وصف الاستاذ الدكتور ( أبو لبابة الطاهر صالح حسـين ) عضو الاتّحاد العالميّ لعلماء المسلمـين، هيئة علماء المسلمين، بانها ضمير الأمّة وقلبها النابض، داعيًا المولى العليّ القدير أن
يحفظ أمينها العام الشيخ الدكتور حارث الضاري وجميع المسؤولين فيها ويسدد خطاهم لتحرير العراق من رجس المحتلين الغزاة وعملائهم الاذلاء .
واكد ( ابو لبابة ) في حوار اجراه معه مراسل الهيئة نت في القاهرة ( عبد المنعم البزاز) ان العراق، درع الامة العربية المتين، ورمز مجدها وكرامتها وعزّتها، ما زال يعد لدى المفكرين والادباء والمؤرخين مهد الحضارات، وقصبة الخلافة العباسيّة العظيمة وحِصن الإسلام الحصين، وموطن العلماء والفقهاء والمفكرين والمبدعين والصّلحاء والعُبّاد، وهي القلعة التي تتكسّر عليها سهامُ أعداء العروبة والإسلام، وذلك لما يتمتع به هذا البلد المعطاء من موقع إستراتيجي متميّز، وما وهبه الله تعالى من ثروات ماديّة هائلة، وما يمتلكه من تاريخ عريق، ومواقف مشرّفة في نصرة قضايا العروبة والإسلام .
واعرب عن اسفه الشديد لمواقف بعض المسلمين والعرب المتخاذلة وعدم نصرتهم العراق، سندَهُمْ القويّ وساعدهم الفولاذي، ومساعدة المحتلين الغزاة في إذلال هذا البلد الجريح وتخريب بنيته وتقتيل أبنائه وتشريدهم ونهب ثرواته وسرقة خيراته .. مشددا على ضرورة محاسبة المتخاذلين والدخلاء أعداءُ العرب والمسلمين جميعًا حتى يستعيدَ العراقُ سيادته واستقلالَهُ وعافيته ويعودَ إلى سالف عهده منبعا للخير وسندًا للحقّ وساعدا قويًّا يدفع عن أمّته الشرور والفتن.
كما عبر ( ابو لبابة ) عن ألمه وحزنه العميقين لما تعرضت له ثروة العراق الحضارية الهائلة من مكتبات ومخطوطات نادرة للتدمير والتخريب على أيدي المتوحّشين المجرمين أعداء الله وأعداء الإنسانيّة. . مؤكدا ان الشعب العراقي بإرادته القوية وعزيمته الصمّاء قادر على تجاوز الكوارث والمحن واستعادت ما فقدته بغدادُ قصبةُ الخلافة وعاصمةُ التاريخ من كنوز وآثارٍ علميّة وحضاريّة واعادة بناء ما هدَمَتْهُ الأيدي الآثمة.
وخلص الدكتور ( ابو لبابة الطاهر صالح حسين ) الى القول ان من أبشع الجرائم التي ارتُكبت في العراق هي التآمُرُ على علمائه ومفكّريه ومُقاتليه الأبطال، فقد التقتْ أحقادُ الصفويّين مع ذُحُول الصهاينة المُوغلة في التاريخ ، ومخططات المحتلين، على هدف واحد هو تدميرُ هذا البلد وإفراغُه من طاقاته الخلاقة وسحقُ عقوله المُبدعة وسواعده المفتولة، فاغتالُوا المئات من علمائه وأبطاله واجبروا الآلافَ منهم إلى الهجرة في أصقاع الدنيا يطلبون الأمن والسلم لهم ولأسرهم.. داعيا ابناء العراق الى توحيد الصف والكلمة والاصطفاف وراء العلماء المخلصين والوقوف مع رجال المقاومة الابطال لتحقيق الهدف الاكبر والامل الأسمى وهو تحرير بلدهم من رجس الاحتلال البغيض وأذنابِه، ووضعه في مساره الصحيح.
