تعاني مؤسسات الدولة العراقية ـ في ظل حكومات الاحتلال التي تعاقبت وتنافست على تحصيل مكاسب خاصة للكتل ولأحزاب المشاركة في العملية السياسية الحالية على حساب تدمير البنى التحتيةـ من تردٍ وانهيار شبه كامل على كافة المستويات والمرافق.
ويعد قطاع التعليم في طليعة هذه المؤسسات التي أصابها الوهن إلى درجة تفاقم فيها مرض عضال أخذ يفتك بها حتى جعل المراقبين لا يتوقعون شفاءً للمؤسسات التعليمية التي تمر منذ تسع سنوات بأدنى مستوى وأضعف حال لم يشهده تاريخ بلاد الرافدين قبل ابتلائه بالاحتلال السافر وحكوماته الفاشلة.
وعن هذه المشكلة الخطيرة نقلت تقارير صحفية عن مصادر مطلعة تأكيدها بأن نحو 90% من مدارس العاصمة بغداد تعاني الإهمال والدوام المزدوج والثلاثي، وأكّدت التقارير في دراسة أجرتها وشملت عددًا من المناطق الواقعة شرق العاصمة التي تضم نحو (850) ألف نسمة؛ أن نسبة الطلبة بين السكّان في تلك المناطق تمثل أكثر من 15 % فيما تشغل (149) مدرسة ابتدائية وثانوية، منها (140) مدرسة تعمل بوجبتين، كما تعمل (9) مدارس بدوام ثلاثي بواقع ثلاث ساعات تعليمية لكل منها، وهو ما جعل عدد الطلاب في القاعدة الدراسية الواحدة يصل إلى أكثر من (70) طالبًا وهو أكثر من ضعف العدد النموذجي للتلاميذ.
وفي هذا الصدد، أكّدت التقارير التي نشرت مؤخرًا أن أغلب الأبنية المدرسية في العراق متهالكة، وتفتقر إلى الحد الأدنى من المستلزمات الضرورية للعملية التعليمية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر؛ ما يؤكده عدد من أولياء أمور طلبة الصف الأول الابتدائي بإحدى المدارس في بغداد بأن قاعة الصف الذي يضم أكثر من (60) تلميذا؛ تخلو من مروحة في السقف أو مبردة هواء في النافذة، أو أي جهاز تبريد من شأنه أن يقلل من شدة الحر على أولئك الأطفال، فضلاً عن جلوس أربعة تلاميذ على رحلة واحدة، علاوة على أن حمامات المدرسة لا تخضع للتنظيف وتعاني من القدم والتصدع والحال ينطبق على المغاسل التي يخلو صنبورها من الماء والصابون.
بدورها تشير مديرة احدى المدارس الابتدائية في بغداد أيضا إلى أن ضيق المساحة المتاحة لبناية المدرسة يتسبب بشكل كبير في تدني مستويات التعليم، حيث أنها اضطرت إلى أن تضم القاعة الدراسية الواحدة ما بين (80 ـ90) تلميذا في اغلب المراحل، فضلاً عن أن البناية ليس مخصصة للمرحلة الابتدائية فقط؛ بل هناك الدوام الثاني لطلبة المرحلة الثانوية، ما انهك ذلك الكادر التدريسي وأضر بمحتويات المدرسة، وتؤكد المديرة أنها قدمت العديد من الطلبات إلى وزارة التربية الحالية لايجاد حلول ناجعة لهذه المشكلة، إلا أن الوزارة قابلت طلباتها بآذان صمّاء.
