اكد الشيخ الدكتور( حسن محمود عبد اللطيف الشافعي ) رئيس مجمع اللغة العربية في مصر إن العراق رقماً صعباً وعزيزاً فقدته الأمة العربية، بعد أُخرج بمؤامرة إجرامية من موازنة المعركة الحضارية المستمرة بين العرب وأعدائهم ولا سيما الكيان الصهيوني المحتل.
واوضح الشيخ ( الشافعي ) في حوار اجراه معه مراسل الهيئة نت في القاهرة ( عبد المنعم البزاز ) ان العراق الذي يعد الوجه العربي، قد أصابته تشوهات كثيرة بينها انفصال الأكراد الذي أصبح حقيقة واقعة نتيجة استغلال الأوضاع التي تلت الاحتلال السافر الذي قادته الادارة الامريكية عام 2003 والذي أدى إلى تغييب هذا البلد وأصبح مجمع اللغة العربية في العراق مجمعاً للغات الاخرى.. متضرعا الى الله تعالى أن يتمكن العراق من تجاوز آثار الاحتلال المقيت وأن يعود ليفرض نفسه من جديد كبلد مهم في الامة العربية.
واشار ( الشافعي ) الى ان الواقع الاستثنائي الذي يعيشه العراق منذ نحو عشر سنوات لن يطول وان الوجه الطائفي الذي يتميز به هذا البلد حاليا سينتهي، وستعود بلاد الرافدين كما كانت عاصمة للخلافة العباسية وبلاد الحضارة والعلم والادب والشعر .. معربا عن اسفه الشديد لتواطؤ المسؤولين في الحكومات المتعاقبة مع ادارة الاحتلال الامريكي والنظام الايراني، وممارسة سياسة الاقصاء والتهميش ضد فئة معينة من المجتمع العراقي.
واستعرض الاخطار التي تواجه اللغات نتيجة فكرة العولمة التي لم تؤد إلى ما يطمح اليه الناس بأن يصبح العالم كله قرية واحدة وأن تزول الفوارق وتزدهر الثقافات والحضارات وتتبادل التأثر والتأثير في حرية ومساواة .. مؤكدا ان اهم اهداف السياسية لحركة العولمة هو سيطرة لغة واحدة، هي اللغة الانكليزية، وثقافة واحدة، هي الثقافة الأنكلو ـ سكسونية ـ الأمريكية، وهو ما يهدد بعض اللغات في العالم بالاختفاء الكامل.
واوضح ان اللغة العربية التي تعد خامس لغة من حيث الترتيب في العالم، والثالثة من حيث الناطقين بها والذين يفهمونها من سكان المعمورة، ليست مهددة بالاختفاء، ولا صحة لما يقوله البعض هذه الشان، لكنها مهددة بالتأثر السلبي نتيجة المحاولات الرامية الى تغليب الثقافة الواحدة واللغة الواحدة .. لافتا الانتباه الى ان اللغة العربية لا تشكو من الجمود كما يروج البعض، فلو قارنا اللغة العربية الآن بما كان ينطقه الأجداد في بداية القرن الماضي سنجد أنها ازدادت مرونة واتساعاً وقدرة على التعبير عن مصالح الحياة وهو الجانب النفعي من اللغة، والتعبير عن المشاعر والعواطف وهو الجانب الأدبي والفني والحضاري منها، لكن الخطر الحقيقي هو ضعف اللغة وتحريفها على ألسنة الناشئة العرب الذين لا يحسنون النطق بها.
وفي ما يأتي نص الحوار:
* الهيئة نت : نود أن نتعرف على أهم نشاطات مجمع اللغة العربية في مصر.
