\"العالم العربي هو شجرة جذورها في البلدان العربية وثمارها في البلدان الأجنبية\"، هذه هي الجملة الأكثر تعبيرًا عن واقع العلماء العرب المغتربين، قالها أحد العلماء في افتتاح فعاليات المؤتمر التأسيسي للعلماء العرب المغتربين بالعاصمة القطرية الدوحة.
وانطلقت فعاليات المؤتمر اليوم الإثنين 24-4-2006، وستُختتم الأربعاء 26-4-2006، بمشاركة نحو 200 من العلماء ورجال الفكر البارزين على الساحتين العربية والدولية، سيستعرضون خلاصة أفكارهم وتجاربهم في مجال البحث العلمي.
وترعى المؤتمر الشيخة موزة بنت ناصر المسند حرم أمير قطر رئيسة مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع.
ويهدف المؤتمر إلى مدّ جسور التعاون بين العلماء العرب بالخارج والمؤسسة لخدمة المجتمعات العربية وتنمية وسائل البحث العلمي.
إستراتيجية للتقدم
وعن توقعاتها من هذا المؤتمر، قالت الشيخة موزة في الافتتاح: "أتوقع من هذا المؤتمر تقديم إستراتيجية محددة نستلهم أسسها من حضارتنا العريقة ومن انفتاحنا الإيجابي على متطلبات الثورة المعرفية، وبرنامج عمل بخطة زمنية تنقلنا من مرحلة إلى أخرى، من ثقافة الاستهلاك التي غرقنا فيها لأكثر من نصف قرن إلى ثقافة الإنتاج والإبداع؛ حتى نكون فعلاً جزءًا إيجابيًّا وبنّاء من هذا الكون".
أما عن الحلول المقترحة للخروج من الوضعية الراهنة، فلفتت حرم أمير قطر إلى أنه يأتي في مقدمتها إعادة الثقة والاعتبار للعقل العربي، مشددة على أنه "بفضل إسهامات هذا العقل كانت حواضرنا العربية في عصورها الذهبية مراكز جذب للعلماء والمفكرين والطلبة، كما كانت منارات للبحث العلمي في شتى التخصصات".
ودعت الشيخة موزة إلى الاهتمام باللغة العربية، قائلة: "إن اللغة ليست سوى وعاء وأداة ناقلة لثقافات وحضارات الشعوب... من الخطورة أن تفقد اللغة العربية مكانتها وميزتها... ألم تكن في تلك العصور الزاهية لغة العلم والواسطة بين العلوم الإغريقية والفارسية والهندية وغيرها؟!".
الاهتمام بالعلماء هو حلّ آخر أكدت عليه راعية مؤتمر العلماء المغتربين، مشددة على ضرورة الاهتمام بالباحثين العرب، وأن يحظوا بالتشجيع والرعاية والتحفيز من خلال احتضان المشاريع البحثية الواعدة ذات التأثير المباشر في التنمية البشرية بالمجتمع العربي.
ولفتت إلى أهمية الاستفادة من صندوق دعم البحث العلمي بمؤسسة قطر ضمن شراكة إستراتيجية بين تلك المؤسسة وبين العلماء العرب المغتربين، كما دعت العلماء المشاركين في هذا المؤتمر من الباحثين والأكادميين إلى أن يكونوا النواة الأولى لهذا المشروع.
المبادرة القطرية
من جهته أشاد الدكتور عبد العالي الحوضي مؤسس ورئيس المجلس الدولي للطب الحيوي والتكنولوجيا الحيوية بالولايات المتحدة والبروفيسور في جامعة فرجينيا الشرقية بمبادرة قطر لجمع العلماء العرب في الدوحة.
وحدّد عدة عوامل لنجاح أي بحث علمي قائلاً: "عوامل نجاح أي بحث علمي تتمثل في الدعم المادي والمعنوي، وتوفير المناخ المناسب للباحثين والاستمرارية في ذلك".
ولخصت د. منى راشد الزياني رئيسة أقدم الجامعات الخاصة بالبحرين مشكلة الباحثين والعلماء قائلة: "لطالما عانى العلماء العرب من الإحباط في أوطانهم وعدم الثقة في قدراتهم على التفوق والإبداع".
أما الدكتور عبد الحميد الأنصاري الأستاذ بجامعة قطر فاعتبر أن جميع التحديات التي واجهت العرب عبر 5 قرون كانت تحديات علمية وتقنية.
كما ثمّن د. محمود فوزي خبير الطبيعة النووية بهيئة الطاقة الذرية في مصر جهود قطر لدعم البحث العلمي وإيجاد مناخ مناسب لنهضة علمية عربية تجمع شتات العقول العربية المغتربة.
ودلّل على هذا الدعم بتخصيص قطر وقفية لدعم التعليم من خلال تخصيص ريع بئر بترول بالكامل للنهوض بمنظومة البحث العلمي في قطر.
