بمجرد أن فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية وهزمت حركة فتح هزيمة نكراء، فقد قادة فتح صوابهم وأتوا بكل ما هو غريب وعجيب، وصبوا جام غضبهم على حماس، ودخلوا في لعبة حياكة المؤامرات ضدها، لا لشيء سوى أن حماس أثبتت فشلهم وفضحت زيفهم وفسادهم.
ومعلوم أن قادة فتح في المستويين الأعلى والمتوسط، قد تورط الكثيرون منهم في قضايا فساد فاحت رائحتها بدرجة تزكم الأنوف، وفي نفس الوقت هم يدركون تماماً طهارة أيدي حماس وقادتها، وبالتالي يتوقعون أن تكشف حكومة حماس الكثير من قضايا الفساد وتحاكم أصحابها.
حركة فتح وقادتها استفادوا من السلطة وجعلوها 'مغنما' فحصلوا على أهم الوظائف والمنح والصفقات، ومعنى فوز حماس أنها ستحرمهم من كل ذلك.
وكانت أول المحاولات الانتهازية والمكشوفة التي فعلتها فتح قبل الانتخابات وتحسبا لنجاح حماس هي تلك الخطوات الاستباقية لإعادة التعيينات داخل الوزارات ومؤسسات المجلس التشريعي، حيث قامت وزارات السلطة بإجراء سلسلة من الترقيات والتعيينات واسعة النطاق، شملت عناصر فتح دون غيرهم لتحقيق هدفين:
أولهما: إحكام سيطرة فتح علي الوزارات والمؤسسات.
والثاني: إرهاق حكومة حماس الجديدة والإثقال عليها.
كما حاول المجلس التشريعي- المنتهية ولايته - سن بعض القوانين التي تكرس واقعا وظيفيا معينا بغض النظر عن الكفاءة والمصلحة العامة لشرائح المجتمع الفلسطيني، ومحاولة تقسيم البلد بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الحكومة، وسحب صلاحيات من مجلس الوزراء، عملت فتح ورموزها طويلاً على سحبها من الرئاسة.
ففي آخر جلسة للمجلس التشريعي المنتهية ولايته، تم تمرير قانون يمنح الرئيس محمود عباس صلاحية إنشاء المحكمة الدستورية، برئيسها وقضاتها، بعد التشاور مع مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل، وكان الوضع السابق يشترط تصديق البرلمان علي ذلك التشكيل، الأمر الذي يعني أن القرار الأخير سلب المجلس التشريعي اختصاصه، ووضع الأمر كله بيد الرئيس، وجعل منه المرجعية الدستورية الأولى، لأنه وحده الذي سيختار رئيس المحكمة وأعضاءها.
كما شملت المراسيم الرئاسية أيضا - التي صدق عليها المجلس التشريعي - مرسوما يقضي بتعيين رئيس لديوان الموظفين تابع للرئاسة، وهو ما يمنح الرئيس - ومن خلفه فتح - سيطرة علي قطاع الموظفين. ومن المفارقة أن الرئيس محمود عباس خاض صراعا مع الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 2003 لتحويل منصب رئيس ديوان الموظفين من سلطة الرئيس إلى سلطة رئيس الوزراء!!.
كما قضي مرسوم رئاسي ثان بتعيين أمين عام للمجلس التشريعي، ليحل محل أمين سر المجلس الذي يشغله نواب منتخبون في العادة. وبموجب التعيين الجديد، يكون الأمين العام للتشريعي مسئولا عن جميع موظفي المجلس، وهو ما يحول دون تمكين حماس من إحداث أي تغيير في بنيته الحالية، ويقضي مرسوم رئاسي ثالث بتعيين مدير جديد لديوان الرقابة الإدارية والمالية.
هذا التفكير من جانب فتح عبر بشكل واضح عن عقلية الابتزاز، وحب السيطرة والاستئثار بالسلطة، ووضع العراقيل بشكل مرضي وحاقد ضد المنافس القادم في حال نجاحه.
والعجيب أن حماس بعد نجاحها، وفي أول جلسة للمجلس التشريعي، ألغت كل هذه القوانين، التي هي مجرد ألاعيب مكشوفة، فثارت ثائرة قادة فتح واعتبروا ذلك ضد الديمقراطية وأشياء أخرى وكلام كبير رددوه.
فتح تتعاون مع الصهاينة ضد حماس!!