// الشافعي : بسم الله الرحمن الرحيم، أهم نشاطات المجمع، أولاً: إصدار المعاجم العربية ومن أبرزها المعجم الوسيط والذي صار مرجعاً للدارسين والمثقفين من جميع البلاد العربية والإسلامية، وطبع أكثر من مائتي مرة منذ صدوره ويجري الآن تحديثه، ثانياً: وأعظم هذه المعاجم المعجم الكبير أوفى معجم في تاريخ العربية، وقد صدر منه نحو الثلث ونعمل على تسريع العمل فيه ليصدر فيما لا يزيد على خمس سنوات - إن شاء الله - وإصدار المعاجم اللغوية المتخصصة وقد صدرت معاجم في الطب والهندسة والاقتصاد وآخر معجم اقتصادي عن الاقتياس وهو عن الاقتصاد الرياضي، وفي الشريعة وفي الفلسفة الإسلامية وفي أصول الفقه وفي مصطلح الحديث وفي العديد من العلوم، والعديد من المصطلحات الفنية والعلوم الحديثة والتراثية، ثم إصدار الدراسات وعقد المؤتمرات والندوات في قضايا اللغة العربية سواء كانت تراثية أو قضايا معاصرة أو مستقبلية، ويدرس المجمع مشكلات التعليم والإعلام، ويحاول ربط اللغة العربية بحركة العلم العالمية وقد ترجم المجمع نحو مائتين وخمسين ألف مصطلح علمي، كل المطلوب هو إيصالها عن طريق الإعلام وغيره إلى الدارسين العرب والمترجمين والباحثين، ويعمل المجمع على تعريب العلوم والمصطلحات وتعريب العلوم في البلاد العربية وخاصة في مصر، ويعمل الآن بهذا الصدد على تضمين نص دستوري في دستور مصر الجديد، ويعمل المجمع على تجلية القضايا اللغوية والثقافية المتعلقة بالعربية وماضيها وحاضرها بالنسبة للمثقفين العرب وذلك عن طريق ربط المجمع بالحياة الثقافية في مصر والعالم العربي، وللمجمع مؤتمر سنوي ينعقد في شهر مارس من كل عام ويحضره جميع أعضائه المصريين وكذلك الأعضاء المراسلين والذين يمثلون المجتمعات العلمية المعنية بالعربية ومن مختلف أنحاء العالم حتى من الصين واليابان ومن الغرب بمختلف دوله وأقطاره، وينشر ما تسفر عنه تلك المؤتمرات في مجلته الرسمية التي تصدر عن المجمع، بالإضافة لهذا كله فمجمع اللغة العربية يحتضن منذ أربعين عاماً اتحاد المجامع العربية الذي أنشأته المجامع العربية، وجرى التقليد على أن يكون رئيس مجمع مصر رئيسا للاتحاد وأن أمينه العام يكون أمينا للاتحاد، وأن مقر الاتحاد هو مقر مجمع اللغة العربية الذي زرتموه اليوم بالزمالك، وإن كانت الجهود تجري الآن لبناء صرح علمي كبير يليق باتحاد المجامع العربية في مدينة 6/ اكتوبر المجاورة للقاهرة، وينبغي أن نذكر بكل تقدير وامتنان أن الذي تبرع بإقامة هذا المبنى وتجهيزه بكلفة تصل إلى (50) مليون جنيهاً مصرياً، هو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي أمير الشارقة، فهذا بوجه عام النشاطات الرئيسية للمجمع، وهناك مطبعة المجمع ومنشوراته ومجلاته ومؤتمراته تذاع على المثقفين العرب، ونحن نعتقد أن الحلقة الوسطى أو همزة الوصل بيننا وبين الأمة العربية هم أهل الإعلام والذين نقدر جهودهم في خدمة اللغة، ولكن نطالبهم بمزيد من الجهد في توصيل نتائج العمل التي تسفر عنها جهود اللجان العلمية المختلفة، وتبلغ الآن ما يقارب ثلاثين لجنة علمية سواء في الجانب اللغوي أو العلمي أو الفني أو الحضاري، وهذه اللجان يشارك فيها أعضاء المجمع وخبراء من العلماء العرب سواء كانوا في الجامعات المصرية أو العلماء العرب المقيمين في مصر.
