هيئة علماء المسلمين في العراق

الآثار التربوية والسلوكية للصيام / الدكتور ثامر براك
الآثار التربوية والسلوكية للصيام / الدكتور ثامر براك الآثار التربوية والسلوكية للصيام / الدكتور ثامر براك

الآثار التربوية والسلوكية للصيام / الدكتور ثامر براك

من المسلم به عند علماء المسلمين وعامتهم أن لشهر رمضان المبارك السيادة والخيرية على شهور السنة كلها، فهو سيد الشهور، وخيرها على الإطلاق، ومعلوم ما بين الزمان من تفاضل كما بين الأمكنة والأشخاص تفاضل، وشرف رمضان على العموم، وليلة القدر على الخصوص مستمد من شرف القرآن النازل فيه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] .

ومن النظر في آيات الصوم تستخلص الحقائق الآتية:

-الصيام: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات، من الصباح حتى المساء، وذلك بنية التعبد.

وقد رجح كثير من الفقهاء المعاصرين تضييق المفطرات في الأكل والشرب والجماع، أي أن الصائم يمنع مما يتنافى مع المعنى المادي للصيام، وهو الأكل والشرب والجماع، ويمنع أيضا مما يتنافى مع المعنى الأدبي له، وهو الجهل والزور وسائر المعاصي والآثام.

- الصيام مأمور به في كل الشرائع الإلهية، وفي إخبار الله –تعالى- عباده بذلك في القرآن تخفيف لكلفة هذه العبادة ومشقتها.

- للصيام مقاصد عديدة، منها:

أولا: تحقيق معنى العبودية لله رب العالمين، فإن الصوم عبادة الإخلاص، وداعي الرياء فيه ضعيف؛ لأنه عبادة ترك لا فعل، والفعل يرى، والترك لا يرى، فيصوم الشخص ولا يعلم عن صيامه أقرب الناس إليه، ففيه تهذيب للنفس ورياضة لها على الإخلاص في الأعمال كلها.. والإخلاص في العبادة هو أساس العبودية وركنها الأهم؛ فكل عبادة بلا إخلاص تخرج صاحبها عن العبودية الحقة لله –تعالى- إلى عبودية غيره، وأهل العبودية مأمورون في عبادتهم بالإخلاص لله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البيِّنة:5] {أَلَا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ} [الزُّمر:3] ؛ ولذا " قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الحديث القدسي: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " رواه مسلم.

ثانيا: تربية ملكة التقوى؛ ولهذا قال –تعالى- في آيات الصيام: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] والتقوى أن يجعل العبد بينه وبين عقوبة الله وقاية، لأن الإنسان إذا كان صائماً فرضاً أو نفلاً يكف عن الحرام والشبهة خوفا من الله –عز وجل- .

ثالثا: الصحة النفسية والبدنية، فالأطباء تحدثوا عن الصيام وأثره على البدن، وتنظيم الطعام، وأنه نوع من الحمية، وقد يوصي به بعض أهل الطب في بعض الأمراض، ولا شك أن هذه الأشياء من الفوائد التابعة، كما يقال مثل هذا عن الصلاة أو عن الحج أو عن غيرها.

أما أثر الصيام على الصحة النفسية فيظهر في جوانب عدة منها انغمار الفرد في الجماعة، والإحساس بجوع الفقراء وعطشهم وعريهم، ومشاركتهم في ذلك مدة شهر من العام، فكأنه شهر الفقر الإجباري، أو هو (معايشة) لهم.

والصوم يكسب الصائم قوة الإرادة، والصبر، ولذلك سمي شهر رمضان شهر الصبر، بل في قول الله -جل جلاله- : {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] قال بعض المفسرين: المقصود بالصبر هنا الصوم. أي: استعينوا بالصوم والصلاة، وكثير من الناس يحتاجون دائماً إلى تقوية في إرادتهم.

ومن آثار الصيام تطهير النفس من الأثرة والأنانية والحسد والغيبة والخصومة واللدد والمراء والجهل والفحش والغيبة و النميمة و قول الزور أو شهادة الزور أو غير ذلك، فهي مفطرات معنوية تقابل المفطرات المادية المتمثلة بالطعام والشراب والجماع؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ، فالله -جل جلاله- لم يشرع الصيام لحاجته إلى أن يدع الناس الطعام والشراب، وإنما شرع الصيام من أجل أن يتدربوا على ترك قول الزور والعمل به، فإذا لم تتركوا قول الزور ولم تتركوا العمل به فأي معنى للصيام؟

فالصوم يربي الصائم على ترك المحرمات كلها من الغيبة والنميمة والفحش وغيرها من الأخلاق السيئة الرديئة المدمرة للفرد والمجتمع.

قال أحمد شوقي نثرا في الصيام: "الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع... لكل فريضة حكمة وفرض الصوم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة. يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة، ويكسر الكِبر، ويعلم الصبر ويَسُنَّ خلال البِرْ حتى إذا جاع من ألِفَ الشبع، وحُرِم المترف أسباب المُتَعْ، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع" .

أضف تعليق