إنها السابعة صباحا حسب التوقيت الشرقي، حين تأتي الاخبار للاميركيين على موائد افطارهم. وسيتحدث الرئيس جورج بوش قريباً مخاطباً الأمة حياً على الهواء من المكتب البيضاوي ليقول بعيد لحظات معلنا بتشدق سوداوي ان طائرات اميركية ضربت المواقع النووية الايرانية خلال الليل.
ويقول ريتشارد بيرل، أحد زعماء المحافظين الجدد "ان بامكانك أن تستشرف شكل الخطاب الذي سيلقيه الرئيس". ويضيف "سيعدد الرئيس أنماط الخداع الذي مارسته إيران في الماضي ودعمها للارهاب والتهديد غير المقبول الذي ستشكله اذا ما امتلكت اسلحة نووية، وسيكون الهجوم قد انتهى قبل ان يعرف احد ما حدث. وسيكون السؤال الوحيد حول ما سيقوم به الايرانيون من أجل الانتقام".
هل يبدو هذا السيناريو بعيدا عن الواقع؟
فكر ثانية. ان ما هو غير متوقع، او ما وصفه وزير الخارجية البريطاني جاك سترو قبل بضعة اسابيع بأنه الشيء "الذي لا يمكن تصوره" إنما يتم التخطيط له الان بهمة في أروقة البنتاغون. ويقول مطلعون من داخل البيت الابيض ان بوش وديك تشيني نائب الرئيس المنتمي إلى الصقور قد قررا حل الازمة الايرانية قبل ترك السلطة في غضون ثلاث سنوات.
إنهم يقولون إن التدخل العسكري، والذي سيتخذ شكل ضربة شاملة ضد المنشآت النووية، إنما يجري التخطيط له. وان بوش مستعد للإيعاز بشن الغارة ما لم تتخلص ايران من برنامجها النووي. وقد نقل عن مستشار في البنتاغون لم يذكر اسمه في مقالة للكاتب سيمور هيرش، صحافي التحقيقات الاميركي البارز في مجلة نيويوركر قوله: "يعتقد البيت الابيض هذا بأن الطريقة الوحيدة لحل هذه المشكلة هي تغيير تركيبة السلطة في ايران، وهذا بدوره يعني الحرب".
وكانت صحيفة "الصنداي تايمز" قد تلقت الاسبوع الماضي الرسالة نفسها، حيث قال موظف كبير في البيت الابيض ان بوش وتشيني كانا مصممين على ان لا يورثا مشكلة ايران النووية الى خَلَفهما، وقال "إن ذلك ليس من طبيعتهما".
أما العاملون في البيت الابيض، فإنهم يسخرون من بيل كلنتون لتركه "القاعدة" دون التعامل معها. ويعتقدون بان ايران المسلحة نوويا اخطر من ان يتم ترك أمرها لرئيس ديمقراطي محتمل.
يقال بان هناك تاريخاً معيناً واحداً يبدو محفوراً في ذاكرة المخططين العسكريين، وهو 2008. وقد سرت أقوال بان الازمة النووية الايرانية يجب ان تكون قد حلت بحلول ذلك التاريخ، والا فإن نظام الرئيس احمدي نجاد، باسلوبه البلاغي الذي يهاجم به اسرائيل، سوف يواجه تداعيات عسكرية.
ويقول هيرش ان احد الخيارات يتضمن استخدام الأسلحة النووية التكتيكية الموجهة بالليزر مثل قنبلة بي 61-11 للتأكد من تدمير المجمع الايراني الرئيسي للقوة الطاردة في ناتانز. وتعتقد صحيفة الصنداي تايمز بان ضربة بالأسلحة التقليدية هي اكثر احتمالا. وبحلول عام 2008، سيكون سلاح الجو الأميركي قد امتلك صاروخاً تدميرياً جديداً موجها بالليزر يدعى "بيغ بلو". وقد تم تصميم هذا الصاروخ الضخم والقوي من قياس 30 الف ليبرة ليتم إطلاقه من قاذفات القنابل من نوع ستيلث سلسلة بي، وهو يستطيع ان ينفذ إلى عمق 100 قدم تحت الارض قبل ان ينفجر، كما أن الصواريخ البالستية الثلاثية التي تم تعديلها مؤخراً لحمل الرؤوس الحربية التقليدية قد تكون ايضا في متناول اليد عام 2008، مما يتيح لبوش خيارات أكثر.