* الهيئة نت : هل تعتقدون أن اللغة العربية تتعرض إلى خطر أو غزو فكري؟
// الشافعي : اللغات الآن كلها تتعرض الاخطار نتيجة فكرة العولمة التي لم تؤد إلى ما يطمع فيه الناس وهو أن يصبح العالم كله قرية واحدة وأن تزول الفوارق وأن تزدهر كل اللغات والثقافات والحضارات وتتبادل التأثر والتأثير في حرية وندية ومساواة، لكن الذي يجري في حركة العولمة السياسية هو سيطرة لغة واحدة، وثقافة واحدة هي اللغة الانكليزية والثقافة الأنكلو سكسونية الأمريكية وهذا يهدد بعض اللغات في العالم بالاختفاء الكامل كما يقول الخبراء ولكن اللغة العربية لا يلحقها هذا التهديد، اللغة العربية هي خامس لغة من حيث الترتيب في العالم من حيث التصنيف الكلي، ومن حيث الناطقين بها والذين يفهمونها فهي ثالث لغة في العالم، وهي ليست مهددة بالاختفاء ولا صحة لما يقوله البعض من هذا القبيل، لكنها نعم مهددة بالتأثر السلبي نتيجة غلبة ثقافة واحدة ولغة واحدة تنال كل الإمكانات للإشاعة العالمية وبالتأكيد تحدث تأثيراً سلبياً باللغة، ونحن نقاوم ذلك كما تقاومه بعض اللغات الأوربية كاللغة الفرنسية وغيرها، وننتبه له ونعتقد أن اللغة العربية لا تشكو من الجمود كما يقول البعض، لو قارنا اللغة العربية الآن بما كان ينطقه أجدادنا في بداية القرن الماضي فسنجد أنها ازدادت مرونة واتساعاً وقدرة على التعبير عن مصالح الحياة وهو الجانب النفعي من اللغة، والتعبير عن المشاعر والعواطف وهو الجانب الأدبي والفني والحضاري من اللغة، لا مقارنة لقد ازدادت جمالاً ومرونة وحيوية لكن الخطر الحقيقي هو ضعف اللغة وتحريفها على ألسنة الناشئة العرب الذين لا يحسنون النطق بها هذا هو الخطر الحقيقي.
* الهيئة نت : هنا يبرز سؤال بهذا الصدد كيف ننشئ جيلاً يعتز بلغته وبهويته؟
// الشافعي : هذا يحتاج إلى ثورة ثقافية وتحول في النفس العربية؛ لأنه في الحقبة الماضية كان هناك كثير من المتعلمين لا نقول من المثقفين يعتزون بالتعبير عن أنفسهم بلغات أخرى أو بمزيج من اللغة العربية واللغات الأخرى ولا يستحون من ذلك، وكان السياسيون والزعماء ينطقون العربية بطريقة مهينة وسيئة بما يدل على عدم الاعتزاز بلغتهم القومية، فعندما تنتفض النفسية العربية ونصبح معتزين بحضارتنا العربية وثقافتنا العربية كما ننشد ونأمل إن شاء الله بعد التحول النفسي والسياسي في العالم العربي في الظروف الأخيرة نعتقد أنه حينذاك ألا تهان اللغة العربية في عقر دارها وألا تزاحمها بل لا تتسيّد عليها بعض اللغات الهجين منها ومن اللغات الأخرى، وأن يعود الصفوة والنخبة العربية سواء على الصعيد العلمي أو على الصعيد السياسي إلى الاعتزاز بها وما لم يتم هذا فستظل العربية تعاني من مشكلاتها الراهنة.
* الهيئة نت : أكملتم الدكتوراه في لندن، لماذا؟، وهل يمكن المقارنة بين التعليم في العالم العربي والعالم الغربي؟
// الشافعي : الفارق الوحيد الذي يدعونا إلى السفر إلى الغرب بالنسبة لدارسي العلوم العربية والإسلامية هو اتقان اللغة، إننا لسنا ضد اتقان اللغات الأجنبية نحن ضد التعليم بتلك اللغات؛ لأننا نعرف ونذكر دوماً أنه لا توجد أمة في العالم ولا دولة في الدنيا تدرس العلوم على المستوى الابتدائي أو الثانوي أو الجامعي بغير لغتها، حتى اللغات الصعبة كاللغة الصينية واليابانية فهذه لغات فيها بعض الصعوبة واللغة السنسكريتية وهي لغة من أصعب