قالوا بأن مؤتمر مكة الذي عقد في شهر رمضان المنصرم سيكون سوريا بامتياز، وأن دلالات المكان مهبط الوحي، ودلالات الزمان ليلة القدر، يمكن أن يُضفيا نفحات أيمانية على قادة الدول الاسلامية
فيعتصموا بحبل الايمان ويغمرهم ذلك الشعور الذي صوّر الامة بأنها جسد واحد إذا اشتكى منه عضو عانى كل الجسد من الاعياء والمرض , فيرتفعوا فوق الضغائن ويضعوا سبيلا يوقف نزيف الدماء من سوريا حتى بورما، مرورا بكل الجراح المزمنة في فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرها. وإذا كانت وسائل الاعلام وعدسات المصورين قد ركزت طويلا على اقتناص لحظات العناق بين الزعماء، خاصة بين محوري السياسة في المنطقة، السعودية وإيران، وأطنبت في تحليل أسباب جلوس هذا الزعيم الى يمين الملك وذاك الى يساره ومن كان الاقرب ومن كان الابعد، فإن الكثير من شعوب العالم الاسلامي خاصة تلك التي مازالت تكتوي بنيران الحروب الداخلية والخارجية، وتعاني من القتل والدمار والفقر المدقع والتهجير القسري، لم يكن يعنيها ذلك إطلاقا بقدر ما كانت تبحث في عقول الزعماء وقادة الامة الاسلامية، عن مدى امتلاكهم الشعور بأن الامة هي جسد واحد وكان سبب انتقالها مـن عصر الجاهلية الى عصر القوة، وهل عاد هذا المفهوم ليتجسد من جديد فينعكس في سياساتهم الداخلية والخارجية، رخاء واستقرارا لشعوبهم وعزيمة لا تلين ضد أعدائهم، أم أن المؤتمر سيكون مجرد رقم يضاف الى سلسلة طويلة من المؤتمرات التي لم تسكب قطرة ماء على حريق، أو مسحـة بلسم على جرح في جسد الامة؟.
نعم من المهم أن ننشىء المراكز البحثية التي تدرس في تضييق شقـة الخلاف المذهبي والقومي بين مكونات الامـة، لكن ما فائدة هـذه المراكـز في وقت لا يملك القادة فيها قرارهم السياسي والاقتصادي، وليس لديهم الارادة المستقلة لتسيير شؤون الامة، الا وفق مصالح هـذا الطرف الدولي أو ذاك، الذين من مصلحتهم توسيع شقة الخلاف وتقسيم مجتمعاتنا الى طوائف ومذاهب وملل ونحل، فخلقت حالـة تخندق واضحة جعلت أبنـاء الامـة الاسلاميـة يقفون ضد بعضهم البعض لمصالح خارجية بعيدة كـل البعد عـن مصالحهم .
ما الفائدة أن يأتي الرئيس الايراني الى مؤتمر مكة في زمانه ومكانه المعنويين، ومـازال يحمل في ذهنه مشروعـا قوميا يخص بلاد فارس ويوظف فيـه العامل الطائفي والمذهبي، كي يصادر لحسابه العـراق والخليج العربي ولبنـان وسوريـا واليمـن والمغرب العربي ودول جنوب شرق آسيا الاسلامية؟ وما الفائدة أن تحضر دول عربيـة وإسلاميـة الى المؤتمر وقد وضعت كل بيضها في السلة الامريكية، وتفتح خزائنها المالية لدعم الاقتصاد الامريكي ولا تدعم فقراء الامة الاسلامية، وتحارب الى جانب القوات الامريكية ضد الثوار المسلمين في العديد من الدول، وتسمي مقاومتهم إرهاب انسياقا مع الارادة الغربية، وتجتهد في صنع المبادرات السلمية للكيان الصهيوني الذي يحاصر الفلسطينيين مـن كـل حدب وصوب؟.
لذلك واهـم مـن يعتقد أن العناق بين الفرقـاء السياسيين أحـد وسائل تحقيق السياسة. محـال أن يحصل ذلك لكننا نحن العـرب خاصة والمسلمين عامـة مازلنا نتعامل مـع الاحداث بثقافة الديوان أو المضيف، متناسين أن مشاكل القبيلة ليست سياسة ومصالـح وخـداع وأكاذيب وأجندات مختلفـة، وعالـم أول وثان وثالث ورعـب وتوازن رعب كحال السياسة الدولية. لذلك مازلنا عاجزين عـن تحقيق مصالح أمتنا على الرغم مما نملك من ثروات فوق وتحت الارض، بينما تقدم علينا الكثيرون ممن لا يملكون تسع أعشار ثرواتنا.
تهرع إلينا أوروبا عندما تعصف بها أزمة اقتصادية، فنفتح لها خزائننا دون أن نسأل عن المقابل، ويستخدمنا الآخرون جنودا تحت راياتهم بينما أراضينا لازالت محتلة من قبلهم. ونقيم القواعد الجوية والبحرية والبرية لهم في أوطاننا، دون أن نلتفت الى التخريب الثقافي والاجتماعي الناتج عنها. إذن ما جدوى عناق الزعمـاء فـي ظل تصارع الاجندات والسعي المستميت لخلق المحاور والتكتلات داخل الرابطـة الاسلامية؟ كـان الاولى بالزعمـاء أن يبحثوا فـي الاسس الجماعية لنظام الامـن فـي الشرق الاوسط خاصـة والعالـم الاسلامي عامة قبل كـل شيء، وان يتخلصوا مـن المحاور المرتبطـة بالغرب أو روسيا والصين، وأن يحددوا بشكل واضح مقدرة دولهم على تحقيق مصيرها بشكل فردي أو جماعي على مستوى هذه الرابطة، أم أن سياساتهم هي مجرد ردود أفعال لتأثيرات خارجية؟.
وماذا بشأن الازمات الاجتماعيـة والاقتصاديـة التي تعانيها هـذه المنظومـة، والتي غالبا ماتتحول الى صراعات دمويـة في الداخل أو مع الجوار الاسلامي، وماهي الحلول الناجعة لها؟.
إن العرب خاصـة والعالـم الاسلامي عامـة يعانون مـن خلل بنيوي واضح فـي إدراك مصالحهم، لأنهم يفتقرون الى النظرة العلمية الموحـدة الى ما يجب فعلـه. فبعضهم يرى أن مصلحته تكمن فـي التسليم الكامل للشروط الغربية، وبعضهم يرى أن مصلحته تكمن في تفتيت دول وابتلاعها كـي يعيد مجـد امبراطوريتـه التاريخيـة كإيران، لذلك سيبقى التصادم والصراع قائمـا فيما بينهم الى وقت مستقبلي غير معلـوم، وستبقى الساحات الساخنة في كيان الامـة الاسلامية مناطق صراع إسلامي - إسلامي، للحصول على التفوق السياسي والرضى الدولي لهذا الطرف أو ذاك، حتى لو نتج عن ذلك إبادة إنسانية كما يحصل اليوم في سوريا.
* باحث سياسي عراقي
عناق فوق سطح صفيح ساخن/ د. مثنى عبدالله