ما الذي يحدث في البيت الابيض؟ هل يفكر بوش حقا في توجيه ضربة ضد ايران ام أن مسؤوليه يتحدثون ببساطة عن تقوية ذراعهم التفاوضية مع ايران؟ وإذا ما كان ينبغي القيام بعمل عسكري، فماذا يمكن أن تكون تداعياته على اميركا والشرق الاوسط وبريطانيا؟
لطالما ظل المعلقون ينظرون الى ايران على انها على طريق الاصلاح حتى اللحظة التي فاز فيها احمدي نجاد بالرئاسة الايرانية، ما فاجأ الغرب، محمولاً على موجة من التأييد الشعبي في حزيران (يونيو) الماضي. وكان المحافظون الجدد يأملون بأن يكون تأثير الغزو على العراق في المنطقة أشبه بقطار الدومينو، بحيث تنهض الشعوب في ايران والدول النفطية الغنية للمطالبة بالديمقراطية والحرية على النمط الغربي. ولسوء الحظ، كان العكس هو الصحيح، على الاقل في ايران. فمنذ استلامه السلطة، اعتنق احمدي نجاد بشكل معلن موجة من الوطنية والمشاعر المضادة لاسرائيل واميركا. وقد اقترن القول بالعمل. حيث بدأ باعادة العمل ببرنامج التخصيب النووي الايراني مخلياً الدولة من التزاماتها الدولية، وواضعاً إياها في مسار تصادمي مع الغرب.
ويظهر ان مشكلة اميركا في العراق قد جعلت ايران أكثر جرأة، حيث استمر احمدي نجاد في تهجمه على الغرب من خلال عرضه المتفاخر للألعاب الحربية في الخليج. وقد اشتملت البضاعة المعروضة على اسلحة مضيئة وتوربيدات وصواريخ، والتي ربما لا تضاهي الاسلحة الاميركية. ولكنها ادت دورها كتحذير من التدمير الذي قد يلحقه النظام الايراني بالاقتصاد الدولي باغلاق مضيق هرمز، وهو المعبر الذي يتدفق منه الكثير من نفط الشرق الاوسط. وكان الجنرال يحيى رحيم سفافي، رئيس الحرس الثوري الايراني الخاص، قد قال بوضوح "ان اهمية مناورة (النبي العظيم) تكمن في التوقيت والموقع الجغرافي، كما تكمن في الاسلحة المستخدمة". وفي ضوع تمتعه بالتركيز الدولي، وغير واع بشكل واضح لوضعه الذي يزداد نبذا، فان احمدي نجاد سيرفع من وتيرة الخصومة باستضافته لمؤتمر دولي يركز على فلسطين و"اسطورة الهولوكوست".
على هذه الخلفية، وفي سياق اللهاث لايجاد حل ديبلوماسي في الامم المتحدة، فان البيت الابيض يعطي مهلة اضافية فيما يخص العمل العسكري ضد ايران. وسوف يفسر بعض المراقبين ذلك على انه تظاهر اكثر من كونه حقيقة.
ومع ذلك، فان الادارة الاميركية ليست سوى ادارة عنيدة. وقد كان هناك شعور متنام في واشنطن في الفترة الأخيرة بان بوش قد وضع الخيار العسكري فعلاً على المائدة. وبينما ما يزال بعض الاوروبيين والبريطانيين يؤمنون بالديبلوماسية، فان الاميركيين يحضرون بنشاط للسيناريو الأسوأ، كما يقال.