اللغات، واللغة الكورية وهي من نفس العائلة هؤلاء جميعاً يدرسون جميع العلوم بلغاتهم، دعنا من هذه البلاد القديمة والعريقة بل إسرائيل التي أحيت لغة من الموات في خلال نصف قرن أصبحت تدرس كل العلوم بالعبرية وتصدر الأبحاث العالمية بالعبرية، فالمشكلة كما قلت هو الاعتزاز باللغة القومية واحترامها وعدم الاحساس بالعار أو بالدونية أو بالتخلف عند النطق بها، فما لم يفكر العربي بالعربية ويتذوق الحياة بالعربية ويعبر عنها بالعربية فلن يبدع بأي لغة أخرى؛ لأن الخبراء يقولون هذا العقل لا يبدع إلا بلغته القومية اللغة الأم، واللغة الأم للأمة العربية هي اللغة العربية؛ لذلك إذا صارت هي لغة العلم والتعليم والحياة والثقافة والبحث العلمي فانتظر الإبداع والانطلاق للعقلية العربية والحضارة العربية، هذه هي خلاصة الموقف، أما سفرنا فهو للتمكن من اللغة الأجنبية لأننا لن نلحق بالعالم إلا إذا عرفنا لغتهم ويجب أن نعرف أننا أسهمنا في الحضارة الإنسانية بحظ كبير، لكن الإنسانية في القرن الماضي قطعت شوطاً كبيراً في العلوم التجريبية وغيرها ربما يزيد على ما قطعته طوال تاريخها القديم فلا ينبغي أن تكون هناك فجوة بيننا وبينهم، وأن نبدأ من حيث انتهوا وبالتالي فنحن نؤمن بضرورة اتقان اللغات الأخرى، وفي المجمع نحن نحرص ونقدم من يتقنون أكثر من لغة أجنبية ونشارك في ربط العقلية العربية بحركة العلم العالمي لكن مع الرغبة في تعريب التعليم وتعريب العقلية وتعريب التفكير العلمي سعياً إلى الإبداع العربي إن شاء الله.
* الهيئة نت : ونحن ندخل العام الهجري الجديد، ماذا تقولون للمسلمين عموماً وللعراقيين خصوصاً ؟
// الشافعي : الذي أخاطب به المسلمين عموماً هو أنني أتمنى ألا يكون هذا القرن الذي انقضى منه ثلثه الأول صراعاً بين المسلمين بعضهم ببعض؛ لأن الشواهد تدعو إلى التوجس والخوف من صراع ينشب بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة الاثني عشرية، وأنا أذكر منذ نحو أكثر من عشر سنوات تكلمت في مؤتمر خاص عن الإمام محمد عبده، وقلت إن الشيخ مصطفى عبد الرازق ختم كتابه المشهور بتمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية وضم إليه ضميمة في آخره عن تاريخ علم الكلام وكانت آخر جملة في هذا الكتاب أن القرن الحالي وكان يتكلم عن القرن العشرين، وقال هذا القرن سيكون فيه صراع بين المذهب السلفي ومدرسة الإمام ابن تيمية وابن القيم خاصة والأشاعرة وقد كان، وأنا لست مثل الشيخ مصطفى في إلهامه أو نقائه وتقديره ولكن أخشى وأرجو ألا يكون القرن الخامس عشر قرن الصراع بين أهل السنة والجماعة والشيعة الاثني عشرية خصوصاً، والشواهد واضحة وهو أن إخواننا الإيرانيين يصدرون مذهبهم ويعطون منحاً لبلاد سنية خالصة كنيجيريا وإندونيسيا وبأعداد كبيرة وهذا معناه الاتيان على العالم الاسلامي من أطرافه، أنا أرجو أن يكون هذا باطلاً ولكن لا أملك إلا أن أنبه، وكذلك ما يحدث في العراق وما يحدث في سوريا والخليج ولبنان فضلاً عما أشرت إليه في نيجيريا وإندونيسيا يدل على أن هناك بوادر صراع مرتب له، بل إن مصر والقاهرة التي هي سنية خالصة والتي حكمها الشيعة الفاطميون أكثر من قرنين من الزمان وحين خرجوا منها لم يبق فيها شيعي واحد لأن الشعب المصري انتفض ضد مذهبهم، الآن هناك شيعة يشتركون بالمظاهرات ويعملون بالإسكندرية مثلاً وبالتعاون مع بعض