يعاني القطاع الصناعي العراقي بشقيه العام والخاص من تدهور واضح واهمال متعمد ادى الى توقف معظم المعامل الانتاجية، ما ينذر بكارثة قد تحل بهذا البلد اذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن، حيث يواجه
العراق منذ الاحتلال السافر الذي قادته الادارة الامريكية عام 2003، حالة من التراجع الكبير في مختلف مجالات الإنتاج والتوزيع والتصدير، إضافة إلى عمليات النهب والتخريب التي رافقت الاحتلال البغيض، والتي أدت إلى تدمير كل مقومات الصناعة المحلية والبنية التحتية ومستلزمات الإنتاج، في الوقت الذي خسرت فيه المصانع الآلاف من الايدي العاملة الكفوءة التي اضطرت الى مغادرة العراق هربا من جحيم اعمال العنف وجرائم القتل والاختطاف التي طالت المئات منهم .
ولتسليط الضوء على هذه الكارثة اعدّت المصادر الصحفية التي تتابع الشأن العراقي تقريرا تضمن لقاءات مع عدد من المسؤولين في الحكومات المتعاقبة وشخصيات وخبراء اقتصاديين استعرضوا فيها ابرز الاسباب الحقيقية التي أدت الى توقف معظم المصانع والمعامل العراقية الحيوية، وما اضافته هذه المشكلة من اعباء على كاهل العراقيين الذين يعانون من ازمات كثيرة على رأسها استمرار التدهور الامني الذي يذهب ضحيته يوميا العشرات من العراقيين الابرياء .
وكان أول المتحدثين ( قيس الخفاجي ) الرئيس السابق لاتحاد الصناعات العراقي الذي اكد ان نحو ( 40 ) ألف مشروع وأكثر من (80% ) من المصانع متوقفة منذ اكثر من تسع سنوات، لاسباب عديدة على رأسها الانقطاع المستمر للكهرباء، ما عرّض هذا البلد الجريح إلى خسائر مادية كبيرة .. موضحا ان أكثر المصانع المتوقفة الان كانت تعمل بشكل طبيعي قبل الاحتلال الأمريكي، وان نحو ( 20 ) ألف مشروع توقف بسبب حاجته إلى تأهيل الآليات وعدم توفر المواد الأولية والعمالة الفنية، التي هاجر أغلبها بعد الاحتلال نتيجة تدهور الاوضاع الأمنية .
كما أكد ( سلمان محسن الموسوي ) عضو ما تسمى لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب الحالي إن هناك مجموعة من الأسباب التي تسببت في توقف تلك المصانع وشل القطاع الصناعي في البلاد، بينها انقطاع التيار الكهربائي المتواصل، وانعدام القوانين التي تنظم عمل القطاع الصناعي، حيث ان قسماً كبيرا منها بحاجة إلى تفعيل وتأهيل .. مشيرا الى ان مجلس الوزراء الحالي طلب تأجيل تطبيق قانون التعرفة الكمركية الذي من شأنه توفير الحماية للصناعات العراقية، تحت ذريعة عدم تهيأة المنافذ الحدودية وعدم وجود كادر متخصص لتنفيذ هذا القانون.
من جهتها اشارت الاقتصادية ( سلام سميسم ) الى ان الاحتلال السافر تسبب بتعطيل القسم الاعظم من المصانع كما جرى تغييب متعمد للصناعة العراقية بصورة عامة، وطالبت بمنح المعامل والمصانع ساعات كهرباء أكثر خلال فترة النهار، وذلك لان تشغيل هذه المصانع سيساعد في حل الكثير من المشكلات على رأسها امتصاص الاعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل، كما طالبت الحكومة الحالية بسن القوانين والتشريعات الكفيلة بدعم قانون العمل الصناعي وتنظيمه .. مشددة على ان توقف عجلة هذه المصانع يهدد ثروة البلاد الوطنية، وذلك لان الأجهزة والمعدات تفقد قيمتها الكاملة بعد مرور عشر سنوات على تعطيلها، وبالتالي سيكون هناك هدر في المال العام يقدر بمليارات الدنانير.
ورأى الخبير الاقتصادي ( قاسم السوداني ) ان أبرز أسباب تراجع الواقع الصناعي في العراق هو عدم وجود سياسية اقتصادية واضحة بعد عام 2003، حيث اصبح الاقتصاد العراقي مشوّه المعالم، نتيجة فقدانه المئات من الكفاءات المهمة، وافتقاره للمدن الصناعية الحديثة، اضافة الى الغزو السلعي الذي غزا البلاد خلال السنوات التسع الماضية، لعدم تشريع قوانين جديدة تشجع القطاع الصناعي.
وازاء الشلل الذي أصاب الصناعة العراقية، يشكو أصحاب المصانع من عملية إغراق السوق العراقي بالبضائع المستوردة, ولا سيما البضاعة الايرانية التي تسيطر الان على هذا السوق، ابتداء من الأدوات المنزلية ومرورا بالأدوية والمستلزمات الطبية وانتهاء بالإطارات وقطع غيار السيارات، حيث يطالب اصحاب المصانع العراقية ـ الذين يصفون هذه العملية بالمتعمدة ـ بخطوات جدية لأعادة تأهيل المصانع العراقية والمحافظة على هذه الثروة الاقتصادية الهامة.