وفي ما يأتي نص الحوار :
* الهيئة نت : كيف تقيمون طالب العلم اليوم، وكيف يمكن أن يطور نفسه علمياً؟
//ابو لبابة : طالب العلم اليوم يُوَاجِهُ طفرةً غيْرَ مسبوقةٍ من العلوم والمعارف التي تَعُجُّ بها المواقِعُ الإلكترونيّةُ المختلفة، إلا أنّ هذا الكمَّ الهائلَ من المعارف محفوفٌ بالمخاطر إذ كثيرًا ما يتسلّلُ إليه الزيفُ والتحريفُ والدسُّ لاسيّما ومُروّجوه ينتسبون إلى مِلَلٍ ونِحَلٍ وتوجُّهَاتٍ فكريّة وسياسيّة متباينة المشارب، الأمر الذي يمثّل خطرًا على الطلبة لا سيما المبتدئين الذين لم يتمرَّسُوا على البحث ولم يَتَسَلَّحُوا بالقدرة على تمييز السُّمِّ من الدسم، وليعلم أبناؤنا الطلبة أنّ التحصيلَ العلميّ لا ينبغي أن يُكْتَفَى فيه بما تقدّمُهُ لهم قاعاتُ الدراسة ولا ما تزخَرُ به المواقعُ الإلكترونيّة وإنّما يَجِبُ الانكبابُ على ما تَحويه المكتباتُ الحافلةُ بكنوز العلم ليَمْلَؤُوا أوْطِبَتَهُم منها وليَصْقِلُوا أذْواقَهُمْ وليرفعوا من مُستوياتهم اللُّغويّةِ والعلميّةِ، بالاِستفادة من تجارِبِ العلماء والاستنارة بعُقولهم الكبيرة، وهو سبيلٌ سلكه جُلُّ علماءِ الأمّة الأفذاذ طَوَال تاريخها الطويل.
.
* الهيئة نت : هل هناك طرق جديدة في دراسة الحديث النبوي؟.
//ابو لبابة : إنَّ الحديثَ النبويَّ ثَرْوَةٌ ذاتُ قيمةٍ غَيْرِ مَحدودة، وقد انصبَّتْ جهودُ الآلاف من علماء المسلمين منذ فجر الإسلام حتّى اليوم على دراسته جمعاً وتمحيصاً وتبويباً وتلخيصاً وشرحاً وتقعيداً، وبناءً على أنّ السُّنَة وحيٌ محفوظٌ كما حُفظ القرآنُ، فإنَّ عجائبها لا تنتهي، فتَنْبَجِسُ في كلّ عصر عن إعجاز علميّ تَحَارُ فيه العقولُ كما تتكشّفُ عن حقائق علميّة وتربويّة وتشريعيّة تُلبّي حاجاتِ العصر المتجدّدة.
فتأصيلُ العلوم واستخلاصُ المناهج الصّحيحة واستنباطُ الحلول للنوازل المستجدَّة كلُّ ذلك تُلبّيه السُّنةُ بالبحث في أرجائها الفسيحة لاستكناه أسرارها واستخراج كنوزها، ولن يتأتى ذلك إلاَّ إذا جمعنا شواردَهَا وجَدَدْنا في استرجاع مَفْقُودها وتحقيق مَخطوطها وتمييز صحيحها من سقيمها، وهيّأنا طرق دراستها وفهمها للاستفادة من عذب معِينها، واجتناء داني قطوفها.
* الهيئة نت : ما رأيكم بتحقيق المخطوطات كرسائل علمية؟
//ابو لبابة : إنّ تحقيق المخطوطات عملٌ هامٌّ وجليلٌ، لأنّه السبيلُ الوحيدةُ لإحياء التراث وبعث كنوز الأسلاف والاستفادة منها وتوظيفها في حياتنا المعاصرة، وإنَّ نَيْلَ شهادة ماجستير أو دكتوراه بتحقيق أثرٍ علميّ قيّم يُعدُّ أمرا جيّدا، لأنّه يضمن جودةَ التحقيق وجِدِّيَّةَ التدقيق وعُمق الدراسة وحُسنَ الإعداد والعرض، إلاَّ أنَّني أَنْصَحُ الطالب الذي يَختار تحقيق مَخْطوط في الماجستير أن ينصرف في رسالته لنيل الدكتوراه إلى دراسة موضوع علميّ في تخصّصه، حتّى يجمع بين الحُسنَيين، فيتمرّس على أصول التحقيق ويتمكّن من مناهج البحث التي هي أداته وسلاحُهُ في مسيرته العلميّة، ويكتسب ملكة التحرير والتأليف، لتحقيق النجاح في حياته العلميّة والإداريّة.
