عنق الزجاجة أو النفق المظلم أو نهاية المطاف أو اللعنة الأبدية كلها أوصاف تنطبق على الوضع العربي قبل ثوراته المباركة وربيعه الزاهر .
تاهت العقول وحارت الأوصاف وأصبح الحليم حيران في وضع الأمة العربية قبل نيران الثورة المباركة والتي أوقدها البوعزيزي ليسري لهيبها الخارج من قلب ووجدان كل عربي أصيل إلى ربوع الأمة الأسيرة تحت قضبان جلاديها الأكابر .
تلك إرادة الله أولا وآخرا ثم إرادة الشعوب التي لا يقف أمامها سلطان جائر أو عدو قاهر ، ذلك الطوفان البشري المقهور والذي فاض ألما وقهرا وجورا متجمعا منذ عشرات السنين ليهدم أسوار الظلم والاستبداد والذي منع الأمة من أداء دورها كأمة عظيمة بين الأمم .
إنّ الأمة اليوم تمر بمرحلة انتقالية حرجة جدا ولكنها في نفس الوقت مهمة جدا لاستقرارها وعودتها لأهلها المخلصين والذين دفعوا دمائهم وأموالهم ومن قبلُ دفعوا حريتهم ثمنا لنهضة أمتهم من جديد .
والدروس المهمة المستخلصة من هذه الثورات تتلخص بما يلي :
أولا : إنّ ليل الظلم مهما طال ومهما تسلح بأسوار الحديد والنار فإنّ ساعة الفجر قادمة لا محالة ، وإنّ يأس الكثير من أبناء هذه الأمة قبل قيام ثورتها المباركة لم يكن في محله ، بل وجدنا أنّ غياب الأمل من التغيير كان سلاحا مهما من أسلحة الظالمين ، وعلى الأمة اليوم أنْ تدمر هذا السلاح وتلغيه من قاموسها ، ليحل محله مصطلح الأمل في غدٍ مشرق مليء بالمسرات لأمة العرب والمسلمين .
ثانيا : إنّ التغيير لا يكون بالأمنيات والرجاء فقط ، بل يكون بالعمل ، والعمل الجاد والمضني المليء بالتضحيات الجسام من أجل حاضر الأمة ومستقبلها ، فمستقبلٌ ثمنه الأرواح والأموال مستقبل عزيز وستحافظ الأمة عليه ، وكلما أرادت أنْ تنحرف عن مساره تذكرت تلك الدماء العزيزة والتي سالت من أجل الحرية والتقدم .
ثالثا : إنّ قاعدة التغيير قاعدة عامة تصلح لكل زمان ومكان ما دام الظلمُ والقهرُ والاستبدادُ موجوداً في الحياة ، وإنّ حركته المباركة قادمة لا محالة حتى لو تأخرت قليلا ، فإنّ لكل مقام مقال ولكل نسك وقت صالح له ، واستعجال الشيء قبل أوانه يورث العقوبة بحرمانه .
رابعا : على الأمة أنْ لا تفقد بوصلتها بسبب إرجاف المرجفين ودفاع المنافقين وأذناب الأنظمة عن ظلمها وجورها بحق الشعوب ، فالهدف يجب أنْ يكون واضحا والسير إليه يجب أنْ يكون مستقيما لأنه أقصر الطرق حساً وأشرفها معناً للوصول إلى الغاية المرجوة .
أما المرجفون فإنهم عبيدُ ما مضى وعبيد الجلاد والذي سلب منهم عقولهم قبل أجسادهم وأرواحهم ، فهم أسرى أفكاره ومنجزاته الكاذبة ، بل هم أهم منجزاته التي بقيت من بعده ، وقد صدق من قال ( الأحرار يؤمنون بمن معه الحق ، والعبيد يؤمنون بمن معه القوة ، فلا تعجب من دفاع الأحرار عن الضحية دائما ، ودفاع العبيد عن الجلاد دائما ) .
أيها العراقيون الأكارم :
لقد مر علينا ليل طويل ذقنا فيه الظلم والاستبداد وضياع الحقوق ، وهُدر من وقتنا الثمين الكثير من أجل البناء والتقدم ، ولكنه الأمل والعمل سلاحنا لمواجهة المستبدين ، وعلينا أنْ لا ننسى إننا جزء من هذه الأمة وجزء مهم جداً أرضاً وشعباً وخيرات ، وقبل ذلك تأريخ ناصع أبيض يحق لكل أمة أنْ تفخر به ، فلا يحق لنا اليوم أنْ نقعد عن حقنا ونندب حضنا ، بل الأولَى واللائق بنا أنْ نثور كما ثاروا ، وأنْ نضحي كما ضحوا لنصل إلى مستقبلنا المضيء بإذن الله تعالى .
وإنّ النصر مع الصبر ، وعلى الله فليتوكل المتوكلون .
الربيع العربي أمل الأمة المنتظر/ عامر سلمان العكيدي