وعلاوة على ذلك، ومع أن من الصحيح أن الاخفاقات في العراق قد أوهنت من الحماس الاميركي نحو التدخل العسكري، فإن من الخطأ الاستنتاج بان الجمهور الامريكي بمخاوفه من "آيات الله" وذكرى حصار السفارة في طهران عام 1979 لن يهضم شن هجوم، كما يعتقد موظفو بوش. وقد صرح مسؤول أميركي رفيع المستوى في وزارة الدفاع بأن "الشعب الاميركي لا يبحث عن معارك جديدة. ولكنه يفهم طبيعة التهديد الايراني بشكل واضح". واضاف " انني لا اجد هناك من يقول: اوه. اننا يجب ان نكون لطيفين مع ايران".
لقد اجتمع مخططون عسكريون كبار في البنتاغون مؤخراً لتقويم فرص نجاح مثل هذا الهجوم. واخبروا البيت الابيض بانه ما يزال عليهم وضع خارطة لمواقع التخصيب النووي الايرانية، وان العديد من هذه المواقع مدفون عميقا تحت الجبال الجرانيتية. وأن من شأن ضربة توجه الآن أن تسمح بعودة برنامج "الملا" خلال سنتين فقط على الأرجح.
اننا نتقدم بسرعة نحو عام 2008 والصورة تتغير. فعند ذلك الوقت ستكون معلومات استخباراتية اكثر قد جمعت عن اماكن المنشآت النووية، وستكون صواريخ "بغ بلو" جاهزة بكل تأكيد. ويقول الخبراء بان الضرر سيكون كبيرا اذا لم يكن شاملا. حيث اشار المحلل العسكري الامريكي جون بايك من مؤسسة غلوبال سيكيوريتي إن "الايرانيين يحتاجون الى 100% من برنامجهم لإنتاج قنابل نووية، ونحن لا نحتاج إلى تدمير 100% من منشآتهم لحرمان (آيات الله) من المقدرة النووية".
ويعتبر ادوارد لوتواك، مستشار البنتاغون وخبير الاستراتيجيات العسكرية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، مدافعا رئيسيا عن النظرية التي تقول بأن المواقع النووية الايرانية يمكن ان تدمر "في ليلة واحدة".
وفي داخل البنتاغون يقتبس المسؤولون أقوال لوتواك. حيث يمكن لضربات بحفنة من قاذفات "بي تو" التي ستقلع من "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي ، وهي تابعة للبريطانيين، أن تكون كافية لتدمير اهم المواقع النووية الايرانية في ناتانز واراك واصفهان.
يقول لوتواك "انكم لستم بحاجة لحل مشكلة ايران، وإنما انتم بحاجة فقط الى تأخير الملالي بضع سنوات. عليكم فقط أن تعروا عنجهيتهم وأن تأملوا في ان يتخلص الايرانيون منهم، حيث معظم الايرانيين يكرهون هذا النظام". ولعل في ذلك أفقاً مغرياً لبوش المصمم على ترك اثر في التاريخ بوصفه "رئيساً ذا شأن" كما عبر عن ذلك مستشاره ومرشده الروحي "كارل روف" ذات مرة. وعلى كل حال، هنالك توتر كبير عند موظفي الادارة حول امكانية رد الفعل الايراني.
