يحصر أكثر النحويين أسباب الجر في ثلاثة أمور: هي الجر بأحد حروف الجر والجر بالإضافة والجر بالتبعية وأما في غير هذه الأمور فقد اختلف النحاة في الأخذ بها.
ولكن الشواهد من النثر الفصيح والشعر الصحيح تؤيد بأن هناك سبباً آخر يمكن أن يجعل مع الأسباب الثلاثة، ومنها الجر على الجوار فالعرب ورد عنهم الجر بسبب المجاورة لمجرور من غير عامل قاصدين بذلك المناسبة في الجانب اللفظي وليس المعنوي ولذا عد النحاة حركة هذا النوع من الحركة بأنها حركة مناسبة وليست حركة إعراب أو بناء، وقد ضمن بعض الشعراء في أشعارهم هذا الحكم تمليحاً، فقال أبو بحر صفوان بن إدريس بن إبراهيم التجيبي المرسي، (598هـ):
جاورتهم فانخفضت هوناً يارب خفضٍ على الجوارِ
وقال آخر متعجباً من جمال حسن هذا الخفض تضميناً:
لمّا رأتني خفضت طرفها فقلت: ما أحسن خفض الجوارِ
مواضع الجرِ على الجوار:
من يستقرئ محال الجر على الجوار في كلام العرب يجده في باب النعت، والعطف والتوكيد وكثرة هذه الشواهد وثبوتها تؤكد ثبوت هذا الباب النحوي، ومن الجر على الجوار في باب النعت قوله تعالى (( إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط)) (هود:84) فكلمة (محيط) هي وصف للمضاف وليست للمضاف إليه، لأن اليوم ليس بمحيط بل المحيط في المعنى هو العذاب.
ومن شواهد الجر على الجوار أيضاً في باب النعت في نثر العرب قولهم: (هذا جُحر ضبٍ خربٍ)(1) فخرب نعت للجحر وليس للضب وجر لمجاورته للمضاف إليه، ومن شواهد هذا النوع في أشعار العرب قول امرئ القيس:
كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أُناس في بجاد مزملٍ(2)
فمزمل موضعها في الأصل أن تكون مرفوعة لأنها نعت للكلمة (كبير) ولكن امرأ القيس جرّها جواراً لكلمة (بجاد).
ومنها ايضاً قول ذي الرمة:
تريك سنة وجهٍ غير مقرفةٍ ملساء ليس بها خال ولا ندب(3)
فكلمة (غير) موضعها في الأصل أن تكون منصوبة لأنها نعت لكلمة (سنة) ولكن الشاعر جرّها مجاورة للمضاف إليه (وجهٍ).
وأما شواهد الجر على الجوار في باب العطف فمنها قوله تعالى: ((وامسحوا برؤوسكم وارجلكم)) (المائدة: 6) بجر (أرجلِكم) في قراءة ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري وحمزة بن حبيب الزيات ورواية شعبة عن عاصم.(4)
فكلمة (أرجلكم) في آية الوضوء معطوفة على (أيديكم) لا على (برؤوسكم) إذ الأرجل مغسولة وليست ممسوحة، قال الزمخشري: (الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها فجيء بالغاية إماطةً لظن ظان يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة.)(5)
وجملة (امسحوا برؤوسكم) معترضة بين الأعضاء المغسولات وفائدة هذا الاعتراض الإشارة إلى الترتيب بين أعضاء الوضوء إذ ذكر الممسوح بين مغسولين سابقين ومغسول لاحق.
ومنها أيضاً قوله تعالى: ((يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يصدعون عنها ولا ينزفون. وفاكهة مما يتخيرون. ولحم طير مما يشتهون. وحورٌ عين)) (الواقعة: 17-22) بجر (حورٍ عينٍ) في قراءة حمزة بن حبيب الزيات والكسائي(6)
فالعطف للحور العين أصله معطوف على الولدان وليس على الأكواب والأباريق؛ لأن المعنى يراد به الولدان يطوفون عليهم بالحور العين.
ومن شواهد الجر على الجوار في باب التوكيد قول الشاعر:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذّنبِ(7)
فكلمة (كلهم) مجرورة بسبب جوارها من (الزوجات) مع أنها توكيد معنوي ولكلمة (ذوي) المنصوبة، ولو كان الشاعر قاصِداً توكيد (الزوجات) لقال: (كلهن).
مواقف العلماء والنحاة من الجر على الجوار:
بعد ثبوت الشواهد المقررة لهذا الباب النحوي تباينت أقوال علماء النحو ومن تبعهم في الأخذ بالجر على الجوار وتوجيه هذا الباب ومواقفهم يمكن حصرها بأربعة أقوال هي:
1- إجازة الجر على الجوار مطلقاً:
ومن الذاهبين إلى ذلك سيبويه فقد قال في الكتاب: (ومما جرى نعتاً على وجه الكلام: هذا جحر ضبٍ خربٍ، فالوجه الرفع، وهو كلام أكثر العرب وأفصحهم، وهو القياس، وهو القياس؛ لأن الخرب نعت الجحر والجحر رفع، ولكن بعض العرب يجره وليس بنعت للضب، ولكنه للذي أُضيف إلى الضب، فجروه؛ لأنه نكرة كالضب؛ ولأنه في موضع يقع فيه نعت الضب؛ ولأنه صار والضب بمنزلة اسم واحد )(8)
2- الاقتصار فيه على السماع وعدم القياس عليه لقلته.
وممن ذهب إلى هذا ابن الأنباري في كتابه أسرار العربية.(9)
3- إجازة الجر على الجوار بشروط:
وممن ذهب إلى ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي فقد اشترط في جواز ذلك اتفاق المتجاورين في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير.(10)
ويفهم من كلام ابن الحاجب أنه يشترط عدم اللبس، فقد قال: (قد يوصف المضاف إليه لفظاً والنعت للمضاف إذا لم يلبس، ويقال له: الجر بالجوار وذلك للاتصال الحاصل بين المضاف والمضاف إليه، فجعل ما هو نعت للأول معنى نعت الثاني لفظاً.)(11)، واشترط ابن مالك هذا الشرط نفسه فقال:
(ولا يفعل هذا إلا إذا أمن اللبس)(12)
4- منع الجر على الجوار مطلقاً:
وممن ذهب إلى منع ذلك النحاس،(13) وابن جني وعده مخالفاً للإجماع وشاذاً لا يجوز القياس عليه، فقال: (فما جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بدئ هذا العلم، وإلى آخر هذا الوقت ما رأيته أنا في قولهم: هذا جحرُ ضبٍ خربٍ، فهذا يتناوله آخر عن أولٍ وتالٍ عن ماضٍ على أنه غلط عن العرب، لا يختلفون فيه ولا يتوقفون عنه، وأنه من الشاذ الذي لا يحمل عليه، ولا يجوز ردُّ غيره إليه).(14)
ـــــــــــــــــــ
(1) الكتاب لسيبويه: 1/436.
(2) شرح القصائد العشر للتبريزي: 57.
(3) معاني القرءان للفراء: 2/74.
(4) السبعة لابن مجاهد: 242.
(5) الكشاف: 1/611.
(6) السبعة لابن مجاهد: 622.
(7) معاني القرءان للفراء: 2/75.
(8) الكتاب: 1/436.
(9) أسرار العربية: 338.
(10) الكتاب لسيبويه: 1/437.
(11) شرح الكافية: 1/318.
(12) شرح الكافية الشافية: 3/1166.
(13) إعراب القرآن: 2/9.
(14) الخصائص: 1/191، والمحتسب: 2/297.
الجر على الجواز في النحو العربي/ د.عمر مكي
