لعيد الفطر في الملأ الأعلى، عند الله وملائكته المقربين، اسم يعرف به، هو (يوم الجوائز) ، وهي جمع جائزة، والمراد بها المكافآت المقدمة من الله لعباده الصائمين والصائمات، فقد جاء في الأثر عن
سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه يرفعه إلى النبي الأكرم: "إذا كان يومُ الفطرِ وقفتِ الملائكةُ فى أفواه الطُّرقِ فنادوا: يا معشرَ المسلمين، اغْدُوا إلى ربٍّ كريمٍ، يمنُّ بالخيرِ، ويُثِيبُ عليه الجزيلَ، لقد أُمْرتُم بقيامِ الليلِ فقُمتُم، وأُمْرتُم بصيامِ النهارِ فصُمْتُم، وأَطَعْتُم ربَّكم، فاقبضوا جوائزَكم، فإذا صلوا العيدَ نادى منادٍ من السماءِ أن ارجعوا إلى منازلِكم راشدين؛ فقد غفرت لكم ذنوبكم كلها، فهو يومُ الجائزةِ، ويسمى ذلك اليومُ فى السماءِ: يومَ الجوائزِ" (1) . قال التابعي مورّق العجلي: "فينصرف أقوام من مصلى العيد وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم" ، وهو موافق لمعنى الحديث الصحيح: "من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ" (2) ، فمن غفر له ما تقدم من ذنبه أصبح بلا ذنب، وهو حينئذ كالطفل المولود في يومه في الطهارة الكاملة من الذنوب.
وهذا يصور رحمة الله الخاصة بعيد الفطر، لمن أدى فريضة صيام رمضان، خامس أركان الإسلام، أما رحمة الله العامة، في عيد الفطر وغيره، فتصورها نصوص أخرى، منها:
1- الرحمن والرحيم، اسمان من أسماء الله الحسنى، الدالة على صفة الرحمة، وقد وردت في مواطن كثيرة من القرآن.
2- عموم الرحمة الإلهية: فما من أحد إلا وهو يتقلب في رحمة الله، المسلم والكافر، البرّ والفاجر، وكافة الكائنات، قال الله –تعالى- : {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [الأعراف: 156] .
3- فتح أبواب التوبة للعصاة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر: 53] ، وفي حديث الشفاعة: "إِنَّ إِبْلِيسَ لَيَتَطَاوَلُ مِمَّا يَرَى مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، رَجَاءَ أَنْ يُشْفَعَ له" (3) .
4- بين النبي الأكرم لأمته أن الله أرحم بعباده من الأم بولدها، فقال: "والذي نفسي بيده لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها" (4) .
5- إن رحمة الله تغلب وتسبق غضبه: قال النبي الأكرم: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتَابٍ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمتي تَغْلِبُ غَضَبِي" وفي روايةٍ:"غَلَبَتْ غَضَبِي" وفي روايةٍ"سَبَقَتْ غَضَبِي" متفقٌ عَلَيْهِ (5) .
وكتابة الله الرحمة على نفسه صرح الله بها في هذه الآية: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [الأنعام: 12] ، والمراد بالسبق والغلبة هنا كثرة الرحمة وشمولها كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثرا منه (6) .
تعليق الرحمة الإلهية على الرحمة الإنسانية:
انطلاقا من قوله –تعالى- : {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] ، نفهم أن الرحمة الإلهية بعيدة عن غير المحسنين، وقد علقت جملة من الأحاديث النبوية رحمة الله بعباده على رحمتهم بعضهم ببعض، منها: "مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ" ، و "لا يَرْحَمُ اللهُ من لا يرحمِ الناسَ" ، و "إِنَّمَا يَرحمُ اللهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحمَاءَ" ، و"الرَّاحِمُونَ يرحمهم الرحمن" ، و "ارحَمُوا مَن في الأرض، يرحمْكم من في السماءِ" (7) .
ويظهر من المجموعة الثانية من النصوص أنها قيدت المجموعة الأولى، فمن كان رحيما بخلق الله كان حقيقا برحمة الله له، ومن قسا قلبه عليهم فهو محروم منها: من قسا قلبه على إنسان لاختلاف الدين أو الطائفة أو العرق أو الجنس، ومن قسا قلبه على حيوان، ومن قسا قلبه على أي شيء فلا حظ له في الرحمة الإلهية.
وإذا كان القرآن قد سمى الجنة بـ (الرحمة) في قوله –تعالى- : {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [آل عمران: 107] ، و قال: { يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان: 31] فإن على من اعتدى -بقول أو فعل- على مسيحي لأنه مسيحي، أو على بوذي لبوذيته، أو على سني لتسننه، أو على شيعي لتشيعه، أو على عربي لأنه عربي، أو على كردي لأنه كردي، أو أمازيغي لأنه أمازيغي، أو لأنه ينتسب إلى قبيلة أو عائلة، أو حزب أو اتجاه أو جماعة، أو غير ذلك أن يعلم أنه من أهل النار، وحرام عليه الجنة !! ومن قال بخلاف ذلك فقد أتى بقرآن غير هذا أو بدّله –عياذا بالله- !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الطبراني 1/226 ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة 1/311 . قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2/201 : فيه جابر الجعفي ، وثقه الثوري ، وروى عنه هو شعبة ، وضعفه الناس وهو متروك.
(2) صحيح البخاري 4 / 99 .
(3) تفسير الطبري 14/ 12؛ تفسير ابن أبي حاتم 10/ 3261؛ تفسير ابن كثير 3/ 287 ؛ الدر المنثور في التفسير بالماثور 8/ 591 .
(4) أصله في الصحيحين: "الله أرْحم بعباده من هَذِه بِوَلَدِهَا" تعليقا على حادث جسد رحمة أم بولدها. ينظر: صحيح البخاري 5/2235 ؛ صحيح مسلم 4/2109 .
(5) صحيح البخاري 3/1166 ؛ صحيح مسلم 4/2107 .
(6) شرح النووي على صحيح مسلم 17/ 68 .
(7) الأحاديث منها الصحيح والحسن. ينظر: جامع الأصول 4/ 515- 517 .
آفاق رحمة الله الواسعة في عيد الفطر / الدكتور ثامر براك