وبالحديث عن وزارة التربية الحالية، فقد اعترف احد المسؤولين فيها بوجود (21) ألف مدرسة في بغداد والمحافظات، لكن ابنية (199) منها آيلة إلى السقوط، الا ان الأرقام التي تذكرها الوزارة لا تنطبق على أرض الواقع بالنظر إلى العدد الهائل من المدارس الطينية وأبنيتها المتهالكة، كما أن حديث الوزارة عن تخصيص مبالغ مالية من الموازنة العامة لغرض بناء مدارس غير واقعي، خصوصًا وأنها زعمت تخصيص (50) مليار دينار لغرض بناء ثلاثين مدرسة في البصرة؛ لم يتم إنجازها، وذهبت الأموال طيًا في ملفات الفساد المستشري في هذا البلد منذ عام 2003.
وفي السياق ذاته، كشفت التقارير، النقاب عن المستوى المتدني للقائمين على العملية السياسية الحالية في التعامل مع المؤسسات التعليمية من خلال وضع الحلول الترقيعية التي لا تمت إلى المسؤولية بصلة، كما تكشف عن حجم الاستهتار واللامبالاة؛ ومنها اقتراح ما تسمى "لجنة التربية والتعليم" في مجلس النواب الحالي بصرف ميزانية لتجهيز ونصب (كرفانات) واعتبارها مدارس لغرض تخفيف الضغط على الأبنية المدرسية الحكومية.. ورغم ذلك وباعتراف أحد أعضاء اللجنة المذكورة؛ فإن عدم جدية المسؤولين في لحكومات التي تعاقب في ظل الاحتلال البغيض وفشلهم الذريع في وضع حد لهذه المعضلة زاد الأمر تعقيدًا.
إلى ذلك، فأن آفة الفساد طالت مشاريع بناء المدارس منذ سنوات عديدة، وخاصة حين يذكر مشروع ما يسمى "المدارس الحديدية" المثير للجدل ،وذلك عندما منحت وزارة التربية في عهد وزيرها السابق (خضير الخزاعي) مبلغ (50) مليار دينار سلفة لشركة إيرانية من أجل بناء (200) مدرسة حديدية في مشروع تتجاوز كلفته (280) مليار دينار؛ إلا أن الشركة الإيرانية فشلت في انجازه بالصورة النهائية بسبب خلافاتها المادية مع المقاولين العراقيين الذين وصل عددهم إلى (18) مقاولاً أغلبهم يملكون شركات من الدرجة الأولى.
وعن فضيحة "المدارس الحديدية" التي ما تزال مجرد هياكل لا أكثر أعترف مصدر في مجلس النواب الحالي بوجود فساد إداري ومالي جعل خسائر المشروع تبلغ (300) مليار دينار عراقي، مؤكدًا تورط مسؤولين كبار بوزارة التربية في الصفقة التي تزعم ما تسمى "لجنة النزاهة" انها فتحت تحقيقا بشأنها، لكنها تواجه ضغوطات من بعض المسؤولين في الكتل السياسية بشأن عدم فتح هذا الملف.
الفساد والتخبط المستشريان في المؤسسات التعليمية الحالية، اضطرت العيدي من أولياء أمور الطلبة إلى التوجه نحو المدارس الأهلية، رغم الارتفاع الباهظ للأجور الدراسية فيها، إلا أن تلك المدارس لن تستطيع سد النقص الحاصل في الجانب التربوي والتعليمي، وذلك لأن نسبة الفقر في المجتمع العراقي وصلت الى نحو 70% بحسب إحصاءات غير رسمية.
إن انهيار المنظومة التعليمية في هذا البلد الجريح اصبح يُنذر بشر مستطير ويهدد مستقبل ابناء العراق العلمي والتربوي والثقافي، خصوصًا بعد تصفية وتهجير المئات من العقول والكفاءات ضمن مخطط ممنهج بدأ تنفيذه منذ أن دنست أقدام المحتلين الغزاة وعملائهم الاذلاء أرض الرافدين الطاهرة، وما زال يفتك بموارد الإبداع العراقي ويحاول تجفيف منابعه.
الهيئة نت
ج
تردي واقع التعليم في العراق بشكل مخيف نتيجة الفساد والإهمال الحكومي