ومن ناحية أخرى، لم يكن أكثر المتشائمين يتصور ما فعلته فتح من تعاون مع الأمريكان والصهاينة ضد حماس. فالتقارير الموثقة المنشورة في أكبر الجرائد العالمية تحدثت بالأسماء عن تعاون بعض الأطراف الفلسطينية مع الإسرائيليين لإضعاف حكومة حماس وإفشالها.
ففي يوم 19 فبراير الماضي نشرت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية أن مسئولين رفيعي المستوي من الفلسطينيين والإسرائيليين عقدوا اجتماعات سرية في الثامن والتاسع من فبراير الماضي في معهد جيمس بيكر للسياسات العامة بمدينة هيوستن, تطرق البحث فيها إلي سبل إضعاف حركة المقاومة الإسلامية[ حماس] وتهميش دورها, بعد فوزها في الانتخابات التشريعية.
وقال تقرير الصحيفة إن أربعة أشخاص مثلوا كل بلد في تلك الاجتماعات, فكان جبريل الرجوب مستشار الأمن القومي للرئيس محمود عباس رئيسا للوفد الفلسطيني. ورأس الجانب الإسرائيلي الجنرال أوري ساغوي الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية, وأدار الحوار السفير الأمريكي الأسبق في كل من دمشق وتل أبيب ادوار جريجيان.
مأساة فتح الحقيقية
فتح في العشر سنوات الأخيرة ومنذ أوسلو على وجه التحديد تخلَّت عن ثوابتها التي هي ثوابت المقاومة، والرهان على الشارع الفلسطيني.
أصبحت هناك فجوة كبيرة جداً بين قيادة فتح الهرمة وبين القاعدة الشابة للحركة من ناحية، ومن ناحية أخرى توجد فجوة كبيرة بين فتح وبين الشارع الفلسطيني. فحينما يرى الشارع الفلسطيني وأبناء حركة فتح القيادات المتنفذة في الحركة يركبون السيارات الفارهة، ويمرون على المعابر بسهولة، بينما ينتظر الناس أربعة أيام بدون مياه ولا مظلات ويلاقون الأمرين من عجرفة الجنود الصهاينة. هذا ترك أثراً كبير عند الشارع الفلسطيني.
فتح أيضاً راهنت بشكل كامل على الولايات المتحدة الأميركية وعلى إسرائيل، وأصبحت تنتظر فتات السلام من إسرائيل ومن الولايات المتحدة الأميركية. إنهم لا يعلمون أن الشعب الفلسطيني ومعه كل الشعوب الإسلامية يرون أن أي أحد يقف مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن يكون عدوهم ويقفون ضده، لأنهم يعرفون أن الولايات المتحدة الأميركية تضع إسرائيل فوق القانون الدولي ولا تُقدِّم للعرب الذين يلوذون بها أي شيء، وتمارس الضغوط على الطرف الضعيف وليس على الطرف القوي.
وهناك نقطة أخرى يجب تأملها وهي أن ياسر عرفات كان يستر عورات فتح وكان يُغطي على كل مسالبها وكل أخطائها، وعندما ذهب ياسر عرفات للقاء ربه، انكشف الغطاء عن الحركة وكل عيوبها وشاهدنا الانقسامات، فهناك حركة للشباب، وحركة أخرى للشيوخ وهكذا.
وهكذا فإن فتح خسرت الشعب الفلسطيني لأنها راهنت على أميركا وإسرائيل، وحماس كسبت الانتخابات والشعب الفلسطيني لأنها راهنت على الثوابت الوطنية الفلسطينية، وإذا كانت فتح تريد أن تستمر في الرهان على إسرائيل وعلى أميركا وعلى أوروبا وعلى أموال الدول المانحة فإنها لن تستطيع أن تعيد بناء نفسها وستكون خسارتها أكبر.
هل تخلت فتح عن دورها؟
ما حدث من فتح تجاه حماس يدل على أن فتح غير قادرة على استيعاب التغيرات على الأرض، ودليل على أن قادتها ليسوا مستعدين للتنازل عن السلطة ولو كلفهم هذا إدخال الشعب الفلسطيني لاقتتال داخلي، وضياع حقوقه، عقلية فتح الاستبدادية لم تقبل بنتائج الانتخابات.
إن قادة فتح يريدون دفع حماس كي تجد نفسها أمام واقع سياسي ودستوري ووظيفي يصعب العمل فيه، ويستحيل معه تحقيق أي انجاز حتى لو كان على مستوى تطوير المخابز وتنظيف الشوارع.