الصوفية المخدوعين أو المضللين أو المنتفعين ويقولون نحن شيعة وصوفية ويدخلون على نفسية المصري بالولاء لآل البيت، والمصريون كما تعلم يحبون آل البيت أكثر من الشيعة ولكنهم مسلمون سنة يحترمون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أجمعين، ولكن بالمكر بالليل والنهار يحاولون تغيير نفسيتهم أولاً ثم عقولهم ثانياً، هذا هو كلامي لعامة المسلمين بألا يسمحوا لقيام هذا الصراع لأن فيه ضعفاً للمسلمين، أما إن وقع فلابد من الدفاع عن النفس، أما العراق فهو ساحة لتلك المأساة التي أشرت إليها والأمر الآن فيه لفصيل واحد وهم الشيعة الاثني عشرية وما سوى ذلك من اتجاهات فهي موضع اتهام وتضييق، وأنا لست أنفخ في الرماد البارد وأتمنى ألا يكون ذلك، ولكن لابد من ايضاح ذلك والاطلاع عليه، سيما وأنا من الدارسين لمذهب الاثني عشري وحصلت على الدكتوراه من جامعة لندن في تطور علم الكلام الاثني عشري وفي الجهود الفلسفية والكلامية لنصير الدين الطوسي ودافعت عنه فيما يستحق الدفاع وأنه لم يكن وحده في الانضمام لهولاكو وجيشه، وأنه أسهم في إحياء الثقافة الإسلامية بعد احتلال بغداد وفي ظل الحكم القائم آنذاك كان للشيعة فيه دور بارز ولكن لم يكن فيه ضغط على أهل السنة ولم يمض جيل واحد إلا وأسلم أباطرة الحكام المغول وأولهم (أحمد تكودر) ثم من جاءوا بعدهم وحتى اليوم يتواجدون في سهول آسيا بالاتحاد السوفيتي وهم مسلمون سنة، فلدي معرفة بالكلام الاثني عشري وأنا أدافع عندما يقال إنهم دين آخر أو ملة أخرى هم مسلمون في النهاية، كما نجد لهم الآن في الثقافة المعاصرة هجوماً على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وهذا اتهام لشخصه الشريف صلى الله عليه وسلم، فأنا على علم بالمذهب الحقيقي وأدافع عندما يقال انهم يؤمنون بتحريف القرآن وهذا ليس في مذهبهم الحقيقي، وإن هذا موجود عند بعض علمائهم، وهم للأسف لا يتبرؤون من هذا وهم لا يقولون كلهم بتحريف القرآن ومن يقول بهذا فهو خارج الملة، ولكن نحن كمجتمعات سنية لا ينبغي اختراقها ومنها المجتمع المصري وعليهم أن يحترموا الآخرين وألا يضيقوا عليهم وألا يتقووا بالأجنبي وأن يعرفوا أن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.
* الهيئة نت : ما هي الطريقة السليمة لعرض العقيدة وترسيخها في قلوب المسلمين؟
// الشافعي : أعتقد شخصياً أن العقيدة ينبغي أن تنضبط بالقرآن الكريم، وفي هذا الأمر مذهبان، مذهب يقول لابد من أن نعتمد على الدليل العقلي فقط أو أساساً؛ لأننا لو قدمنا الدليل النقلي يكون كمن يضع العربة أمام الحصان وحسب المنطق الفلسفي والكلامي فهذا تناقض أو مصادرة على المطلوب لأنني لم أسلّم بعد بصحة الوحي فكيف تلزمني بما جاء في القرآن والحديث، لابد أن نتوافق أولاً على لسان واحد وأرض مشتركة وهو العقل وهو الدليل العقلي ثم بعد ذلك وبعد أن نثبت صحة النبوة ممكن أن نعتمد على كليهما وهذا هو المنهج الكلامي التقليدي، وهناك من لا يقبل إلا بالعقل أولاً وآخراً وهم الفلاسفة، وهناك من لا يقبل إلا بالنقل وهم غلاة أهل السنة الذين يسمون أحياناً بالحشوية، يعني لا مجال للدليل العقلي ولا دليل إلا الوحي، أنا أقول بشيء رابع لا هو المنهج الفلسفي العقلاني الخالص، ولا بالمنهج الكلامي الذي يقدم العقل ثم يضيف إليه النقل بعد اثبات الوحدانية والنبوة وأن القائلين بتقديم العقل على