شهد العراق خلال السنوات التسع الماضية تفاقما كبيرا لظاهرة الفساد المالي والاداري التي هيأ لها الاحتلال الغاشم الذي قادته الادارة الامريكية عام 2003، الارضية الخصبة ورعاها وابتكر لها
فنونا جديدة، حتى اصبح هذا البلد الجريح في مقدمة الدول الاكثر فسادا على مستوى العالم، كما تسببت هذه الافة الخطيرة بخسائر ماديّة هائلة وصلت الى بلايين الدولارات.
وطبقاً لتقارير المنظمات الدولية المعنية بهذا المجال ومنها ( منظمة الشفافيّة الدولية العالميّة)، فإن المرتبة التي احتلها العراق من ناحية الفساد على مستوى العالم وصلت خلال السنوات الماضية التي أعقبت الاحتلال السافر الى مستويات متدنية رغم الشعارات الزائفة التي كان وما زال يطلقها المسؤولون في حكومات الاحتلال المتعاقبة بجعل العراق واحة للشفافية في المنطقة، حيث جاء العراق في المرتبة ( 16 ) عربيا وفي ذيل قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم خلال العامين الاولين من الاحتلال السافر، ثم احتل المرتبة ( 127 ) على مستوى العالم في عام 2005، كما كان الاسوأ بين الدول العربية في ذلك العام .
وفي عام 2006 احتل العراق المركز الثاني بين أكثر الدول فساداً في العالم، حيث جاء في المرتبة 160 من اصل ( 163 ) دولة، كما احتل المركز الثالث في عام 2007، ثم المرتبة (179) في عام 2008 بعد أن حصل على درجة ( 1,3 ) وفقا لمقاييس النزاهة الدوليّة، ليأتي في المرتبة الثانية بين الدول الأكثر فساداً في العالم، وفي عام 2009 ظلّ العراق محافظاً على هذه الدرجة .
وكان( ديفيد نوسبوم ) المدير التنفيذي لمنظمة الشفافية الدولية قد علق على هذه النتائج بالقول : " ان هذه النتائج تشير إلى أن الفساد في العراق ما زال يتفاقم، وهذا ليس بسبب الانهيار الأمني فحسب بل يعود الى المعايير المزدوجة في المراقبة والتوازنات وتطبيق القانون وعمل المؤسسات الرسمية "، كما اكدت تقارير عديدة صدرت من جهاتٍ أمريكية عليا، وجود عمليّات فساد كبيرة داخل الوزارات والمؤسّسات والدوائر الحكومية خلال السنوات التي اعقبت الاحتلال البغيض، بينها وثيقة داخلية صدرت عن وزارة الحرب الامريكية "البنتاغون" في أيار عام2004 تؤكّد اختفاء ملايين الدولارات من الخزينة العامة العراقية في نيسان من العام نفسه بشكل مفاجئ، وفي عام 2006 أعلنت وزارة العدل الأمريكيّة إن (ستاين) الذي كان يتولى منصب أمين صندوق لدى السلطة المؤقتة في العراق منذ كانون الأول عام 2003اعترف بأنه اختلس مع مسؤولين آخرين مليوني دولار من الأموال المخصصة لما يسمى إعادة إعمار العراق، فيما تجاوزت قيمة الرشاوى التي تقاضاها ( ستاين ) مليون دولار نقداً وعلى شكل سيارات ومجوهرات وأغراض قيّمة أخرى مقابل منح عقود لإعادة الإعمار في محافظة بابل.
واوضحت المنظمة الدولية في تقريرها ان ( هنري واكسمان ) عضو مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الديمقراطي اتهم في أيلول عام 2007، وزيرة خارجية بلاده آنذاك ( كوندوليزا رايس ) بالتدخل في تحقيق للكونغرس بشأن قضايا فساد تخص الحكومة في العراق ونشاط شركة بلاك ووتر الأمريكية سيئة الصيت، وفي التاسع والعشرين من أيلول عام 2007 وجه تقرير سري أمريكي وصف بأنه حساس انتقادات شديدة إلى إجراءات مكافحة الفساد في الوزارات والمؤسسات الحكومية في العراق وحذر من أن العراق غير قادر ولو بدائياً على تعزيز قوانين مكافحة الفساد.
واشار التقرير إلى أن مكتب رئيس الوزراء الحالي ( نوري المالكي ) يتعامل بعدائية مع فكرة تأسيس وكالة مستقلة للتحقيق في الفساد الإداري المستشري في العراق منذ ابتلائه بالاحتلال المقيت، بالرغم من ادعاءاته الزائفة وتصريحاته الجوفاء بان هناك حربا شاملة على هذا الفساد .. مؤكدا ان ما تسمى لجنة النزاهة، لجنة سلبية أكثر مما هي وكالة تحقيق حقيقية، ما سمح للفساد في أن يكون نموذجاً في العديد من الوزارات والدوائر الحكومية في ظل نظام قضائي ضعيف وعرضة للضغوط السياسية .
وتؤكد المنظمة في تقريرها ان السرقة والاختلاس تتم ليس فقط من قيمة العقود بل من المساعدات أيضاً وهو أمر لا يمكن ملاحظته لا مدنياً ولا جنائياً إضافة إلى جرائم إضافة أسماء موظفين وهميين .. لافتة الانتباه الى ان هناك قناعة كاملة لدى عامة الشعب العراقي والموظفين على وجه الخصوص بأن جرائم الفساد الكبيرة غير قابلة للمكافحة أو الملاحقة من قبل الجهات الحكومية التي تدّعي زورا وبهتاننا بانها تتابع ذلك باهتمام.
