عالج النحويون القياس في النحو كما هو الحال عند المناطقة في القياس المنطقي، والأصولي في القياس الأصولي، واللغويين في اللغوي، والقياس عند النحويين هو أحد الركيزتين الاساسيتين بعد السماع المروي عن العرب، فالنحاة يرون القياس من أدلة النحو الاجمالية وأحد الأسس العلمية التي تبنى عليه العلوم..
ومن هنا جاءت منزلته وأهميته إذ (( لولا هذه المقاييس لضاقت اللغة على الناطق بها، فيقع في نقيصة العِيِّ والفهاهة ويكثر من الاشارات التي تخرج به عن حسن السمت والرزانة، ويرتكب التشابيه محاولاً بها إفادة أصل المعنى، لا كما يستعملها اليوم حلية للمنطق ومظهراً من مظاهر البلاغة ))(1)
بل وظهرت النزعة إلى القياس بشدة عند بعض النحاة مثل أبي علي الفارسي القائل: (( لأن أخطئ في خمسين مسألة مما به الرواية أحبُّ إلي من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية ))(2)
وقد تناول النحاة مفهوم القياس فقد عرّفه ابن الانباري بقوله: (( هو حمل فرع على أصل وإجراء حكم الأصل على الفرع ))(3)، وعرفه في موضع آخر أيضاً فقال: (( هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه))(4)، وممن خلف أبا علي في الإيغال بالقياس تلميذه ابن جني فقد نصَّ على تجويز كل قياس لم يلو نصا أو ينتهك شرعاً، فقال: (( للإنسان أن ترتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس مالم يلوِ بنصٍّ أو ينتهك حرمة شرع ))(5)
فالقياس عند ابن جني يؤخذ به حتى لو أدى إلى ما لم تنطق به العرب معللاً ذلك بأنه قياس على كلامهم،(6) ويعد ابن جني القياس المعنوي هو الأصل مقارنة مع القياس اللفظي، فيقول: إن القياس اللفظي إذا تأملته لم تجده عارياً من اشتمال المعنى عليه ألا ترى أنك إذا سألت عن ((إن)) من قول الشاعر:
ورجِّ الفتى ما إن رأيته على السِّنِّ خيراً لا يزال يزيدُ(7)
فـ((إنْ)) دخلت على ((ما)) المصدرية التي لها شبه لفظي بـ((ما)) النافية فالشبه اللفظي بينهما صيَّر ((ما)) المصدرية كأنها ((ما)) النافية،(8) ثم يقول ابن جني: ألا ترى أنك لو لم تجذب إحداهما إلى أنها كأنها بمعنى الأخرى لم يجز لك إلحاق إن بها فالمعنى إلى أنها كأنها بمعنى الأخرى لم يجز لك إلحاق إن بها فالمعنى أشيع وأسير حكماً من اللفظ، لأنك في اللفظ متصور لحال المعنوي، ولست في المعنوي بمحتاج إلى تصور حكم اللفظي))(9)
وهذا الحمل والقياس على كلام العرب لا يقتصر على الكثير والشائع بل شمل النادر وحتى الضرورة يقول ابن جني: ((باب هل يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أو لا ؟ سألت أبا علي-رحمه الله- عن هذا فقال: كما جاز أن نقيس منثورنا على منثورهم، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم، فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا، وما حظرته عليهم حظرته علينا))(10)
هل القياس يكون على اختلاف اللغات ؟
لغات العرب جميعها مما يحتج به والقياس على أحداها ينعكس يقيناً عليها فمن أخذ بلغة منها وقاس عليها يكون مصيباً لا مخطئاً يقول ابن جني: ((اعلم أن سعة القياس تبيح لهم ذلك ولا تحظره عليهم ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال (ما) يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك؛ لأن لكل واحد من القومين ضرباً من القياس يؤخذ به ويخلد إلى مثله، وليس لك أن ترد إحد اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من رسيلتها ولكن غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها عى أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أُنساً بها، فأمَّا رد إحداهما بالأخرى فلا))(11) فقولنا ما زيدٌ منطلقاً بإعمال (ما) الحجازية شاهده التنزيل