النقل مخطئون، ولا بالمذهب الحشوي الذي لا يقبل إلا بالدليل النقلي، أنا أقول هذا طريق مشروع وذاك مشروع ولكن طريقة إحياء الكلام؛ لأن علم الكلام نشأ شرعياً وهو عبارة عن الأحكام الشرعية الاعتقادية كما أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية، فإن كان أمراً يُعتنق فهو حكم كلامي، وإن كان أمراً يُنفذ وتستخدم فيه الأعضاء فهو حكم عملي فقهي، وهذا هو الفرق بين أصول الدين وفروع الدين أو بين الكلام والفقه، ولو نظرنا إلى القرآن باعتباره نصاً إلهياً مقدساً فحسب، فنعم تقديمه على العقل يشبه تقديم العربة أمام الحصان أو اتخاذ المدعى دليلاً، ولكن إذا نظرنا إلى القرآن بوصفه يحتوي أدلة عقلية، فلما يقول تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أليس هذا يتضمن دليلاً أو برهاناً عقلياً على الوحدانية فلا ننظر إلى القرآن باعتباره نصاً مقدساً واجب القبول ولكن باعتباره يحتوي براهين عقلية هل يضيرها أنها جاءت في نص إلهي، ألسنا نأخذ الأدلة العقلية من الفلاسفة السابقين، أكبر الفلاسفة الذين يعتبرونه أمير الاتجاه العقلي في الفلسفة الحديثة وهو "ديكارت" في استدلاله العقلي على وجود الله وما يسمونه الكيجي الأول والكيجي الثاني، أنا أفكر فأنا موجود، وأوضح فكرة في رأسي هي فكرة الله أو الكائن الكامل المطلق الكمال وهذه تتعدى كياني المحدود ..... الخ، وإذا ثبتت الحجة الأولى والثانية أتى الثالث وهو وجود العالم من حولنا، أنا "ديكارت" أكتب على المنضدة وهناك أشياء حولي خلقها الله كما خلقني، طبعاً هذا الطريق بنى فلسفة وهذا نفسه قال به الفلاسفة السابقون وهو نقله عنهم ونحن نقوله عنه، فهل يجوز لنا أن نتلقى الأدلة وننقلها عن الفلاسفة السابقين وإذا جاءنا برهان عقلي مقنع ومنطقي سليم لا نقبله ولا نقول به لأنه ليس في الكتاب المقدس، هذه هي الطريقة الجديدة وفيها يكون الدليل النقلي نقلياً وعقلياً في وقت واحد، ولذلك لا نحتاج إلى أن نجزأ علم الكلام إلى أمور لا تثبت إلا بالعقل وأمور لا تثبت إلا بالنقل وأمور تثبت بهما، هذا هو رأيي انه منهج جديد وأسلوب جديد يمكن أن يكون به علم كلام جديد ويعود الارتباط كما كان أنه بدأ علماً شرعياً يعتمد على الشرع أي على الوحي ولكنه لا يتنكر للعقل بل يقبل ما في الوحي من أدلة عقلية، وهذه سوف تناسب المسلم العادي والمثقف بل وغير المسلمين ممن يريدون أن يقنعوا بأدلة مقنعة لا يهمهم مصدرها سواء جاءت من "ديكارت" أو غيره أو جاءت عن "الغزالي" و "ابن رشد" وغيرهم، وقد تكلمت عن هذا في كتابي "المدخل إلى علم الكلام" منذ حوالي ربع قرن ويمكن اعتماد ذلك ليكون كقواعد شرعية اعتقادية على نمط القواعد الشرعية الفقهية واعتمد في ذلك على القرآن.
* الهيئة نت : ماذا يعني لكم العراق؟
// الشافعي : هذا سؤال عام وأستطيع الجواب عليه فأقول إن العراق يعني بالنسبة للعرب رقماً صعباً وعزيزاً فقدته الأمة العربية، وأُخرج بمؤامرة إجرامية من الموازنة في المعركة الحضارية الدائرة والدائمة بين العرب وأعدائهم وخصوصاً العبرانيين، نحن لسنا ضد اليهود كدين ولا كأمة، ولكننا ضد المعتدين والمحتلين، والعراق بالنسبة لنا، بل إن الدارسين يعلمون أن العراق أقوى دولة عربية من حيث الموارد المختلفة، تليه مصر ثم الجزائر وهو يعني بالنسبة لي بلاد الرافدين، بلاد الخلافة العباسية، بلاد العلم والأدب والشعر.
