هيئة علماء المسلمين في العراق

نزع عروبة العراق استراتيجية أمريكية ... الياس سحّاب
نزع عروبة العراق استراتيجية أمريكية ... الياس سحّاب نزع عروبة العراق استراتيجية أمريكية ... الياس سحّاب

نزع عروبة العراق استراتيجية أمريكية ... الياس سحّاب

مرت سنوات ثلاث على الحدث الأبرز في المنطقة العربية منذ مطلع القرن الجديد، حدث اجتياح القوات الامريكية المسلحة للعراق، والسقوط المدوي لنظام صدام حسين، وهو الحدث الذي نقل المنطقة العربية من خريطة جغرافية سياسية ذات ملامح محددة، الى خريطة جغرافية سياسية جديدة، اصبح للنفوذ الامريكي فيها وجود عسكري سياسي اقتصادي مباشر في العراق، واصبح هذا الوجود الامريكي المباشر هو المركز العصبي الذي ينظم ويدير سائر مظاهر النفوذ الامريكي المباشر وغير المباشر في شتى ارجاء المنطقة، تتساوى في ذلك المظاهر المباشرة وغير المباشر لهذا الوجود، في “اسرائيل”، او تركيا، او أي بلد عربي.
 
  لكننا اذا عدنا في هذه الخريطة الجديدة، الى المركز العصبي فيها، اي الوجود المباشر لامريكا في العراق، فسنرى ان هذا الوجود قد حظي، حتى من قبل نجاحه في حسم المعركة العسكرية، وفي الايام الاولى التي تلت، وعلى مدى السنوات الثلاث التي مرت بعد ذلك، بآلاف المقالات التحليلية التي راوحت بين الترويج الاحتفالي للوجود الامريكي من جهة، وتسليط الاضواء الفاضحة لنواياه التسلطية (العلنية والمستترة) من جهة ثانية، مرورا بلون ثالث من المقالات التي حاول أصحابها التسلح بالحد الاعلى من الموضوعية (حيث يمكن ذلك) سعيا وراء النفاذ الى فهم حقيقة ما يجري وما سيجري في العراق، على المدى القصير والمتوسط والبعيد، وما يجري في المنطقة عموما، انطلاقا من هذا التحول الدراماتيكي الذي احدثه استقرار الاحتلال الامريكي المباشر في العراق، على الحدود المباشرة لكل من سوريا ودول الخليج العربي وايران وتركيا.
 
  لكن بعد مرور سنوات ثلاث على هذا الحدث الجلل، يبدو أنه ليس افصح في التعبير عن حقيقة النوايا الامريكية (لا المعلنة) في خطة غزو العراق، من قراءة ميدانية بالعين المجردة لما يجري يومياً هناك، ثم محاولة وضع اليد (من خلال هذه الاحداث اليومية المتواصلة منذ الف يوم ونيف) على تحول الخط البياني العام، من نقطة البداية في عملية الغزو الامريكي، الى النطقة الحالية التي وصل العراق اليها، وهو خاضع تماما لسلطة الاحتلال الامريكية.
 
  ليس عدم وجود الدمار الشامل في العراق هو الخديعة الكبرى التي كشفت عنها احداث هذه السنوات الثلاث، كما ليست العلاقة المزعومة بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة هي الخديعة الكبرى التي كشفتها الاحداث.
 
  صحيح ان تطور الاحداث قد كشف لنا خلال هذه السنوات الثلاث كثيرا من الخدع الكبيرة (بينها حتما الخديعتان المشار اليهما)، لكن الخديعة الكبرى التي وقع بها الجميع، والتي اصبحت الآن مكشوفة ومفضوحة بالكامل تحت اشعة شمس العراق، وعلى ارضه التي لم تتخضب يوما بالدماء كما تفعل اليوم، هو النقد الذي كانت توجهه المعارضة الامريكية (وقوى سياسية أخرى خارج الحدود الامريكية، في اوروبا بالذات) اضافة الى بعض القوى الامريكية الموالية، الى ادارة بوش بأنها اقدمت على غزو العراق وهي غير مزودة بخطة للفترة التي تبدأ في اليوم التالي لنجاح الغزو العسكري.
 