* الهيئة نت : كيف يمكن توظيف المكتبة الالكترونية في خدمة السنة النبوية؟
//ابو لبابة : المكتبةُ الإلكترونيّة حوّلها أبناءُ الإسلام الغَيَارى إلى أداةٍ فعّالة في خدمة السّنة فبلَمْسَةٍ خفيفة نقف على الحديث ونُخرّجُهُ من عشرات المصادر، ونتعرّف شروحَهُ، ونُلِمُّ بحال رجاله، فقد أصبح العثورُ على هذه الكنوز من أيسر اليسير، إلاَّ إنّ طالبَ العلم الجاد والرصين لابُدّ له من توثيق تلك المعلومات بالتثبُّت فيها من أصولِهَا الورقيّة حتّى تكون المعلومةُ صحيحةً مُعتمدةً، وبذلك نتجنّب الخطأَ والتقصير ونَحمي بحوثنا ودراساتِنَا من الدسّ والتحريف.
* الهيئة نت : برأيكم ما هو تأثير الانفتاح على الأمة الإسلامية، وكيف يمكن توظيف وسائل الاتصال الحديثة لخدمة الإسلام والمسلمين ؟
//ابو لبابة : إنّ وسائل الاتّصال الحديثة حوّلت العالَمَ إلى قريةٍ، وبقدر ما تحمِلُهُ هذه الوسائلُ من مخاطر تتمَثَّلُ في نشر عقائِدَ فاسدةٍ وأخلاقٍ هابطة وعادات سيئة ومُوبقات يرفُضُهَا دينُنَا وتقاليدُنا، فإنّها مقابل ذلك يمكن تحويلُها إلى أداة تنشر الخير وتحمِلُ قيم الإسلام وتُسهم في تربية أجيال من شباب الأمّة تكون قادرة على أداء أمانة الدعوة وواجب النصرة وفريضة الدفاع عن الدّين والأوطان، فواجب أهل الحلّ والعَقْدِ ورجال السلطة الراشدة تجنيدُ كفاءات الأمّة عالية الخبرة وتشجيعها وتوجيهها إلى تطوير وسائل الاتّصال الحديثة وتوظيفها في خدمة الأمّة وتحصينها ودفع المخاطر عنها، ولا يجوز بحال أن يُترك حبلُ تلك الوسائل الجبّارة على الغارب لتتحوّل إلى أداة توهين وتثبيط وهَدْمٍ لكياننا وآمالنا ومصالحنا بيد خصوم الإسلام وأعدائه البارزين والمعتصمين بخَلِيقَةِ النفاق والتقيّة.
* الهيئة نت : لماذا بقيت صورة المسلمين مشوهة بنظر الغرب، وهل للاستشراق دور بذلك ؟
//ابو لبابة : هناك عدّةُ عوامل تُسهم في بقاء صورة المسلمين مُشوَّهةً في نظر الغرب منها:
أ ـ الروحُ العنصريّة الاستكباريّة المتشبّع بها هذا الغربُ الذي يرى في جنسه التفوّقَ المطلق على سائر أجناس البشر ويرى في نفسه السيِّدَ لاسيّما وكان بالأمس القريب يَستعمِرُ أغلبَ بلاد المسلمين ويتحكّمُ في مصائرهم ويسومُهم الخسف والهوان، ويَستنزف خيراتِهِمْ وثَرَوَاتِهم بل ويُجنّدُ شبابَهُمْ ورجالهم في حروبه الظالمة وعدوانه الآثم على شعوب الأرض والتي ليس لأبناء الإسلام فيها ناقةٌ ولا جملٌ، وقد لقِي الآلافُ منهم حتفهم وهم يدافعون عن الغرب المستعمِر في الحربين العالميّتين الأولى والثانية، وفي الهند الصينيّة ( فيتنام ) وغيرها.. والغرب حتّى بعد تحرّر الشعوب من هيمنته وبعد هزائمه المُهينة في حروب الاستقلال مثلما وقع لفرنسا في الجزائر ولفيتنام، فإنّه لم يبرأ من داء الاستكبار، والذي جعله يُواصل هذا الاحتقار والاستهانة بالمسلمين، هو القيادات المتغرّبة التي حكمت البلادَ الإسلاميّة بعد رحيل المستعمر، فكانت حارساً أميناً لمصالحه، فمكّنت للُغَتِهِ ومنهجه في الحكم والإدارة والسياسة والاقتصاد، كما كانت عاملاً قويًّا في مواصلة هيمنته على مُقدّرات الشعوب الإسلاميّة وثرواتها بطرق جهنميّة جديدة.
