لا ريب أن المقاييس ومفاهيمها بين الأمم والشعوب والأفراد تختلف اختلافا واسعا، وهذا بدوره ينعكس على استعمال الألفاظ وإطلاقاتها على المعاني، ومن هذه الألفاظ مصطلح (الفتح) و(التحرير)
ولما كانت معارك المسلمين التي دخلوها منهاجا ربانيا وامتثالا شرعيا فيقينا تكوون إطلاقات الألفاظ عندهم ذات دلالة شرعية، وهذا يبين لنا الإيحاء الكبير من قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) (الفتح:1) فأصحاب هذا الفتح أصحاب رسالة مثلى أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، ومن إفساد الدنيا والآخرة إلى صلاحها، ولذا كانت الفتوحات إحدى ضمانات نشر العدل، وهو أحد أسباب النص والتمكين للفاتحين ولذا كان الفاتحون لا يتعرضون بالأذى للعزل من المدنيين أو الرهبان أو النساء والصبيان، ومن ثم كانوا يأمنون جانب الفاتحين الذين يرون فيهم أجلى صور الوفاء بعهودهم؛ ولذا كانوا يساعدونهم في فتوحاتهم لبلدانهم، وخير مثال على ذلك ما حصل في فتوح الشام، فحين دخل جيش أبي عبيدة عامر بن الجراح -رضي الله عنه- بلاد الشام، وعاهد أهل حمص على أن يدافع عنهم نظير مال يدفعونه له ولما دفعوا المال وعجز أبو عبيدة وجيشه في الدفاع عنهم أرسل إليهم أبو عبيدة يرد إليهم أموالهم، فتأثر بذلك أهل حمص، وهبوا يعينون جيش أبي عبيدة ضد جيش الرومان(1).
ولم تقف جيوش الفاتحين عند الدعوة إلى الإسلام وإقامة العدل بل جاوزوا ذلك إلى الإحسان تحقيقا لقوله جل وعلا (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) (النحل: 90) وإذا كان العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه فإن الإحسان هو التفضل بالعطاء وبلا مقابل وفي عهد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- شكا إليه أهل سمرقند (صغد) أن القائد قتيبة بن مسلم دخل ديارهم من غير تخيير لهم بين الإسلام، أو العهد، أو القتال، بل شرع قتيبة في القتال مباشرة حتى استسلمت له البلاد، فأمر عمر بن عبد العزيز قاضيه أن يستمع إلى الناس ويتحقق من شكايتهم هذه، فإن وجدهم على حق فيما قالوه فليأمر الجيش بالخروج حتى يتم تخييرهم، فلما ثبت عند القاضي صحة شكوى الناس أمر الجيش بالخروج، فخرج الجيش وخيّر الناس فاختاروا الإسلام(2).
ومن المعروف أن الاحتلال والغزو يواجه بالمقاومة، ولمّا كان هؤلاء الفاتحون ليسوا محتلين ولا طامعين في ممتلكات الأمم رغبوا فيهم وساندوهم، وقد قال ربعي بن عامر مبعوث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- إلى رستم في معركة القادسية: (إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، ووالله لإسلامكم أحبُّ إلينا من أموالكم)(3).
ولو أردنا أن نجمل معنى (التحرير) لقلنا فيه إنه يقتصر على إخراج المحتل الغازي الذي تعدَّى بغزوه ظلما وعدوانا، ولذلك كان مفهوم الفتح أوسع وأكبر مغزى منه فالفتوحات الإسلامية كانت تحمل قيما أخلاقية مشرقة وتحفظ مصالح الشعوب وأعطت مثلا عالية لأمم الأرض وكل هذا يفسر لنا سرعة هذه الفتوحات وامتداداتها.
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر: الخراج لأبي يوسف 149-150.
(2) ينظر: نظام الحكم في الإسلام.
(3) ينظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري: 4/406
المقال خاص بموقع ( الهيئة نت )
يرجى ذكر المصدر عند النقل أو الاقتباس
مفهوما (الفتح) و (التحرير)/ د. عمر مكي