لقد كان المنتظر من المنتظر من فتح أن تتصرف باعتبارها حركة تحرر وطني ما زالت موجودة في حلبة الصراع، وأن تحتفظ بموقعها في جبهة الصراع ضد الاحتلال، فتنقذ اسمها وتطهر تاريخها، ولكنها تركت هذا كله وتخلت عن دورها التاريخي وتفرغت من منطلق الحزبية الضيقة لإغراق حماس وإفشالها، واعتبرت أن صراعها في المرحلة المقبلة هو ضد حماس وليس ضد إسرائيل.
رفض المشاركة في الحكومة!
لقد رفضت فتح الاشتراك في الحكومة مع حماس، لعدم الرغبة في إنجاح حماس من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن فتح اعتادت أن تتصرف بمفردها، وأن تكون هي على رأس السلطة، لا أن تكون تحت قيادة حماس.
وتعتقد قيادات فتح أن الامتناع عن المشاركة في حكومة ائتلافية مع حماس من شأنه أن يضع حماس في مأزق، يجعلها عاجزة عن القيام بمسئولياته، مما يعرضها للسخط الشعبي، الأمر الذي سيوفر فرصة، ليس لإضعاف الحركة بشكل تكتيكي وآني فقط، بل كسرها بشكل نهائي.
وارتفعت الأصوات داخل فتح، وتصايحت داعية إلي المقاطعة، حتى وصف أحدهم المشاركة في حكومة حماس بأنها عار !!. كما أن فتح تفضل أن تنتظر في صفوف المعارضة، فوجود حماس الآن ربما يكون فرصة حقيقية لحركة فتح كي تساهم في الإصلاح بعيدا عن صراعات القوة والنفوذ التي أجهضت مشروعها.
وأن ترفض فتح المشاركة في الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس، فهذا شأنها، لكن المثير أن مبررات الرفض كانت غير مقنعة وواهية لأبعد الحدود، فلا معنى للتذرع برفض حماس إدراج وثيقة الاستقلال في برنامج الحكومة السياسي، فهذه الوثيقة رغم العنوان البرّاق والضجة المثارة حولها، لا تعني بالنسبة إلى حركة حماس سوى الاعتراف المجاني بـ [إسرائيل]، الأمر الذي ترفضه حماس بإصرار، فيما الاستقلال الذي تتحدث عنه الوثيقة ليس سوى حبراً على ورق.
وفيما يتعلق بقرارات الشرعية الدولية، فقد رفضت حماس الاعتراف الصريح والحاسم بتلك القرارات، حتى لا يُحسب هذا الموقف عليها، مع يقينها بأن ذلك الاعتراف منها بتلك القرارات لن يقدم أو يؤخر على صعيد تطبيقها، إذ بقيت هذه القرارات – ولا زالت- حبراً على ورق لعشرات السنوات، ولم يساعد كيل المديح المستمر من كل قوى منظمة التحرير، بل ومن الدول العربية والإسلامية، للشرعية الدولية وقراراتها، في التقدم خطوة واحدة باتجاه تطبيق تلك القرارات.
وحماس ترى أنّ الطرف المطلوب منه أن يعترف بقرارات الشرعية الدولية، فضلاً عن أن يطبقها، هو من صدرت هذه القرارات في مواجهته وهو الكيان الصهيوني، وليس حركة حماس، التي لن تمانع بطبيعة الحال، ولن تقف في وجه هذه القرارات.
أما قضية عدم إدراج بند في برنامج الحكومة يتعلق باعتراف حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، فإن هذه الذريعة شديدة الغرابة، فكيف يُطلب من حماس الفائزة بالأغلبية في الانتخابات التشريعية، والتي تقدمت فيها بمفردها على سبعة فصائل تنتمي لمنظمة التحرير، الاعتراف بتلك المنظمة بوضعها؟
مرونة حماس
لقد طالبت حماس قبل الاعتراف بإسرائيل أن تعترف الدولة العبرية أولا بالدولة الفلسطينية الخالية من المستوطنات. وطالبت أيضا بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية، وبعودة اللاجئين وإطلاق المعتقلين، وبإزالة السور الذي يراد به خنق المجتمع الفلسطيني وإذلاله، فضلا عن نهب الأرض وتشريد عشرات الآلاف من سكانها. طالبت حماس كذلك بتغيير أسلوب التفاوض مع إسرائيل، بحيث لا يكون الأصل فيه هو الإملاء من طرفها والانصياع من طرف الفلسطينيين، وإنما يصبح هناك شرط فلسطيني مقابل كل شرط إسرائيلي.