  ولقد انطلى هذا التحليل، سواء كان مطلقوه يفعلون ذلك بنية سليمة (لدى البعض) أو بقصد التمويه المتعمد (لدى البعض الآخر)، انطلى هذا التحليل على كثيرين، وقد ساعد على ذلك، المظاهر اليومية الدامية والعنيفة التي كانت توحي بأن الادارة الامريكية لغزو العراق، تتخبط فيما سمي “رمال الوضع العراقي المتحركة”.
 
  غير أن وصول العراق بعد ثلاث سنوات على نجاح واستقرار الغزو الامريكي، الى مشارف النزع الفعلي لعروبته، عبر تفكيك مجتمعه المتعدد الاصول العرقية والدينية والمذهبية، الى مكوناته الاولى، وتحويل هذا التنوع من مصدر غنى بشري وثقافي لا حدود له، كما كان الأمر منذ قرون طويلة ضاربة في أعماق التاريخ، الى مصدر لتفتيت هذه الوحدة، او السير في طريق هذا التفتيت، على اقل تقدير. إن الوصول الفعلي الى هذه النقطة، يسمح كثيرا بالاعتقاد الذي يلامس حدود الجزم والحسم، بأن الادارة الامريكية كان لديها منذ البداية هدف استراتيجي واحد، هو العنوان الكبير لخطة ما بعد نجاح الغزو، وهو نزع عروبة العراق، مقدمة لاجراء أكبر قدر ممكن من التحولات الجذرية في الجغرافيا السياسية للاقطار العربية، والمنطقة المحيطة بها، ضمانا للحد الاقصى من ضمانات حماية أمن “اسرائيل”، ليس في المديين القصير والمتوسط فحسب، بل في المدى البعيد ايضا.
 
  إن اي جهد وطني عراقي داخلي، او عربي انفرادي او ثنائي او جماعي، يتجه في هذه الايام الى محاولة المساعدة في وقف التدهور العراقي المخيف، لا يمتلك أي فرصة للنجاح والتقدم الايجابي الفعال، اذا لم ينطلق من وعي هذه النقطة بالذات، والسعي بالتالي الى وقف فعلي لعملية نزع عروبة العراق.
 
  ان اخطر ما تطور اليه هذا الهدف الاستراتيجي الاستعماري الامريكي، أن الادارة الامريكية التي كانت تنفرد مع “اسرائيل” في خدمة هذا الهدف الاستراتيجي، قد نجحت (للأسف الشديد) في جعل قوى سياسية كثيرة داخل العراق، وداخل المنطقة العربية، وحولها، تعمل بوعي او حتى بلا وعي، في صناعة الظروف الداخلية والخارجية التي تساعد على دفع هذا الهدف التدميري نحو غاياته النهائية.
 
  وذروة المأساة تكمن في ان بعض القوى العراقية والعربية والاقليمية، التي يفترض انها تقف في موقف مبدئي كامل التناقض مع هذا الهدف الامريكي الصهيوني المدمر، قد تحولت بغباء او قصور او لا وعي او قصر نظر، الى التورط في خدمة مباشرة لما يناقض مصالحها المبدئية والاستراتيجية.
 
  ليس صحيحا ان جورج بوش دخل العراق، وهو لا يملك خطة لليوم التالي لنجاح الغزو العسكري، لقد انكشفت الخطة تماما الآن، إنها “نزع عروبة العراق، وتفكيك عناصر وحدته السياسية، وتكرار ذلك في كل الاقطار العربية المحيطة ب “اسرائيل” حيثما يكون ذلك ممكنا”.

أضف تعليق