هيئة علماء المسلمين في العراق

نقد متن الحديث بين المتقدمين والمتأخرين/ د.عمر مكي
نقد متن الحديث بين المتقدمين والمتأخرين/ د.عمر مكي نقد متن الحديث بين المتقدمين والمتأخرين/ د.عمر مكي

نقد متن الحديث بين المتقدمين والمتأخرين/ د.عمر مكي

الحديث النبوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسنده ومتنه؛ ومن أجل ذلك أولى المحدثون المتقدمون عناية فائقة بنقد المتون على عكس صنيع أكثر المحدثين المتأخرين الذين عنوا بظواهر الإسناد ومما يظهر عناية المتقدمين بنقد متون الأحاديث هو جهودهم الكبيرة في بيان الأوهام والأخطاء في أحاديث الرواة لأن الراوي الثقة قد يروي حديثاً يكون متنه خطأً أو فيه علة من علل الأحاديث الكثيرة، ولقد كان الصحابة –رضي الله عنهم- هم الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى لنقد المتون ثم تلقى التابعون وتابعوهم هذه اللبنات والنقدات حتى صار سبيلاً يهتدى به ويعتمد عليه في أسس نقد المتن، وقد ردّ الحافظ أبو عبد الله الذهبي على من زعم أن المتقدمين من المحدثين كانوا قليلي التفقه في المتون فقال: (وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة فإني أحسبك لفرط هواك تقول بلسان الحال، إن أعوزك المقال: من أحمد ؟ ومن ابنُ المديني ؟ وأيّ شيءٍ كان أبو زرعة وأبو داود ؟ هؤلاء محدثون ولا يدرون ما الفقه ؟ وما أصوله ؟ ولا يفقهون الرأي ولا علم البيان والمعاني والرقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق ولا يعرفون الله تعالى بالدليل، ولا هم فقهاء الملة فاسكت بحلمٍ أو انطق بعلمٍ فالعلم النافع ما جاء عن أمثال هؤلاء، ولكن نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث فلا نحن ولا أنت وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل)(1).

وعليه فإن النقاد الأوائل قد قاموا بجهد جهيد، وركبوا مركباً صعباً في بيان نقد المتون وقد أقاموا البراهين والبينات على نقدهم، يقول الحافظ البيهقي في بيان جهود المحدثين المتقدمين: (والذي ينبغي ذكره ههنا أن الحديث كان في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدث حفظاً ثم كتبه بعضهم احتياطاً ثم قام بجمعه ومعرفة رواته والتمييز بين صحيحه وسقيمه جماعة لم يخف عليهم إتقان المتقنين من رواته ولا خَطَأُ من أخطأ منهم في روايته حتى لو زيد في حديث حرف أو نقص منه شيء أو غُيِّر منه لفظ يُغيِّر المعنى وقفوا عليه وتبينوه ودونوه في تواريخهم حتى ترك أوائل هذه الأمة أواخرها بحمد الله على الواضحة فمن سلك في كل نوع من أنواع العلوم سبيلهم وأقتدى بهم صار على بينةٍ من دينه)(2).
ثم يقول أيضاً: (فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عندهم لا يقبل منه)(3).

وهذا الحافظ الذهبي يصف حال المتأخرين فيقول: (فليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف من حيز طلب العلم، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية، وأخذ عن شيخ لا يعي، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم، أو لرضيع يبكي، أو لفقيه يتحدث مع حدث، أو آخر ينسخ. وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس، والقارئ إن كان له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء، سواء تصحف عليه الاسم، أو اختبط المتن، أو كان من الموضوعات. فالعلم عن هؤلاء بمعزل)(4).

وقال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي بكر الإسماعيلي أحمد بن إبراهيم (277-371 هـ): (صنف الصحيح وأشياء كثيرة من جملتها مسند عمر –رضي الهم عنه- هذَّبه في مجلدين طالعته وعلّقتُ منه وابتهرتُ بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياسٍ من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة) (5).

ويقول ابن حجر: (وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه)(6).
وأما الحافظ السخاوي فقد صرح تصريحاً واضحاً باعتماد أحكام المتقدمين من نقاد الحديث لحفظهم وتفوقهم في الصناعة الحديثية، فقال: (فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمداً لما أعطاهم الله تعالى من الحفظ الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عُدِل إلى الترجيح)(7).

ويؤيد هذا الكلام ويشد عضده ما نراه من تساهل المتأخرين في نقد الحديث.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تذكرة الحفاظ: 2/628.
(2) مناقب الشافعي: 2/321-322.
(3) المصدر نفسه.
(4) سير أعلام النبلاء: 7/167.
(5) تذكرة الحفاظ: 3/948.
(6) النكت على مقدمة ابن الصلاح: 2/726.
(7) فتح المغيث: 1/237.


* المقال المنشور خاص بموقع (   الهيئة نت    )
فيرجى ذكر المصدر عند النقل أو الاقتباس

أضف تعليق