قادة حماس وهم يطرحون أفكارهم تلك عبروا عن مرونة شديدة ورغبة في التعامل مع كل ما هو قائم في اتفاقات أو التزامات بواقعية خالية من أي تطرف أو تشنج، وتمسكوا بشيء واحد هو الالتزام بالمصالح الفلسطينية العليا، وأعلنوا صراحة أنهم سيلتزمون بكل ما يخدم هذه المصالح، وسيعارضون كل ما يضربها أو يهددها.
وليس صحيحا أن حماس رفضت مرجعية أو مظلة منظمة التحرير، لكنها وقعت في القاهرة على بيان في شهر مارس [آذار] من العام الماضي، اتفقت عليه 12 منظمة وفصيلا فلسطينيا، دعا إلى تفعيل وتطوير منظمة التحرير وفق أسس يتم التراضي عليها، بحيث تضم جميع القوى والفصائل الفلسطينية، بصفة المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وهو كلام صريح في القبول من حيث المبدأ بمرجعية المنظمة، وبكونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وإن دعا إلى تطوير المنظمة وفق أسس يتم التراضي عليها.
الذي تبنى موقف تجميد المنظمة والحيلولة دون تطويرها، هو السلطة الفلسطينية وليس غيرها، فالمؤشرات التي تعاقبت خلال السنوات الماضية دلت على أن ثمة توجها حثيثا نحو إلغاء منظمة التحرير لحساب السلطة الفلسطينية في الوقت ذاته برز خلال السنوات الأخيرة جهد دولي مواز لتحقيق ذات الهدف، حيث تم حصر الحديث في الموضوع الفلسطيني في نطاق الضفة الغربية وغزة، حتى لا تعود هناك منظمة تمثل الشعب الفلسطيني كله، وتتحدث عن حق اللاجئين في العودة وفي سياق سعي السلطة إلى إلغاء ما تبقى من مؤسسات ترمز إلى منظمة التحرير.
وعلى سبيل المثال فقد تم نقل مسؤولية السفارات الفلسطينية من الدائرة السياسية في المنظمة إلى وزارة خارجية السلطة ، كما برز التوجه لإنهاء مسؤوليات الصندوق القومي الفلسطيني وتحويلها إلى وزارة مالية السلطة. إلى غير ذلك من الشواهد التي تكشف عن أن الذي سعى إلى تهميش منظمة التحرير وإلغاء دورها هو السلطة ذاتها.
اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي رفضت برنامج حكومة حماس فاقدة للشرعية، معينة في حين أن حكومة حماس منتخبة، وليس هناك عرف أو عقل أو منطق في عالم السياسة يخول المعين سلطة أو ولاية على المنتخب.
خلافات عميقة
الخلافات السياسية تضرب بقوة في عمق العلاقة التي تربط بين حركة حماس وحركة فتح، حيث إن الأخيرة حركة علمانية تبنت رؤى وأفكارا واتجاهات ومبادئ براجماتية منذ انطلاقها مطلع عام 1965. وفي المقابل، تتبني حماس فكرا إسلاميا صافيا واتجاها جهاديا واضحا. ومنذ أن أعلن عن ظهور حركة إسلامية جديدة تسمي حماس، اتسمت العلاقات بينها وبين فتح بالتذبذب، وتأزمت الأمور بين الطرفين كثيراً، وزاد التأزم مع تشكيل السلطة عام 1994، واعتبار فتح حركة شرعية وحماس حركة غير شرعية بل بؤرة للإرهاب والتطرف، واستمرت السلطة في ملاحقة حماس تجاوبا مع الضغوط التي مورست عليها لوقف أعمال المقاومة والعمليات الاستشهادية ضد إسرائيل.
يبقى أن نقول إن ما منحه الشعب لحماس من قوة هائلة وضع حاجزا أمام فتح لتصعيد التوتر مع حماس، خاصة أنها في وضع يتسم بالضعف والتفكك، ويلزمها وقت لإعادة بنيتها وتصحيح أوضاعها. وعلي الرغم من أن رئيس السلطة الفلسطينية يتمتع بحق إقالة الوزراء، أي حل الحكومة دون إبداء أسباب، فإنه لا يجرؤ علي فعل ذلك في ظل الضعف الذي تعاني منه فتح اليوم، لأن ذلك قد يؤدي إلي انتخابات مبكرة تنال فيها حماس الأغلبية مرة أخري، ويكون الحل الأمثل آنذاك هو استقالة محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية لحفظ ماء الوجه.
مفكرة الإسلام
لماذا كل هذا الحقد الفتحاوي على حماس؟.. د. علي عبد الباقي
