تشهد أغلب المناطق في محافظة البصرة ظاهرة تجريف الأراضي الزراعية ولا سيما بساتين النخيل، وتضاءل المساحات الخضـراء أمام زحف البناء المتسارع الذي طال تلك المساحات التي
كانت بمثابة رئة الوطن الخضراء، ما ينذر بحدوث كارثة اقتصادية وبيئية كبيرة لا تحمد عقاباها، في ظل اهمال متعمد وصمت مطبق من قبل المسؤولين الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003.
ولتسليط الضوء على هذه الكارثة التي تأتي في سياق الكوارث والازمات الاخرى التي حلت بالعراق بعد الاحتلال الغاشم، اعدت المصادر الصحفية تقريرا تضمن لقاءات مع عدد من المسؤولين والمزارعين في المحافظة الذين اكدوا ان معظم المناطق التي كانت تتميز بالنخيل الباسقة، أصبحت الان صحراوية، مليئة بجذوع تلك النخيل المتفحمة نتيجة ما حل بها من دمار وشح المياه والإهمال.
وكان اول المتحدثين محافظ البصرة (خلف عبد الصمد) الذي قال: لقد فاقت جرائم الاعتداء على الأراضي الزراعية وتجريفها حدود التصور، ما تسبب ذلك بفقدان مساحات كبيرة من الأراضي الخصبة والمنتجة، واستبدالها بأراضٍ مستصلحة لا يمكنها اعطاء ذات الجودة والإنتاجية في الغذاء.
كما اكد (خيري عزيز السعد) مدير قسم البيئة في المحافظة ان واقع تجريف الأراضي الزراعية الذي اصبح مأساوياً يتطلب من الحكومة الحالية تبني الحلول الناجعة والمعالجات الآنية، والتصدي الجاد والسريع لجريمة التجريف وتأثيراتها السلبية على الواقع الاقتصادي والبيئي .. موضحا ان ظواهر التصحر والتعرية التي شهدتها مساحات شاسعة من الأراضي وجعلتها يبابا، ما هي إلا نتاج عمليات التجريف التي اكتسحت الغطاء النباتي، وخير دليل على ذلك، التناقص الملحوظ في أعداد نخيل البصرة التي تعد مصدرٌ مهم لرفد اقتصاد البلد من التمور المختلفة إضافة الى تثبيتها للتربة ومكافحة التصحر وتقليلها من درجات الحرارة وشدة الرياح، ولا سيما في مناطق شط العرب والمدينة وأبو الخصيب.
من جهته حمّل المهندس ( محمد فالح البيضاني) احد العاملين في مديرية الزراعة، الجهات الحكومية مسؤولية عدم تفعيل قوانين حماية الغطاء النباتي كالغابات والبساتين والموارد الطبيعية الأخرى، الذي شجع اصحاب تلك البساتين على تغيير جنس العقار من بستان إلى سكن، ما ادى ذلك الى تحويل الأراضي الزراعية إلى مساكن وفلل.
وفي شرحه لهذه المشكلة المتفاقمة بمحافظة البصرة ، عزا (حسن خلاطي) عضو ما يسمى مجلس المحافظة، اسباب ذلك الى أزمة السكن التي يعاني منها العراق بصورة عامة والتي تدفع بالمواطنين الى شراء الأراضي الزراعية أو التجاوز على أراض للدولة وتجريفها من البساتين وبناء المساكن عليها .. مشيرا الى ان تنامي ظاهرة البناء العشوائي في المناطق المتميزة ببساتين النخيل والخضراوات زادت الامر سوءاً، واصبحت ظاهرة لا يمكن السكوت عنها، لاسيما ان هذا البلد بحاجة ماسة لتأمين غذاء ابنائه من الفواكه والخضراوات وإعادة ثروته من التمور .
بدوره قال (وليد الشريفي) قائممقام قضاء الفاو: إن الزحف العمراني المتواصل على ألاراضي المخصصة للبساتين هو تبديد للثروة الزراعية، حيث أدى هذا الزحف الى فقدان مساحات كبيرة من تلك الأراضي نتيجة استقطاع الآلاف من الأفدنة لبناء الأحياء السكنية والمشاريع الصناعية عليها .. محذرا من تفاقم ظاهرة التجريف التي أصبحت مصدر تهديد حقيقي للغطاء النباتي، وازدياد معدلات الزحف العمراني على الأراضي الزراعية، لما سيترتب على ذلك من تقليصها، وبالتالي ارتفاع أسعار المنتجات والمحاصيل الزراعية.