ب ـ ما فرَّخَهُ الغربُ في بلاد الإسلام من نابتةٍ سيّئة تنتسِبُ للإسلام شكلا ولكنّها تُنَاصِبُهُ العِداءَ، فهي تناوئ لُغَته وحضارته وتاريخَهُ وقِيَمَهُ فكتابات هؤلاء المتغرّبين تُمثّل وَقُوداً إضافياً لنار حقد الغرب الصليبي المتصهين ليمعن في تشويه صورة الإسلام والمسلمين.
إنّ البذرة الأولى لتشويه صورة المسلمين كان قد بذرها المستشرقون بجهلهم الفاضح بحقائق الإسلام وحقدهم المرّوع على المسلمين وهُمْ في مُجملهم من الرّهبان المتعصّبِين واليهود الحاقدين وَخَدَمَة الاستعمار الجشعين، إلاّ أنّ ما يُروّجُهُ ويَكْتُبُهُ المتغرّبون ـ أولئك الذين تخرّجوا في محاضن الرهبان ومدارس الإرساليات والتغريب في بلاد الإسلام والذين صنعهم المستعمر على عينه ـ بجُرأة وعدوانيّة عن قيم الإسلام وثوابته، جعل الغربَ يتمادى في نظرته المشوّهة للإسلام والمسلمين، ولسان حالهم يقول :" شهد شاهد من أهلها "، غاضّـينَ الطرفَ عن أنّ هؤلاء الشهود إنّما هُمْ صَنائعُهم وأذنابُهم.
ج ـ ومن العوامل كذلك فشل السلطة في أغلب البلاد العربيّة الإسلاميّة في السيطرة على مقدّرات بلادها بل نرى أغلبَهَا تدلُفُ إلى الغرب تستجدي رضاه وحمايته حتّى تستمرّ في الحكم، مقابل تمكينه من استنزاف ثروات المسلمين، بل فإنّ أغلب السلط الحاكمة المتسلّطة على رقاب المسلمين نراها جهارًا في النهار وبلا أدنى خوف أو وَجَلٍ من شعوبها، تصطفُّ وراء الغرب في مواقفه المُعادية لمصالح المسلمين التحرّرية، الأمر الذي دفع الشعوب دَفْعًا للثورة ضدّها والإطاحة بها.
* الهيئة نت : وهل نجحت هذه العوامل في تغيير ثقافة الشباب المسلم؟
// ابو لبابة : لئن تحصّن الجانبُ الأكبر من شباب الإسلام بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل وسنّةِ نبيّه الغرّاء وتمسَّكَ بتُراثه وحضارته المتميّزة وقِيَمِ دينه العالية فأضحى عَصيّاً على الاختراق والتيه في غياهب التيارات الغربيّة المدمّرة، فإنَّ أمشاجاً من أبناء المسلمين تمكّن الغربُ من تغريبِهِمْ عَبْرَ آلته الإعلاميّة القويّة ومدارسه التغريبيّة التي انتشرت في بلاد الإسلام انتشارَ السرطان في الجسم السليم منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وعَبْرَ مؤسساته التنصيريّة الخطيرة، فتخرّج جيلٌ مناوئ للإسلام، يحلو لهم أن يتسمّوا" بالنخبة " وهم مزيجٌ من العلمانيّين واللائكيّين والليبراليّين وغيرها من التسميات التي تنتظمها جميعًا سمة " النفاق" و" البهتان"، فهم يضطلعون داخل مجتمعاتهم الإسلاميّة بنفس الدور الذي قام به المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان همُّهُمْ تشويهَ كلّ ما هو إسلام، وتخذيلَ المسلمين والتشهيرَ بكلّ عمل إصلاحيّ ومهاجمة المقدّسات بتِعلّة حريّة الرأي والتعبير، والسخرية من الثوابت بدعوى حرية الإبداع .