* الهيئة نت : كيف تقيمون المشهد والوضع العراقي الحالي؟
// الشافعي : لا بد أن اعترف أن معلوماتي عن المشهد العراقي الحالي محدودة جداً؛ لأنه منذ أن استولى رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي على الحكم، فان المعلومات عن العراق في الصحف والأخبار العربية قليلة؛ لأنها وللأسف لم تعد تولي العراق اهتماماً كما كانت من قبل، ولكن تقييمي الشخصي أن الحكم الآن في العراق لفئة واحدة وهم على تواصل مع ايران سواء كان ذلك بصفة رسمية أو غير رسمية، وأن أهل السنة في العراق في حالة ضيق وتضييق وهذا جانب معلوم لنا، لكنه ليس هو أخطر شيء فالذي يؤذينا أن الحكومة الحالية ليست واضحة المواقف من السلطات الأمريكية وأن الأمريكان سلموا السلطات لهم ويبدو أن هناك تواطؤاً بين الفريقين، وخوفنا على العراق ليس من الناحية الطائفية أو الدينية أو المذهبية وإنما على العراق الوجه العربي، الذي أصابته تشوهات ليس أقلها الانفصال الكردي، الذي أصبح حقيقة واقعة وفرض نفسه مستغلاً الأوضاع الناشئة عن الاحتلال الأمريكي الذي أدى إلى تغييب وجه العراق العربي وأصبح مجمع اللغة العربية في هذا البلد مجمعاً للغات الاخرى، فإذا أضفت إلى هذا انفصال السودان فإن العربية قد مُنيت في هذا العقد البائس من السنين العشر بضيق المساحة اللغوية، صحيح أن للغة العربية الآن امتداد في وسط آسيا ولكنه محدود والظاهر تماماً أن جنوب السودان والمنطقة الكردية في العراق قد خرجت من نطاق العربية إلى نطاق اللغة المحلية مع أن الكثير من الأكراد يتكلمون العربية ويكتبون الشعر العربي وكذلك جنوب السودان، فإن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تفهمها قبائل الجنوب، والذين يتكلمون اللغة الانكليزية هم فئة قليلة جداً، فهذه ناحية تؤذينا وتؤسينا، فضلاً عما أشرت إليه وهو نجاح المخطط الأمريكي الذي يعمل على تفكيك العالم العربي، وانزواء الثقافة العربية إلى الداخل وإلى المركز كمصر والسعودية أضف إلى هذا أن بعض الدول العربية نفسها تتخذ اللغات الأخرى وخاصة الانكليزية وسيلة للتعليم في كل شيء حتى في العلوم الشرعية فالمسألة تبدو نجاحاً أكثر من المتوقع للخصوم والأعداء ونقصاً وفشلاً للغة والثقافة العربية عموماً، ولا يكاد يوجد فاصل بين الإسلام والعروبة فإذا ضعف أحدهما ضعف الآخر، وإذا قوي أحدهما قوي الآخر، وما قاله عمر رضي الله عنه: "إذا عزَّ العرب عز الاسلام" وهذه حقيقة تاريخية وحقيقة واقعية لا تزال الأيام تؤكد ذلك حيناً بعد حين، نسأل الله أن ينفض العراق عن نفسه آثار الاحتلال الأمريكي، فوحدة التراب العراقي حق في التاريخ والتراث والواقع، وأن يعود العراق فيفرض نفسه من جديد.
* الهيئة نت : يفهم من كلامكم أنكم ضد فكرة الفدرالية التي ينادي البعض لتطبيقها في العراق.
// الشافعي : قد يراها البعض حلاً، لكن نحن نراها غير ذلك وننظر إلى الأمور نظرة عامة ولعل الفدرالية يراد لها أن تطبق في العراق بميزانين لا بميزان واحد، فالطائفية والشعوبية والعرقية والاستقواء بالخارج كل ذلك يؤثر عادة في تنفيذ الفدراليات، فلو بدت في وقت ما حلاً سياسياً فهي ليست حلاً حضارياً على كل حال، وأنا أتكلم من الناحية الثقافية والحضارية.