أما اللواء أحمد فخر رئيس المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية فلفت إلى ضرورة أن يكون لرجال الأعمال دور في تمويل المراكز البحثية من أجل تطوير الأبحاث العلمية.
أهداف المؤتمر
ومن أبرز أهداف المؤتمر كما حددها القائمون عليه، جمع النخبة من العلماء العرب في العالم للمساهمة في منتدى لتبادل الأفكار المتعلقة بمستقبل العلم في الوطن العربي، وتطوير خطة عمل مكثفة تأخذ في الاعتبار احتياجات العلماء العرب والمصادر المتاحة في المنطقة من أجل الارتقاء بمستوى البحث والتطور في العالم العربي.
وكذلك تأسيس آلية لاحتضان المشاريع التي تلبي الاحتياجات المتزايدة بالمنطقة العربية، وإعداد قاعدة بيانات لتسهيل الاتصال والتعاون فيما بين العلماء المغتربين، إضافة إلى وضع آلية لمتابعة مرحلة ما بعد المؤتمر بحيث يحقق أهدافه.
ومن أبرز المشاركين في المؤتمر العالم المصري الدكتور فاروق الباز مدير مركز التحكم الاستشعاري بجامعة بوسطن الأمريكية، ود. نبيل صيداح مدير مخبر الكيمياء الحيوية بمعهد البحوث السريرية في مونتريال بكندا، ود. مي الصقلي رئيسة قسم الدراسات لآسيا والشرق الأدنى بالولايات المتحدة.
كما يشارك أيضًا د. نجوى أبو النجا رئيسة برامج جامعة شيريدان للتكنولوجيا في كندا، ود. علاء الحسيني الأستاذ بمركز الجهاز العصبي في جامعة بريتيش كولومبيا بكندا، وغيرهم.
200 مليار دولار خسارة هجرة العقول العربية
وكان تقرير أصدرته الجامعة العربية قد حذر من أن الوطن العربي خسر 200 مليار دولار؛ بسبب هجرة الكفاءات العلمية والعقول العربية إلى الدول الأجنبية، ودعا إلى السعي لاستعادة هذه العقول لا سيما في ضوء التفوق التقني الإسرائيلي، وتحوّل الصراع العربي الإسرائيلي تدريجيًّا إلى صراع تفوق تقني.
ووصف التقرير التقدم العلمي والتقني الإسرائيلي على العرب بأنه "كارثة جديدة تهدد مستقبل الشعوب العربية"، وأكد أن إسرائيل تفوقت في السباق العلمي مع العرب عن طريق إغراء العلماء الأوروبيين والأمريكيين، وتوطينهم داخل إسرائيل، في الوقت الذي تتزايد فيه هجرة العلماء العرب إلى الخارج، وتفشل الدول العربية حتى الآن في استعادتهم، أو الاستفادة منهم.
تقدُّم إسرائيل
وحذر التقرير من خطورة هذه الظاهرة على مستقبل الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية للدول العربية بعد أن احتلت إسرائيل المرتبة الـ24 بين الدول المتقدمة، والمرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في مجال الأبحاث والقدرات العلمية، وكذلك المرتبة الرابعة بعد اليابان وأمريكا وفنلندا في استيعاب التطورات التقنية.
وأشار التقرير إلى أن الدول الغربية هي المستفيد الأكبر من احتضان أكثر من 450 ألف عربي من حملة الشهادات والمؤهلات العليا؛ إذ تستخدم قدراتهم في دعم مشروعاتها التقنية.
وطالب التقرير وزراء الخارجية العرب باتخاذ إجراءات عاجلة في مواجهة هذه الظاهرة التي تستغلها إسرائيل لتكريس نظريتها الأمنية باعتبارها أكثر تفوقًا على العرب تقنيًّا، وبالتالي عسكريًّا واقتصاديًّا إذ تشكل تجارة الإلكترونيات الحجم الأكبر من الموارد الإسرائيلية.
وأشار التقرير إلى أن اليونسكو نبهت في تقريرها العلمي الأخير إلى هذا التدني العلمي العربي مقابل إسرائيل ودول العالم الأخرى، فقد أوضح التقرير تدني نصيب الدول العربية من براءات الاختراع التقني على مستوى العالم، بينما بلغ نصيب أوروبا من هذه البراءات 47.4 في المائة، وأمريكا الشمالية 33.4 في المائة، واليابان والدول الصناعية الجديدة 16.6 في المائة.
جدير بالذكر أن مجلس الشعب المصري (البرلمان) ناقش في دورات سابقة هذه القضية أكثر من مرة، وحذر من التقدم التقني الإسرائيلي على مصر، مستعرضًا حجم العاملين في هذا المجال في مصر وإسرائيل، وحجم الصادرات الإسرائيلية مقارنةً بالمصرية.
وكالات
نخبة العقول العربية المغتربة تجتمع بقطر
