هيئة علماء المسلمين في العراق

مكانة الصحابة -رضي الله عنهم- في الإسلام / الدكتور ثامر براك
مكانة الصحابة -رضي الله عنهم- في الإسلام / الدكتور ثامر براك مكانة الصحابة -رضي الله عنهم- في الإسلام / الدكتور ثامر براك

مكانة الصحابة -رضي الله عنهم- في الإسلام / الدكتور ثامر براك

مما نصت عليه الشرائع، وتسالم عليه العقلاء حقيقة وجود تفاضل بين الجماعات كما هو الحال بين الإفراد، وفي القرآن يقول الله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } [الأنعام: 165]، ويقول: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [الأنفال: 4] ، ويقول: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] ، فثمة مجتمعات مثالية، ألا وان أفضل جماعة إنسانية، وخير جيل عرفته البشرية هم الصحابة -رضي الله عنهم- الذين اصطفاهم الله لرسوله –صلى الله عليه وسلم- كما اصطفى رسوله من العالمين {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [آل عمران: 110] ، فمجتمعهم هو المجتمع المثالي الكامل، ولو أردنا تلمس فضلهم على الأمة فإن المقام يطول بنا، لكننا سنكتفي بإشارات قصيرة إلى ذلك في العناصر التالية:

أولا: الدور الديني والدعوي للصحابة -رضي الله عنهم-
ثانيا: الدور العلمي والثقافي للصحابة -رضي الله عنهم-
ثالثا: الدور السياسي والإداري للصحابة -رضي الله عنهم-
رابعا: الدور الاجتماعي والأسري للصحابة -رضي الله عنهم-
خامسا: الدور الجهادي (العسكري) للصحابة -رضي الله عنهم-
والواقع أن كل عنصر من هذه العناصر حقيق أن يبحث في أطروحة أو رسالة أو كتاب، لكننا سنتناولها باقتضاب.

أولا: الدور الديني والدعوي للصحابة -رضي الله عنهم-
الصحابة -رضي الله عنهم- حملة القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، ولولا أن الله قيضهم لحفظهما لما كان هنالك ثمة قرآن ولا سنة، وبالتالي فإن قبولهم قبول للقرآن والسنة، وردهم رد لهما، إذ الترابط بين الطرفين (الحامل والمحمول) ترابط جدلي.
وقد وصل الصحابة -رضي الله عنهم- الليل بالنهار تبليغا للدين الإسلامي، وانتشروا في مختلف البلدان معلمين للناس، حتى هدى الله بهم إلى دينه من لا يحصون كثرة، حتى إن المسلمين اليوم يشكلون ربع سكان العالم، وهو عدد هائل لم يكن العالم الإسلامي ليصل إليه لولا النشاط الديني والدعوي للصحابة -رضي الله عنهم- وإن لهم اليوم مثل أجر كل مسلم ومسلمة؛ لأنهم القناة الأمينة التي نقلت إليه مبادئ الإسلام وأحكامه.

ثانيا: الدور العلمي والثقافي للصحابة -رضي الله عنهم-
يعد كل صحابي رأسا لحلقة علم، صغيرة أو كبيرة، وهذه الحلقات العلمية تلقن الناس مختلف العلوم الشرعية، كالقرآن وتفسيره وعلومه ومنها القراءات، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله الميسرة، وقواعده المبسطة.

هذا عروة بن الزبير يصدر تقييما لخالته أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنهم- فيذكر أنها إذا تكلمت في التفسير أو الحديث أو الفقه حسب السامع أن لا اعلم منها، وإذا تكلمت في التاريخ والنسب وأخبار العرب حسب السامع أن لا اعلم منها، وإذا تكلمت في الشعر والأدب حسب السامع أن لا اعلم منها، وإذا تكلمت في الطب حسب السامع أن لا اعلم منها، وإذا تكلمت في الحساب حسب السامع أن لا اعلم منها، وهكذا.. ويوافقه ابن عبد البر فيقول: "إن عائشة كانت وحيدة بعصرها في ثلاثة علوم علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر" .