* الهيئة نت : ما هو تصوركم لمستقبل العراق؟
// الشافعي : هذا سؤال صعب؛ لأنه يتصل برؤية مستقبلية واستراتيجية ولا يمكن إبداء الرأي إلا بناء على معلومات كافية للواقع المعاصر، فالأمور لا يمكن أن تحدث فجأة وصدفة وإنما تخضع كما نعرف لسنن الله وقوانينه، ولعل غيري أقدر على تقديم هذه الرؤية المستقبلية، لكن أنا شخصياً موقن أن الأوضاع الحالية مصطنعة؛ لأن للمحتل دوراً فيها، نعم الذي أعطاها نوعاً من الصلابة المؤقتة هو الجانب الطائفي وإسناد الحكم الحالي إلى نفوذ فئة معينة، وكون النظام الحالي وريثاً غير شرعي للاحتلال وكونه أيضاً ذا وجه طائفي، كل ذلك نقاط ضعف بالمقاييس التاريخية على أنه محدود العمر، لذلك فأنا أعتقد أن وجه العراق العربي المعهود لنا، المناصر للثقافة والقضايا العربية، والذي نجح الأعداء في إسقاطه من الحسابات العربية كرقم صعب كما قلنا في البداية، هو الأقوى عربياً من ناحية الامكانيات، وأنا أعتقد أن العراق لن يظل على ما هو عليه الآن، طال الزمن ام قصر، وسينتهي الوجه الطائفي الموالي أو المستقوي بالخارج عندما تقوى العناصر الداخلية للبنية العراقية - إن شاء الله - وتلك رؤيتي وتوقعاتي ومعلوماتي المحدودة.
* الهيئة نت : كيف تنظرون إلى هجرة علماء ومفكري العراق؟
// الشافعي : الهجرة لا شك تضعف العراق من الداخل، وإن كانت الهجرة في النهاية ضرورة؛ لأنها نفي سواء كان نفياً ذاتياً أو نفياً إجبارياً، وهي مأساة لا يعرفها إلا من ذاقها، فما أقول عن الهجرة، الهجرة بلاء وشدة وضعف للعراقيين في الداخل وضعف لأهل السنة بالذات لأنني أظن أن نسبة المهاجرين منهم أكبر من الفئات الأخرى، فعلماء العراق جني عليهم ونالهم من الظلم ومن البلاء الكثير قديما وحديثاً.
* الهيئة نت : كيف تقيمون أداء وعمل هيئة علماء المسلمين في العراق؟
// الشافعي : أنا التقيت، الشيخ حارث الضاري أكثر من مرة عندما زار القاهرة وسعدت بلقائه، وهو فيما أعتقد رجل صارم، وهذه ميزة ايجابية للقائد، هذه رؤيتي له، كما أعرف الكثير من أهل العلم الشرعي وشيوخ القبائل وهم إخوتي، والهيئة تمثل برأيي كيانا معنويا على الصعيد الفكري والثقافي، وليس بالضرورة أن تكون كياناً سياسياً، وأرجو أن يكون لها تأثير ونفوذ في الداخل.
* الهيئة نت : شكراً لكم دكتور وجزاكم الله خيراً.
// الشافعي : أهلاً ومرحباً وبارك الله فيكم
يشار الى ان الدكتور (حسن محمود عبد اللطيف الشافعي) وهو من مواليد عام 1930 في محافظة بني سويف، كان قد التحق بكليتي أصولِ الدّين بِجامعة الأَزهر، ودار العلوم بجامعة القاهرة عام 1953، وتخصص في دراسة الفلسفة الإسلامية، وتخرج منهما عام 1963م، وحصل على الماجستير من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام 1969م، والدكتوراه من معهد الدراسات الشرقية والافريقية بجامعة لندن عام 1977م، وله العديد من المؤلفات والبحوث باللغة العربية واللغة الانكليزية: منها (الآمدي وآراؤه الكلامية)، و (علم الكلام بين ماضيه وحاضره )، و (تجديد الفكر الإسلامي).
تولى الدكتور الشافعي مناصب عدة ، بينها عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، وعضو مركز الدراسات الإسلامية بجامعة القاهرة، ثم رئيس الجامعة الإسلامية في إسلام آباد، ورئيس المكتب الفني لشيخ الأزهر، وأخيرا رئيس مجمع اللغة العربية.
الجدير بالذكر أن مجمع اللغة العربية تأسس بمصر في عهد الملك فؤاد عام 1932م، وبدأ العمل فيه عام 1934م، وتولى رئاسته كل من ( محمد توفيق رفعت، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وإبراهيم مدكور، وشوقي ضيف، ومحمود حافظ، وأخيراً حسن الشافعي).
الهيئة نت
ح
رئيس مجمع اللغة العربية في مصر (حسن الشافعي) يصف العراق بانه رقم صعب وعزيز فقدته الامة العربية
