضال سياسي للوصول الى قلوب وعقول المسلمين العاديين حول العالم..”.
لم يركز فوكوياما على العامل “الإسرائيلي” وتأثيره في السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية. فمنذ فبراير/ شباط ،1998 نسق توني بلير وبنيامين نتنياهو جهودهما ومعهما عصبة ريتشارد بيرل من المحافظين الجدد لحض الرئيس وليم كلينتون على شن الحرب ضد العراق، فرفض الرئيس الأمريكي الاستجابة لهم. ولكن كلينتون انهار تحت ضغط التهديد بالمحاكمة في ما تعرض له في فضيحة مونيكا لونيسكي، فأمر في ديسمبر/ كانون الأول 1998 بالقصف الجوي للعراق لمدة 70 يوماً (فيما أطلق عليه عملية ثعلب الصحراء).
بعد هجمات 11/9 بلحظات، أعلنت حكومة شارون أن صدام حسين قد أمر بها، ودعت إلى رد انتقامي ضخم ضد بغداد، هذا بالإضافة الى الجهود المحمومة التي قام بها بول وولفويتز وريتشارد بيرل لدفع بوش لشن الحرب ضد العراق، ومعهما أحمد الجلبي الذي باع العراق لأمريكا، وباع أمريكا لإيران.
بوش والمصيدة “الإسرائيلية” في العراق... محمد جلال عناية