واشار التقرير الى ان قضايا الفساد الإداري في العديد من الوزارات الحكومية تتضمن تزوير الشهادات والوثائق التي يصعب تمييزها، كما تحصل الميليشيات المسلحة على تمويل هائل من بيع الأدوية والعقود المزيفة وسرقة الطعام والسيارات .. موضحا أن أكثر قضايا الفساد التي يشهدها العراق تتم عن طريق ابرام العقود الوهمية من خلال تقديم مبالغ المناقصة الخاصة ببناء المدارس، التي لا يوجد شيء منها على ارض الواقع حتى اليوم .
وفي شهر آب من عام 2007 واجهت الحكومة البريطانية أسئلة صعبة من مجلس العموم البريطاني بشأن صفقة سلاح قيمتها أكثر من (مليار ) دولار تم أبرامها مع حكومة الاحتلال آنذاك، تورّطت فيها شركة بريطانية مرخـّصة قامت ببيع بنادق آلية غير مطابقة للمواصفات إلى مسؤول حكومي لم يُفصَح عن اسمه، وفي تشرين الثاني من العام ذاته نقلت صحيفة (الواشنطن بوست ) عن تقرير أمريكي للمفتش العام لما يسمى إعادة إعمار العراق، يؤكد فيه الفساد الإداري الواضح والكبير في هذا البلد، في وقت ذهب ادراج الرياح مبلغ (38 ) مليون دولار مخصص لتطوير نظام المحاسبة في وزارة المالية الحالية التي ما تزال تستخدم النظام الورقي في هذا المجال، كما انفق مكتب المحاسبة الأمريكي خلال عامي2006 و 2007 ( 300 ) مليون دولار بذريعة تطوير قدرات الوزارات الحكومية التي تشكلت في ظل الاحتلال الغاشم .
وفي أوائل عام 2010 أوقفت الشرطة البريطانية رجل الأعمال ( جيم ماكورنيك ) مدير شركة ( إيه تي إس سي ) بتهمة الاحتيال بعد بيعه أجهزة كشف المتفجرات غير الصالحة إلى العراق، بالتزامن مع إصدار قرار يمنع تصدير منتجات هذه الشركة من تلك الأجهزة الفاشلة التي لازالت الأجهزة الأمنيّة الحكومية تصرّ على استخدامها في نقاط التفتيش المنتشرة في الشوارع العراقية.
وفي تموز من العام ذاته، كشفت صحيفة ( ذي غارديان ) البريطانية النقاب عن أن مسؤولين في الحكومة الحالية تلقوا رشى من شركة ( أوكتيل ) البريطانية مقابل السماح لها بالاستمرار في بيع مشتقات نفطية سامة تتسبب باضرار بالغة الخطورة على صحة المواطنين ولا سيما الأطفال .. مشيرة الى ان (بول جينينغز) الرئيس التنفيذي السابق للشركة الذي يواجه الآن احتمال تسليمه إلى الولايات المتحدة بعد أن اعترفت شركته بأنها دفعت رشى بملايين الدولارات لمسؤولين حكوميين، قام هو وسلفه ( دنيس كريسون ) بتصدير أطنان من مادة رابع إيثيل الرصاص إلى العراق.
وأوضحت الصحيفة أن هذه المادة يحظر استخدامها في سيارات الدول الغربية وذلك لما تسببه من تلف في أدمغة الأطفال، الا ان العراق يعد الدولة الوحيدة التي لا تزال تضيف مادة الرصاص إلى البترول، رغم خطرها على صحة البشر .. مؤكدة إن كبار المسؤولين في وزارة النفط الحالية متهمون بأنهم ظلوا يتلقون رشى من سلطات الاحتلال الأمريكي البريطاني حتى عام 2008.
وتأكيدا لذلك فقد كشفت ما تسمى هيئة النزاهة، النقاب عن أن خسائر العراق خلال السنوات التسع الماضية التي أعقبت الاحتلال المقيت، بلغت نحو (400) بليون دولار، نتيجة الفساد الإداري والمالي المستشري في الوزارات والمؤسسات الحكومية.. لافتة الانتباه الى ان ما تسمى الأمانة العامة لمجلس الوزراء الحالي تعد البؤرة الأخطر للفساد، تليها وزارة الدفاع التي احتلت مرتبة متقدمة بين الوزارات الحكومية في هذا المجال.
وازاء ما تقدم يمكن الاستنتاج بان أبرز الأسباب التي تقف وراء استفحال آفة الفساد المالي والاداري المستشرية في الوزارات والمؤسسات الحكومية منذ عام 2003 وحتى الان، تكمن في الضغط السياسي الذي يمارس على القضاء والجهات الرقابية المكلفة بمكافحة الفساد وتسييس هذه العملية، وضعف القيادة التي تتحكم بمقدرات هذا البلد، ووصول الانتهازيين والمرتزقة إلى مفاصل المؤسسات الحكومية واستغلال مواقعهم لتحقيق مصالحهم الشخصية في ظل الفوضى التي يعيشها العراق وغياب التشريع وعدم تطبيق القوانين وشيوع العنف الطائفي وانتشار الميليشيات المسلحة التابعة للاحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية الحالية، وعدم اهتمام المسؤولين في الحكومات المتعاقبة بما يعانيه المواطن الذي يكابد شظف العيش جراء تفاقم الازمات والمشكلات التي خلفها الاحتلال السافر وعملائه الاذلاء .
وكالات + الهيئة نت
ح
وفقا للمنظمات الدولية .. العراق ما زال يحتل المراتب المتقدمة بين الدول الاكثر فسادا في العالم