يقول مصدر مطلع في البيت الابيض "إننا نعاني حالة ارتباك فيما يخص القيام بعمل عسكري. فنحن نستطيع ان نقصف المواقع النووية. ولكن ماذا بعد ذلك؟" وهل تتمالك اميركا اعصابها اذا ما اتخذت الاحداث منعطفاً حادا نحو الاسوأ؟
إنه إذا ما تمت مهاجمة ايران، فإنه ما من شك بأنها ستطلق موجة من الارهاب في الغرب واسرائيل، كما ستعمل على زعزعة الاستقرار بالغ الهشاشة لجارتها العراق. كما سيكون من شأن الهجوم أن يدفع بالإيرانيين على نحو شبه مؤكد إلى الاصطفاف وراء احمدي نجاد. ويعترف لوتواك بان الهجوم سيكون كارثيا اذا كان من تداعياته عزل الايرانيين المؤيدين للغرب، والذين تعتبرهم اميركا "حلفاء قدامى ومستقبليين" في الشرق الاوسط. وهي وجهة نظر يشترك فيها العديد من المحافظين الجدد، بمن فيهم بيرل الذي يفضل رؤية حدوث تغيير داخلي للنظام في ايران بدلا من انهمار القنابل عليه. وقد تم منح وزارة الخارجية مبلغ 75 مليون دولار من اجل إنجاز هذا الهدف ومن اجل الترويج للديمقراطية في ايران. ويقول بايك "يستطيع المرء أن يراهن باطمئنان على أن السي آي إيه قد حصلت على عشرة أضعاف ذلك المبلغ".
وكانت تقارير نشرت أخيراً قد أشارت إلى أن الوزراء البريطانيين كانوا يعقدون مباحثات سرية مع مسؤولي الدفاع لتقدير تداعيات ضربة محتملة تقودها أميركا ضد إيران. ومع أن مسؤولي داوننغ ستريت قد أنكروا مضامين هذه التقارير، إلا أن هناك القليل من الشك إزاء كون التغير الظاهري في التفكير الأميركي لا بد وأنه يشغل العقول في القاعة البيضاء (وايتهول).
حتى وقت قريب، كانت الفرضية السائدة تقول إن أي ضربة توجه إلى مرافق إيران النووية سيسند أمرها إلى الإسرائيليين أصحاب المصلحة الأكبر. وقد تغير ذلك، حسب مصادر أميركية في وزارة الدفاع، على أرضية أن الولايات المتحدة فقط هي التي تمتلك الأسلحة التي يمكن لها أن تنجز العمل في ليلة واحدة، وعلى نحو يضع العالم أمام الأمر الواقع.
أما الشيء الذي ربما يثير قلق حزب العمال، فهو أن من المتوقع أن تقوم بريطانيا بتقديم الدعم حسب الخطط الأميركية، ربما عن طريق إرسال طائرات أو سفن وغواصات إلى الخليج أو بالسماح للأميركيين بالطيران من قاعدة دييغو غارسيا.
هل سيكون بلير لا يزال مقيما في 10 داوننغ ستريت عام 2008؟، وإذا لم يكن الأمر كذلك، هل سيكون غوردون براون بوصفه رئيساً للوزراء راغبا في لعب دور في مغامرة عسكرية أخرى في الشرق الأوسط؟ حسب موقف الرأي العام، فإن من شأن ذلك أن يشكل انتحاراً سياسياً.
يعتقد لاري ويلكرسون، رئيس هيئة الأركان السابق لكولن باول بأن بوش يراكم الأخطاء التي ارتكبها خلال الاندفاعة نحو حرب العراق. ويقول "إذا ما وصلت إلى النقطة التي تلجأ فيها إلى استخدام جيشك، فإنك سترغب في أن تضع الجميع في قاربك، ونحن لم نعمد حتى إلى محاولة ذلك".
لقد فشلت مثل هذه الاعتبارات في تغيير وجهة بوش وتشيني من قبل. وإذا ما بقيت معدلات القبول الذي يحظون به بهذا الفتور، فربما يكون هناك تحسن في الوضع لدى توجيه ضربة لإيران. وكما يقول بايك، فإنه "بغض النظر عن الأرقام التي تكشف عنها استطلاعات الرأي إزاء بوش، فإن الأميركيين يحبون مشاهدة عرض لقوة النيران
الولايات المتحدة تحشد لتوجه الضربة الى ايران