ورأس الحربة لهذا الفريق جمعٌ من الإعلاميين البُهت الذين اختاروا محاربة حقائق الإسلام فمالؤوهم على نشر الباطل وخدمة كلّ ما ينقُضُ عُرى الدين ويحارب الثوابت فهاجموا الحجاب وحاربوا التعدّد ودعوا إلى المساواة الكاملة بين الذكر والأنثى بما في ذلك التسوية في الإرث، كما نادوا بالزواج المِثْلي وجَرَّحوا رموز الإسلام بمن فيهم أفضل الخلق بعد الرسل صحابة رسول الله الأبرار رضوان الله عليهم جميعا، وبلَغَ بهم الفجورُ أن استهانوا بالذات الإلهيّة عَبْرَ أفلامهم وصورهم الكرتونيّة، في الوقت الذي ينادون فيه بالويل والثبور لكلّ من يحاول ردَّ شرورهم ولَجْمَ عُدوانهم وفضحَ كيدهم وجهلهم والتنديد بجهالاتهم، مُعتبرين هذه المواقف الكريمة تتعارض مع حرّية الإبداع والتعبير التي تضْمَنُهَا القوانينُ العالميّة والدساتيرُ المحلّية، فحين نرى نابتةَ السوء هذه التي ابتُلِيَتْ بها مجتمعاتُنا الإسلاميّةُ نُدرك مدى نجاح الغرب وخصوم الإسلام فيما سعَوْا إليه من إفسادٍ للمجتمعات الإسلاميّة وتمييعٍ لقيمها وتغييرٍ لملامِحِهَا.
* الهيئة نت : ما هو واجب العلماء ازاء التغييرات الحالية التي تشهدها بعض الدول العربية ؟
//ابو لبابة : لقد عانت الشعوبُ العربيّةُ الكثيرَ جَرَّاءَ ظلم وإرهاب السلطات التي كانت تحكُمُهَا بالبوليس وبتكميم الأفواه والترهيب والتجويع، فقد نهبَتْ ثَرواتِهَا وأهدرت مقدَّراتها وكرامتَهَا وأفسدت ذِمَمَ أبنائها فَحَوّلَتِ الآلافَ منهم إلى مُخْبِرِين يتجسَّسُ بعضُهم على بعض، وضيّقت على النَّاس أداء شعائرهم وألصقت بكلّ مَنْ يُلحظ عليه نفَسٌ من التدّين تُهَمَ الإرهاب، بل وخيانة الوطن!!.
فعمِّت الرشوةُ والمحسوبيّةُ وتحوّل القضاءُ إلى أداة طَيِّعَةٍ في يد السلطة تضرب بها الأحرارَ من أبناء الشعب وتَحَوَّلَ الإعلامُ المتعلم, إلى لسان دعايةٍ وتلميع للنّظام الفاسد، وطفت على السطح طبقةٌ جديدةٌ من الأثرياء وظهر الفسادُ، وانتشرت البطالةُ خاصّة في صفوف أصحاب الشهادات العليا, وتحوّل جهازُ البوليس إلى حارس شرس للسّلطة الحاكمة يحمي فسادَهَا ويُروّع كلَّ حُرٍّ ينبس بِبِنْتِ شفة مُندّدًا بالفساد، وأُهملت مصالحُ الشعب الفقير الكادح دافعِ الضرائب التي ينهبها هؤلاء المفسدون سِرًّا وعلانيةً، ليبنوا بها القصور ويركبوا السياراتِ الفارهةَ، وليعيشوا البذخ، ثمّ ليُهَرِّبُوا فوق كلّ هذا من الأموال خارج حدود الوطن، ما أسهم في إفقاره وإرباك الكثير من البنوك، والمؤسّسات التجاريّة، والصناعيّة، والأنكى هو خضوعُ هؤلاء الحُكّام المستأسدين المتسلّطين على رقاب شعوبهم بانتخابات مزَوَّرَةٍ، للغرب، فضاعت هيبةُ الدولة وتعطّلت المصالح والحقوق الوطنيّةُ والقوميّة والماديّة والروحيّة معًا، الأمر الذي جعل هذه الشعوب تنتفض وتثور ضدَّ جلاَّديها.