وكشف (إسماعيل العامري) قائممقمام قضاء أبي الخصيب، النقاب عن ان هناك من وصفهم بالرؤوس الكبيرة الذين يقفون وراء عملية تجريف البساتين وتقطيعها وبيعها على شكل قطع سكنية .. مؤكدا أن جميع عمليات البيع تتم خارج المؤسسات الرسمية ولا يما (التسجيل العقاري ووزارة الزراعة) وعبر توقيع وكالات زراعية خاصة، غير ملزٍمة قانونياً تنتهي بوفاة الموكّل، كما ان هناك مسؤولون حكوميون كبار يعملون في أماكن خاصة تتم فيها عمليات البيع والشراء، دون أن تمر على مؤسسات الدولة المعنية، حيث تكمن هذه المشكلة في عدم وجود نص قانوني يحمي النخيل ويمنع تجريفها من قبل المالكين.
ودعا (فاروق عبد العزيز طه) عضو هيئة الإرشاد الزراعي بالمحافظة الى ضرورة تفعيل قانون حماية المنتجات الزراعية وخاصة النخيل، الذي أخذ بالانحسار، ولا سيما في محافظات وسط وجنوب العراق، التي أصبح أعداد النخيل فيها لا يتجاوز الثلاثة ملايين نخلة في الوقت الحاضر .. مؤكدا ان هناك أسبابا كثيرة تقف وراء ذلك، بينها بيع الفسائل إلى بعض البلدان المجاورة نتيجة الظروف الصعبة التي يعيشها الفلاح، إضافة إلى نقص الموارد المائية وعمليات الري وقلة القروض الزراعية، فضلا عن الإجراءات الروتينية الخاصة بإنشاء مشاريع تسهم في تطوير الماكينات الزراعية وتأهيلها.
من جهته، يرى (علاء البدران) رئيس نقابة المهندسين الزراعيين في البصرة ان تجريف الأراضي الزراعية سببه النقص الحاد بالأراضي المخصصة للسكن من جهة ولعدم قدرة المواطن على شراء أرض سكنية نتيجة ضعف القدرة الشرائية، وعدم وجود برنامج لمعالجة الأزمة السكنية التي يعاني منها العراق، ولكون الأراضي الزراعية قريبة من التجمعات السكانية فإنها تتعرض للتجريف والتقسيم وردم الأنهار وقلع أشجار النخيل والمغروسات الأخرى بهدف تحويلها إلى أراض سكنية .
وكان آخر المتحدثين المزارع (حسنين جاسب) من سكنة ناحية الهارثة حيث اكد إن الحفاظ على الأرض الزراعية هو حق عام، والفلاح اكثر حرصا على أرضه حتى لو كانت تابعة للحكومة من أي شخص آخر، ولكن هناك بعض أصحاب النفوذ من تجار تقسيم الأراضي، والذين لا يهمهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية، ما زالوا يعيثون في الارض فسادا، على حساب الفلاح البصري الذي يعد الخاسر الأكبر في هذه القضية .
وكانت وزارة البيئة في الحكومة الحالية قد اعدت دراسة استعرضت فيها المخاطر المستقبلة التي ستسببها جريمة تجريف الاراضي الزراعية وقلع النخيل، بينها ازدياد عدد العواصف الترابية التي سيشهدها العراق خلال السنوات العشر المقبلة الى ( 300 ) عاصفة في السنة، ستتسبب بأضرار مادية تتجاوز الـ( 100) مليون دولار سنويا .. موضحة ان المناطق المخصصة للرعي بدأت تزرع بمحاصيل إستراتيجية كالحنطة والشعير، ما ادى ذلك إلى الإضرار بالتربة وقلة تماسكها نظرا لقلة الأمطار وانخفاض الغطاء النباتي الذي عرّض التربة للتعرية ، وبالتالي تقلصت المساحات المخصصة لزراعة أشجار النخيل التي تستخدم كمصدات للرياح، إضافة الى الهجرة القسرية وكثرة الأراضي البور.
وكالات + الهيئة نت
ح
بسبب الاهمال وجشع المفسدين وشح المياه .. بصرة النخيل تتحول الى ارض جرداء
