هيئة علماء المسلمين في العراق

مصر.. قطار الفتنة يزيد من سرعته
مصر.. قطار الفتنة يزيد من سرعته مصر.. قطار الفتنة يزيد من سرعته

مصر.. قطار الفتنة يزيد من سرعته

طيلة ربع قرن مضى لم تشهد مصر حوادث \"فتنة طائفية\" بين المسلمين والمسيحيين إلا بمعدل مرة كل عام أو اثنين، لكن الأشهر السبعة الأخيرة وحدها شهدت سبعة اعتداءات على كنائس في محافظات مختلفة، وكانت الإسكندرية مسرحا لآخر ثلاثة منها الجمعة الماضية. وفي أكتوبر 2005 بدأ أول الحوادث السبعة عندما تعرضت كنيسة كفر سلامة بالشرقية (شمال) لهجوم، وأعقبتها كنيسة محرم بك بالإسكندرية على خلفية ما عرف بفتنة "المسرحية القبطية المسيئة للمسلمين"، وذلك قبل أن تمتد أحداث الفتنة جنوبا لتطال كنيسة العديسات في الأقصر بالصعيد، والتي قتل خلالها قبطيان.
ومن الجنوب، عادت الأحداث تتحرك شمالا وتحديدا في عزبة واصف بالعياط بالجيزة (جنوب العاصمة القاهرة)، وذلك قبل أن تعاود الأحداث انتقالها إلى الجنوب وصولا إلى قنا بالصعيد؛ حيث تعرضت كنيستان لاعتداءات في نجع الخوجات وفاو.
واختتمت الأحداث بالاعتداءات التي طالت ثلاث كنائس دفعة واحدة بالإسكندرية، وأسفرت عن مقتل قبطي وبعده مسلم خلال مواجهات بين الطرفين.
"معالجة خاطئة"
وفي تصريحات خاصة لشبكة "إسلام أون لاين.نت" اليوم الثلاثاء 18-4-2006، لفت ممدوح نخلة، المحامي القبطي ومدير مركز "الكلمة" الحقوقي إلى أن هذا العدد من الهجمات لم يسبق أن سجل في أقل من عام واحد طيلة ربع قرن، وتحديدا منذ أحداث حي الزاوية الحمراء الشهيرة بالقاهرة في 1981. وكانت صدامات طائفية عنيفة اندلعت حينها إثر إطلاق قبطي يدعى كمال عياد رصاص مدفعه الرشاش على مصلين بمسجد النذير بالحي.
وأشار نخلة إلى أن معظم هذه الحوادث تقع عادة في المناطق الأكثر فقرا وخصوصا في الأرياف التي يعاني سكانها من انخفاض نسبة التعليم؛ وهو ما يسهل انتشار أجواء التعصب.
كما أعرب عن اعتقاده بأن المعالجة الخاطئة أحيانا من جانب السلطات للتوترات الطائفية تساهم في زيادة مناخ الاحتقان.
وضرب المحامي القبطي مثالا على ذلك بمعالجة السلطات لحادث الاعتداء على كنيسة غير مرخصة في قرية العديسات المجاورة لمدينة الأقصر بصعيد مصر في فبراير 2006.
وروى ممدوح نخلة قصة ذلك الاعتداء قائلا: إن السلطات حظرت إقامة الشعائر الدينية بالكنيسة منذ عام 1971 بسبب عدم حصول أقباط القرية على تصاريح من الجهات المختصة؛ وهو ما دفعهم إلى ممارسة شعائرهم داخل الكنيسة سرا لحين الحصول على ترخيص رسمي.
وأضاف نخلة: "في الفترة الأخيرة تلقى المشرفون على القرية إشارات إيجابية ومتضاربة من بعض الجهات السيادية، بعدها قرر كاهن الكنيسة إقامة الشعائر بها علنا، فغضب مسلمو القرية ونشبت معارك بين الجانبين انتهت بمقتل اثنين من الأقباط".
وتابع: "وأمام هذا التصعيد ساومت السلطات أقباط القرية للتصالح مع المتهمين بقتل القبطيين مقابل صدور التصريح بإقامة الشعائر، وهكذا تمت معالجة الأزمة بطريقة سطحية دون اقتلاع مشاعر الاحتقان التي يمكن أن تنفجر في أي لحظة".
وحول ما يثار عن إصرار بعض الأقباط على تحويل منشآت تابعة للكنيسة إلى دور عبادة في بعض القرى بدون تصاريح رسمية، قال المحامي القبطي: "من غير المنطقي أن يتصدى المواطنون لمثل هذه المحاولات بأنفسهم؛ بل عليهم إبلاغ السلطات المختصة حتى لا تسود الغوغائية".
وحول مظهر آخر من مظاهر التوتر الطائفي المتمثل في اعتناق بعض المسيحيات للإسلام وهو ما يغضب أوساطا قبطية، قال ممدوح نخلة: إن هذا "عامل ثانوي"، معتبرا أنه "مرتبط بقضايا عاطفية وشخصية يمكن تفهمها"، وأنه "لا يرقى إلى ظاهرة الاعتداء على الكنائس التي تضاعف من تسخين العلاقة بين الجانبين وتساهم في سرعة انتشار الفتنة".