أمّا واجب العلماء ـ إن مُكّنوا من أداء هذا الواجب ـ فهو ترشيدُ الثورة وإرشادُها إلى الخير، وحمايتُها من هؤلاء العَلْمَانيّين والمتغرّبين وغيرهم من المتآمرين المُتَمَتْرِسِين وراء منظّماتِ حقوق الإنسان والمجتمع المدني وغيرها من الجمعيات المشبوهة، والمدعومين من أطراف غربيّة اشتراكيّة ولائكيّة من وراء البحار، وتحذيرها من المفسدين الذين خدموا الأنظمة المطاحَ بها بإخلاص، وأسهموا معها في إشاعة الفساد ومحاربة الشعب في دينه وكرامته وقوته, وهم اليوم يتظاهرون بمناصرة الثورة، فتكالبوا عليها يُريدون سرقتها وإفراغَها من أهدافها النبيلة وتطويعها لخدمة التغريب والتمييع والتفسّخ باسم الفنّ والثقافة، ومحاربة كلّ روح إسلاميّ وطنيّ نقيّ.
وعلى العلماء التحصُّنُ بوحدة الكلمة حول الكتاب والسّنة واليقظة في التصدّي للمتربّصين بالثورة من الفلول والروافض الباطنيّة والفوضويّين والغلاة والسُرَّاقَ وقُطّاع الطرق وكشف نواياهم الخبيثة وتعرية أساليبهم البشعة المناوئة لآمال شعوبهم في العودة لأصالتها والأخذ بأسباب قوّتها وعزّتها.
* الهيئة نت : ماذا يعني لكم العراق، وهل سبق وأن زرتموه؟
//ابو لبابة : العراق أرض السواد والخضرة والنضارة، وبلاد الرافدين، يعني لي مهد الحضارات، وقصبة الخلافة العباسيّة العظيمة وحِصن الإسلام الحصين، وموطن العلماء والفقهاء والمفكرين والمبدعين والصّلحاء والعُبّاد، وهو القلعة التي تتكسّر عليها سهامُ أعداء العروبة والإسلام، في قوّته قوةٌ للعرب والمسلمين وفي انكساره انكسارُهم، ونظرًا لموقعه الإستراتيجي المتميّز، ولشهامة أبنائه وصلابتهم، ونظرًا لما وهبه الله من ثروات ماديّة هائلة ظاهرة وباطنة، ولتاريخه العريق ومواقفه المشرّفة في نصرة قضايا العروبة والإسلام، تكالب عليه الأعداءُ ورمَوْهُ بنيران أحقادهم لتركيعه ونهب ثرواته الماديّة والحضاريّة وكسر أنفة أبنائه العصيّة عن الخضوع للدخيل.
لقد خسر العربُ والمسلمون باحتلال العراق سنة 2003م سندَهُمْ القويّ وساعدهم الحديد، وإنّ كلّ مَنْ أسهم في إذلال العراق وتخريبه وتقتيل أبنائه وتشريدهم ونهب ثرواته وسرقة خيراته من قُوًى غربيّة صليبية متصهينة طامعة ومن قوى باطنية حاقدة تخطّط لتمزيق المشرق العربي وإفساد عقيدته، وصهاينة أشرار موتورين يسعون لتفتيت بلاد الإسلام وتحويلها إلى دويلات طوائف وأذناب لهم، وأولئك الذين أسهموا في تضييع العراق ب مواقفهم المخذّلة المتخاذلة أولئك الدخلاء عن العراق الذين أُلْحِقُوا به وزِيدُوا عليه كما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأَكَارِعُ، كلّ هؤلاء ليسُوا أعداء للعراق وحده وإنّما هم أعداءُ العرب والمسلمين جميعًا، ينبغي مُحاربتُهم ودَحْرُهُمْ ومُحاسبتهم حتى يستعيدَ العراقُ استقلالَهُ وعافيته ويعودَ إلى سالف عهده منبعا للخير وسندًا للحقّ وساعدا قويًّا يدفع عن أمّته الشرور والفتن سرًّا وعلنًا، فالعراق بإيجاز يعني لي مجد الأمّة وكرامتها وعزّتها وحصنها الحصين، ودرعها المتين.