وفي هذا السياق أكد ( هاشم علي ) أحد الصناعيين العراقيين إن فتح الأبواب أمام البضاعة الإيرانية لم يكن عملاً عفوياً, وإنما القصد منه تحويل السوق العراقية إلى سوق مستهلكة للبضاعة الإيرانية، حيث يتعمد الايرانيون تصدير بضائعهم الى العراق بأسعار تنافسية تكون في كثير من الاحيان أقل من كلفة البضاعة المنتجة محلياً، ما نتج عن ذلك كساد البضاعة العراقية وتوقف الكثير من المصانع الكبيرة والصغيرة والحرفية .. موضحا ان البضائع الايرانية لا تفرض عليها أية رسوم كمركية, وأن تسهيل عملية تداولها بالطريقة الحالية, يهدف إلى خلق منافسة غير متكافئة مع البضاعة المحلية, التي تحتاج إلى مصاريف إضافية مثل توفير المولدات بسبب انعدام الكهرباء، وصعوبة تنقل العاملين خشية الظروف الأمنية المتدهور.
ولفت أحد اعضاء اتحاد الصناعات الوطنية العراقية ـ فضل عدم نشر اسمه ـ الانتباه الى ان مصانع القطاع الخاص تعرضت خلال السنوات التسع الماضية إلى أوسع عملية تهميش أدت إلى اندثار المكائن الانتاجية وتهريب اغلب رؤوس الأموال الصناعية خارج العراق والاستثمار في دول اخرى بسبب تردي الاوضاع الأمنية ومغادرة معظم الخبرات العلمية والاقتصادية بعد اغتيال واختطاف العديد منهم .. مشيرا الى ان مستويات الانتاج في المصانع المحلية اصبحت متدنية للغاية بسبب ضعف الطلب والاستيراد غير المتقن في ظل الظروف الحالية غير المستقرة التي يشهدها العراق، كما ان فتح الحدود امام تدفق البضائع والسلع الاجنبية انعكس سلبا على وضع الصناعة الوطنية وذلك لاستيراد سلع واجهزة رخيصة الثمن لكنها رديئة .
بدوره اوضح ( رافد اسماعيل ) أحد مهندسي الانتاج في القطاع الصناعي الخاص ان هناك مشاكل عامة تعاني منها الصناعة الوطنية، بينها التدهور الامني المتواصل وعدم توفر التيار الكهربائي وغيرها من الخدمات الاساسية المفقودة، اما المشكلات الخاصة فتتمثل بتقادم المكائن والمعامل وكثرة العطلات فيها وندرة عمليات التأهيل والتحديث، الامر الذي اثر بشكل سلبي على هذه الصناعة .. لافتا الانتباه الى ان هناك مشكلات اخرى يعاني منها القطاع الصناعي الخاص في مقدمتها عدم توفر السيولة النقدية بعد ان استنزفت الظروف المضطربة طاقات المعامل التي ظلت طيلة الفترة الماضية تدفع الضرائب وبدلات الايجار وتكاليف الحراسة، بالرغم من توقفها عن الانتاج .
اما الباحث الاقتصاد ( فاهم عزيز ) فقد اقترح العديد من المعالجات بهدف انعاش المنتوج الوطني، بينها وضع ضوابط للاستيراد واخضاع جميع السلع والمواد المستوردة لتدقيق الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية قبل دخولها الى العراق ووصولها الى المستهلك، واعفاء المواد الاولية للمعامل من الرسوم الكمركية، واعفاء المشاريع الصناعية من ضريبة الدخل لمدة خمس سنوات اسوة بالمنتوج الزراعي الذي تم اعفاءه من هذه الضريبة، اضافة الى تشغيل عجلة الصناعة الوطنية من خلال تحديث المشاريع الصناعية القائمة .. مؤكدا ضرورة اعطاء القطاع الخاص دورا في رسم السياسة الاقتصادية ووضع ضوابط للاستيراد ودعم هذا القطاع الحيوي من خلال توسيع عملية منح القروض وتوفير قطع الاراضي وتزويد المصانع بالمحولات الكهربائية والوقود اللازم لها .
الجدير بالذكر ان القطاع الصناعي الذي ما زال يعاني من اهمال الحكومات المتعاقبة في ظل الاحتلال الغاشم، كان يشكل ( 60% ) من الناتج المحلي الإجمالي، ويشتغل فيه ( 18.7% ) من إجمالي اليد العاملة في العراق، حيث تعد صناعة النفط والمجالات المرتبطة به كالبتروكيماويات، العمود الفقري للصناعة الوطنية العراقية، الان ان هذا البلد الجريح اصبح اليوم يحتل المرتبة الخامسة عربيًا من حيث ارتفاع معدلات البطالة المتفاقمة والتي وصلت الى اكثر من ( 18% ) من مجموع عدد السكان، أي أن ما يربو على خمسة ملايين و (400) ألف عراقي، وفقا لآخر تقرير اصدره صندوق النقد الدولي في هذا المجال .
وكالات + الهيئة نت
ح
بسبب التهميش واهمال حكومات الاحتلال المتعاقبة .. توقف (40) ألف مشروع صناعي في العراق عن الانتاج