في قوله -جل وعلا- ((ما هذا بشراً)) (يوسف:31)، وقوله ((ما هن أمهاتهم)) (المجادلة:2)، وبنو تميم يقولون: ما زيدٌ منطلق بإهمال عمل ((ما)) وم(ما) الحجازية أكثر استعمالاً بينما (ما) التميمية أقوى قياساً، يقول ابن جني: (( إلا أنك لو استعملت أنت شيئاً من ذلك فالوجه أن تحمله على ما كثر استعماله، وهو اللغة الحجازية، ألا ترى أن القرآن نزل بها، وأيضاً متى رابك في الحجازية ريب من تقديم خبر، أو نقض النفي فزعت إذ ذاك إلى التميمية))(12) فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيراً منه،(13) وعلة إعمال (ما) الحجازية شبهها ب((ليس)) في النفي وعلة إهمالها شبهها بالحرف ((هل)) ونحوها من الحروف التي تدخل على الجمل الاسمية والفعلية على السواء ومن هنا كانت (ما) التميمية أقوى عند سيبويه من (ما) حرف غير مختص؛ لأن الحرف يكون عاملاً إذا كان مختصاً كحروف الجر لمَّا اختصت بالأسماء عملت فيها الجر وحروف الجزم لما اختصت بالأفعال عملت فيها الجزم، وإذا كان الحرف غير مختص فحقه ألا يعمل(14) وذلك كحرف الاستفهام والعطف؛ لأنه تارة يدخل على الاسم، نحو: ما زيدٌ قائم، وتارة يدخل على الفعل نحو: ما يقوم زيدٌ فلما كانت مشتركة وغير مُختصَّة كان أصلها في القياس الإهمال وهو لغة بني تميم وشبه عمل (ما) عند الحجازيين بـ(ليس) شبه ضعيف؛ لأن (ليس) فعل، (ما) حرف(15)
ومن الأمثلة النحوية أيضاً في حمل غير المنقول على المنقول إذا كان بمعناه مسألة جواز الابتداء بالنكرة المصغرة قياساً على جواز الابتداء بالنكرة الموصوفة، نحو: رُجَلٌ قادمٌ فهذا جائز قياساً على نحو: رجلٌ صغيرٌ قادمٌ، ووجه الشبه بينهما هو الاشتراك في المعنى؛ لأن التصغير هو وصفٌ في المعنى.(16)
ومن أمثلة القياس في النحو العربي مع وجود الفارق بين المقيس والمقيس عليه مسألة تخفيف الحرف ((لكنَّ)) الحرف المشبه بالفعل فعند جمهور النحاة أنه يجب إهمالها لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية ولمباينتها للفظ الفعل بينما ذهب يونس بن حبيب، والأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة إلى إعمال (لكن) المخففة قياساً على إعمال (أن) المخففه، ولم يسمع عن العرب إعمال (لكن) مخففة ولا يوجد لها شاهد في ذلك، وهذا القياس من هذين النحويين مردود بزوال اختصاص (لكن) المخففة بالدخول على الجملة الاسمية(17).
ومن أمثلة قياس الشبه المتبادل وحمل النظير على نظيره بضرب الشبه في هذا القياس هو الشبه اللفظي في قياس حركات المضارع وسكناته على اسم الفاعل فكلمة (يضرب) جارية في الحركات والسكنات على كلمة (ضارب)، قال ابن جني: ((إن العرب إذا شبهت شيئاً بشيء مكَّنتْ ذلك الشبه لهما، وعمرت به الحال بينهما ألا تراهم لما شبهوا الفعل المضارع بالاسم فأعربوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه))(18)
وهذا من حمل النظير على نظيره لتمام المشابهة بينهما في الحركات والسكنات.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) دراسات في العربية وتاريخها: 25.
(2) الخصائص: 2/88، ومعجم الادباء: 2/819.
(3) لمع الأدلة: 93.
(4) جدل الاعراب: 45.
(5) الخصائص: 1/189.
(6) الخصائص: 1/126.
(7) الكتاب: 2/306، والخصائص: 1/110، وشرح المفصل: 8/130، وخزانة الأدب: 8/443.
(8) الخصائص:1/110.
(9) الخصائص: 1/110.
(10) الخصائص: 1/323.
(11) الخصائص: 2/10.
(12) الخصائص: 1/124-125.
(13) الخصائص: 2/12.
(14) الخصائص: 1/ 166-167.
(15) ينظر الإنصاف في مسائل الخلاف: المسألة (20): 144.
(16) ينظر: أوضح المسالك: 1/210.
(17) ينظر: شرح التصريح: 1/235.
(18) الخصائص: 1/304.
اتجاهات القياس في النحو العربي/ د. عمر مكي