* الهيئة نت : ما هو شعوركم وأنتم تشاهدون مكتبات ومخطوطات العراق تحترق او تسرق، وهل ثمة أمل بعودة ما فقدته بغداد من كنوز؟
//ابو لبابة : إنّ القلب لينفطر حُزنا وألمًا وأسًى على ما أصاب تلك الثروةَ الحضاريّة الهائلة من عُدوان على أيدي أعداء الله وأعداء الإنسانيّة وخصوم الحضارة من هؤلاء المتوحّشين المجرمين، لقد فضحت وحشيتُهم دعاواهُمْ الباطلةَ أنّهم دعاةُ حُرِّيّةٍ وحضارة وديمقراطيّة لقد أثبتوا بجرائمهم الخطرة الوحشيّة التي شهدها العالم على شاشات التلفزة في المشارق والمغارب أنّهم أعداءُ الإنسانيّة وعنوانُ التوحّش ودعاة الفساد ورعاة التخريب.
وإنّ في إرادة الشعب العراقي العربي المسلم وعزيمته الصمّاء وقدراته الفائقة على تجاوز الكوارث والمحن لأمَلاً كبيرًا في أن تستعيد بغدادُ قصبةُ الخلافة وعاصمةُ التاريخ ما فقدتْهُ من كنوز وآثارٍ علميّة وحضاريّة وأن تُعِيدَ بناء ما هدَمَتْهُ الأيدي الآثمة وأن تعود إلى سالف عهدها منبعًا للعلم والأدب ومَعِينًا للحضارة لا ينضُبُ.
* الهيئة نت : كيف تقيّمون وضع العراق في ظل الاحتلال الغاشم، وما هو تصوركم لمستقبل هذا البلد ؟
//ابو لبابة : إنّ المشهد العراقي اليوم حزينٌ فقد نفّذ العدوُّ الأمريكي الغاصب الكثير من أهدافه الشرّيرة فدمّر وسرق وشرّد وهجّر وأذلّ أعزة القوم الأُبَاة وتآمر مع المنافقين والمرتدّين والخونة، وبعد أن زرع بذور تمزيق العراق سلّمها لأذنابه الذين أعانوه على احتلال العراق وتدميره، ومكّن للمتآمرين معه من الانتقام من العراق وعلمائه وأبطاله، ومن تغيير ملامح العراق العربية الإسلاميّة وتبشيع صورته.
ومما يزيدُ في الحسرة تخاذلُ العرب دون نجدة المقاومة الباسلة في العراق رغم اتّضاح المشهد أمامهم، فتدمير العراق واحتلالُهُ من أعدائه الصفويّين هو كارثة لا محالة سَيَصْلَى جحيمَهَا العربُ والمسلمون جميعًا إلا أنّ الأمل في أبناء العراق كبير، فكما هزموا جحافل الشرّ المتعاقبة وكما لقّنُوا في الماضي أعداءَ العراق دروسًا لن تُنْسَى فسينتصرون على أعدائهم وستُشْرِقُ شمسُ العراق من جديد لتُزْهِرَ عزة العراق وكرامته وأنفته.