ولم يضع أبو الأسود الدؤلي –كما في بعض الروايات- علم النحو إلا استنادا إلى ما تلقاه عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- من خطوط عريضة رسمها له فهو لا يتخطاها.

وما المدارس الفقهية المعروفة بالمذاهب في الأصل إلا حلقات علم لأكابر علماء الصحابة –رضي الله عنهم- وهم من شيد اللبنات الأولى لمراكز الحركة الفكرية في العالم الإسلامي في العصور الأولى، في مختلف العلوم، ولو رحنا نستقصي جهودهم العلمية، ونشاطاتها الثقافية لأعجزنا ذلك.

ثالثا: الدور السياسي والإداري للصحابة -رضي الله عنهم-
أقام الصحابة -رضي الله عنهم- دولة السماء لأهل الأرض، في غضون سنوات معدودات، خلافة على منهاج النبوة، وتحقق وعد الله لهم في قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .
وبرز من الصحابة رجال دولة ورجال إدارة قل بل انقطع نظيرهم، فانتشر الأمن وعم الرفاه وجبيت إليهم خيرات كل شيء، بل إن الناس كانوا يسيرون في الشوارع بحثا عمن يأخذ زكواتهم وصدقاتهم فلا يجدونه، وهذا في عهد عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- السائر على نهجهم، المتلمس خطاهم فما بالك بهم هم أنفسهم ؟!
ويقينا أن دولة تقوم على نهج الصحابة -رضي الله عنهم- ستقضي على كافة مشاكل الفقر والحرمان، هذا فضلا عن صون الكرامة، وتحصيل شعور العزة بالإيمان لرعاياها.

رابعا: الدور الاجتماعي والأسري للصحابة -رضي الله عنهم-
وحدة مجتمع الصحابة -رضي الله عنهم- وتآخيه، والترابط الأسري فيه بلغ حدا قال الله فيه: { ... وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ... } [آل عمران: 103] فالوحدة والتآخي ابرز سماته؛ ولهذا قال الله –تعالى- مذكرا رسوله بسماتهم هذه: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62 - 64] ، فمن زعم أن مجتمع الصحابة الأوائل -رضي الله عنهم- شهد انشقاقات وتصدعات، وان أسرهم متفككة، فقد  كفر؛ لأنه كذَّب الله الذي أعلن أن وحدتهم وحدة قلوب، وأن تآخيهم من نعمه عليهم.

خامسا: الدور الجهادي (العسكري) للصحابة -رضي الله عنهم-
حسبنا أمثلة ثلاثة تبرز العبقرية العسكرية التي لا تتكرر للصحابة -رضي الله عنهم- :
أولها: قضاؤهم المبرم على الفتنة الداخلية في جزيرة العرب المتمثلة بحركات الردة، وفي زمن قصير جدا، في حين أكلت الحروب الأهلية الأخضر واليابس في كل البلاد التي شهدت حروبا أهلية.
وثانيها وثالثها: دحرهم للفرس والروم، اكبر امبراطوريتين في عالم زمانهم، وهما كانتا تشكلان نظام القطبية الثنائية كأمريكا والاتحاد السوفيتي السابق في إحدى مراحل العصر الحاضر، فلو أن قائدا وشعبا الحقوا الهزيمة بأمريكا والاتحاد السوفيتي السابق في أوج قوتهما لكان قيل: إن هذا القائد أعظم قادة التاريخ، وشعبه أعظم الشعوب، فكيف لا يقال ذلك عن الخليفة عمر بن الخطاب، وعن شعبه، الصحابة -رضي الله عنهم- ؟!

ولو شئنا التوقف عند عبادتهم وورعهم وتقواهم وربانيتهم وتأسيسهم حركة الزهد في الإسلام لما وسعنا المقام، ومثل ذلك يقال عن فصاحتهم وبلاغتهم، وعن تقديسهم العمل والكسب المشروع، وعن جدهم وهزلهم وسمتهم وهديهم كله، وغير ذلك، لكننا نختم بالدعاء: اللهم وفقنا لاتباع الصحابة -رضي الله عنهم- بإتقان وضبط ودقة متناهية كما قلت: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].

أضف تعليق