مظاهر الطائفية
من جهته نوه بهي الدين حسن، مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان إلى تزايد مظاهر أخرى للطائفية مؤخرا في جميع مجالات الحياة بمصر قائلا: "أصبحت الهوية الدينية تظهر في التعاملات العادية بين المواطنين خصوصا في ضوء الفراغ السياسي الذي تعاني منه مصر، فأصبح المصريون منقسمين؛ إما مسلم أو مسيحي".
وأضاف: "انتشرت مظاهر التفرقة.. مظاهر الطائفية بدأت تتسلل إلى المؤسسات التعليمية من خلال تصرفات المدرسين بل الطلبة، وكذلك وسائل المواصلات العامة والخاصة، والمؤسسات الفكرية والإعلامية التي وصلت إلى فضائيات مخصصة لدحض عقيدة الآخر".
وكان الحقوقي يشير إلى توجه ظهر خلال العامين الماضيين بإذاعة برامج تهاجم بشدة العقيدة الإسلامية يقدمها قساوسة أقباط على قناة "الحياة"، التي تغير اسمها منذ أشهر قليلة إلى "المسيح هو الحل"، وتبث من قبرص. كما تعددت المواقع الإلكترونية والمنتديات التي يديرها متعصبون وتفعل الشيء نفسه.
واعتبر بهي الدين حسن أن تزايد هذه الظواهر يعكس حالة من عدم الرضا، ولجوء كل طرف إلى مرجعيته الدينية للاحتماء من خطر يستشعره، مشيرا إلى أن النتيجة كانت المزيد من الاحتقان الذي ساهم فيه تساهل الحكومات المتعاقبة مع هذا الملف ومعالجته بصورة سطحية وبدون شفافية؛ وهو ما يرشح لمزيد من الاحتقان.
"غليان بين الطرفين"
أما الخبير الإستراتيجي نبيل عبد الفتاح فيرصد بدوره تحولا هاما ظهر في الأعوام القليلة الماضية، ويتمثل في "سرعة انتشار الفتن الطائفية".
ويرجع ذلك إلى مظاهر عدة "تؤدي لغليان الموقف بين الطرفين بل تهدد على مدى أطول بانهيار العلاقة بينهما".
ويرصد من بين هذه المظاهر: "تصاعد انتشار الرموز الدينية التي تقلل ضمنا من عقيدة الآخر، وتتخذ أشكالا عديدة كالملصقات على المركبات، فضلا عن استخدام بعض المفردات في الخطاب اليومي تحمل دلالات طائفية، وكذلك لجوء البعض إلى استخدام شفرات في الحديث لتجنب فهم الآخرين من عقيدة أخرى للحديث".
ويضيف: "بل وصل الأمر إلى أن بعض المتزوجين حديثا أصبحوا عند البحث عن مسكن يعطون الأولوية للمسكن الذي يخلو من الطرف الآخر".
ويحذر عبد الفتاح من أن "كل هذه المظاهر تعمق الانقسامات وحالة الشرنقة الطائفية"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن "اختزال الدولة لتعاملها مع الأقباط وكافة ملفاتهم من خلال الكنيسة أدى إلى مزيد من تقوقع الأقباط وابتعادهم عن المشاركة السياسية، فتعمقت لديهم حالة الاغتراب الداخلي، فكان لذلك مردود سلبي تمثل في شعور عام لديهم بعدم الثقة في كل شيء".
وعودة إلى الإسكندرية وما شهدته من هجمات على كنائس جاءت في وقت بدأ فيه الأقباط يحتفلون بـ"أسبوع الآلام" الذي يسبق "عيد القيامة"، يرى عبد الفتاح أن مظاهر التحول في هذه المدينة المطلة على البحر المتوسط يجسد انحسار البيئة التسامحية بمصر.
ويوضح قائلا: "في أعقاب هزيمة 67 بدأت تتغير هوية الإسكندرية كمدينة جامعة (كوزموبولتان) مثل باقي مدن ساحل المتوسط؛ حيث أدت الهزيمة لخروج الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش فيها لفترات طويلة، فانحسرت معالم النموذج متعدد الثقافات للمدينة، وحلت محلها سمات أخرى مع الهجرات الريفية والأخرى القادمة من أعماق الصعيد إلى أن وصلنا إلى صدام طائفي اتخذ شكل الأحداث الأخيرة".
ولم يجد الخبير الإستراتيجي في الختام سوى إبداء "القلق بشأن احتمالات انتقال مثل هذه الصدامات إلى مدن وأماكن أخرى أقل تعددية في الأصل؛ وهو ما يجعلها أكثر سخونة من الإسكندرية".

أضف تعليق