* الهيئة نت : كيف تنظرون إلى هجرة علماء ومفكري العراق بعد قتل المئات منهم ؟
//ابو لبابة : من أبشع الجرائم التي ارتُكبت في العراق الجريح التآمُرُ على علمائه ومفكّريه ومُقاتليه الأبطال، فقد التقتْ أحقادُ الصفويّين مع ذُحُول الصهاينة المُوغلة في التاريخ والمعاصرة، وتآمُرُ المحتلين، التقت كلُّهَا على هدف واحد هو تدميرُ العراق وإفراغُه من طاقاته الخلاقة وسحقُ عقوله المُبدعة وسواعده المفتولة حتى لا ينهض من كَبْوَتِهِ وحتى يَتِيهَ في عصر حَجَرِيٍّ لا يعرف للحضارة منفذًا ولا للتقدّم سبيلاً، فاغتالُوا المئات من علمائه وأبطاله واضطرّوا الآلافَ منهم إلى الهجرة في أصقاع الدنيا يطلبون الأمن والسلم لهم ولأسرهم، إلا أنّ الأمل في الله كبير والثقةَ في عبقرية أبناء العراق لا حدود لها، فما أن يتحرّر العراقُ بعون الله تعالى مِنْ نِيرِ مُحتليه وخُدَعِ مُنافقيه، حتى يعود إلى مستوى الريادة والإبداع العلميّ والفنّيّ والتقدّم على كلّ الصُّعُد.
* الهيئة نت : ماذا تمثل لكم هيئة علماء المسلمين في العراق؟
// ابولبابة : هيئة علماء المسلمين، ضمير الأمّة وقلبها النابض، وادعو المولى العليّ القدير أن يُعيد للعراق عافيته حُرًّا كريمًا قويًّا، وأن يَحمي هيئة علمائه وسائر رجاله ومجاهديه الميامين، وأن يسدّد خطاهم على درب التحرير والانعتاق من ربقة الاحتلالين البغيضين الصفوي والأمريكي، وأسأله تعالى أن ينعم على جميعُ أعضاء الهيئة بالصحّة والقوّة والعافية.
الهيئة نت : هل من كلمة أخيرة توجّهونها الى أهل العراق؟
//ابو لبابة : أوصي إخواني أهل العراق العظيم بما أوصى اللهُ به المؤمنين(( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ.. ))، فلا بدّ من توحيد الصفوف وجمع الكلمة والعمل على قلب رجل واحد، والاصطفاف وراء علماء العراق المخلصين الربانيّين، ومقاوميه الأبطال الذين لم يُبَدّلوا ولم يُغيّروا، والانخراط في حركة تحريريّة صادقة تحقّق الهدف الأكبر والأمل الأسمى وهو تحرير العراق من مُحتلّيه وأذنابِهِمْ، وإزالة آثار عُدْوانهم وجرائمهم، ووضع العراق في مساره الصحيح.
يشار الى ان الدكتور ( أبو لبابة بن الطاهر بن صالح بن حسين بن إبراهيم التونسـيّ) الذي ولد عام 1940م بمدينة قابس عاصمة الجنوب التونسي، حصل على شهادة البكلوريوس من كليّة الزيتونيّة للشريعة وأصول الدين بالجامعة التونسيّة عام 1972، وعلى شهادة الماجستير عام 1974م من كليّة أصول الدّين بجامعة الأزهر الشريف، وعلى شهادة الدكتوراه عام 1983م من نفس الكلية.
عمل بجامعة الزيتونة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة في الرياض، وجامعة الإمارات العربيّة المتحدة بمدينة العين، وجامعة زايد بأبوظبي ودبي، كما شغل منصب رئيس مجلس الأمناء بالجامعة الأمريكيّة العالميّة، وعضو المجلس الأعلى العالميّ للمساجد في مكة المكرّمة، وعضو الملتقى العالميّ للعلماء والمفكّرين المسلمين في مكة المكرّمة ايضا، وعضو المجلس التنفيذيّ للرابطة العالميّة لخرّيجي الأزهر في القاهرة، وهو الان عضو الاتحاد العالميّ للعلماء المسلمين.
له العديد من المؤلفات منها: ( الجرح والتعديل، وموقف المعتزلة من السنّة، والإسلام والحرب، والتربية في السنة النبويّة، وموقف مُتصوّفة إفْرِيقِيّة وزُهَّادها من الاحتلال العبيدي، وأصول علم الحديث بين المنهج والمصطلح، ونافذة عن الإسلام) اضافة الى محاضرات في الحديث التحليليّ .
الهيئة نت
ح
في حوار مع الهيئة نت..(ابو لبابة الطاهر التونسي) يصف الهيئة بقلب الامة النابض والعراق درعها المتين
