هيئة علماء المسلمين في العراق

اخطاؤكم ستراتتيجية كما هي تكتيكية ...صلاح عمر العلي
اخطاؤكم ستراتتيجية كما هي تكتيكية ...صلاح عمر العلي اخطاؤكم ستراتتيجية كما هي تكتيكية ...صلاح عمر العلي

اخطاؤكم ستراتتيجية كما هي تكتيكية ...صلاح عمر العلي

يمكن الحكم على مشروع او قرار سياسي او تجاري او عسكري او غيرها من المشاريع اعتمادا على النوايا او الرغبات او المقدمات بل يمكننا ذلك فقط من خلال النتائج المتحققة عن ذلك المشروع او القرار على الارض. لا فاذا كانت نتائج المشروع موضوع التقييم ناجحة وحققت الغاية المنشودة منه يمكننا عند ذاك اعتباره مشروعا او قرارا ناجحا. اما اذا كانت النتائج فاشلة فلا يمكننا والحالة هذه سوى اعتباره فاشلا. ودائما وباستمرار لا يمكن ان نحكم على نجاح او فشل مثل هذه المشاريع اعتمادا على الخطط او النوايا ابدا. وهذه البديهية لا يمكن اغفالها او التغاضي عنها في جميع الحالات التي يراد من خلالها اصدار حكم او معرفة ما اذا كان هذا القرار الستراتيجي او غيره ناجحا او فاشلا.

وفي حالة توصلنا الى حكم بفشل هذا القرار الستراتيجي او ذاك يصبح من الميسور علينا اصدار الاحكام حول الخطط والتكتيكات التي اعتمدت في سبيل تحقيق الهدف الاستراتيجي وفيما اذا كانت ناجحة او خاطئة.

ففي حديثها لصحافيين بريطانيين خلال زيارتها نهاية الاسبوع الماضي قالت رايس ، انها "تدرك ان الولايات المتحدة ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية"، لكنها قالت ايضا ان "اطاحة صدام حسين من السلطة ستظل، في نظر المؤرخين مستقبلا، قرارا استراتيجيا صحيحا".

وهنا دعونا نتفحص واياكم مقدار دقة ما قالته كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية من عدم دقته.

فاولا ليس هناك اي خلاف على قولها أن "الولايات المتحدة ارتكبت آلاف الاخطاء التكتيكية". وهي تعني بالاخطاء التي ارتكبت في العراق بعد غزوه واحتلاله. ولا يختلف مع هذا الاعتراف وواقعيته اي مواطن عراقي او عربي. والاختلاف الوحيد ربما في استعمال كلمة الاخطاء وهل هي اخطاء تكتيكية ام جرائم!! وهذه الاخطاء التي ارتكبت في العراق من الكثرة والوضوح لدى كل ذي عينين لا تحتاج الى دليل او برهان يثبت وجودها ويؤكد حقيقتها على الارض وهي لا زالت تمارس في كل يوم وفي مختلف مدن العراق، ويذهب ضحيتها مواطنون عراقيون اعزاء على نطاق واسع. فلا مجال هنا للنقاش او الجدل في ذلك, ولكن علينا ان ندرك بان اي خطا او خلل في التكتيك يتاتى في غالب الاحيان من وجود خلل في احدى جوانب القرار او الهدف الستراتيجي. وبناء على هذه المسلمة يمكننا القول بان الاخطاء التكتيكية ستكون معدومة او بحكم المعدومة اذا كان القرار او المشروع الستراتيجي صائبا وناجحا.

ومن هنا علينا ان نسال السيدة رايس التي دافعت عن قرار ادارتها الستراتيجي في اسقاط النظام مؤكدة على صحته وصوابيته قائلة "ان إطاحة صدام حسين من السلطة ستظل في نظر المؤرخين مستقبلا، قرارا استراتيجيا صحيحا".

ما هي مقاييس النجاح والخطا لديها في هذه الحالة؟

فاذا كان هدف اسقاط النظام من وجهة نظرها ونظر ادارتها هو هدف ستراتيجي بحد ذاته فان تحقيقه من الوجهة الامريكية كان هدفا ستراتيجيا متحققا بنجاح. اما اذا كان اسقاط النظام يراد له ان يكون وسيلة لتحقيق غايات واهداف اكبر واهم تستحق المغامرة الكبرى التي تكلفت تلك الخسائر الجسيمة في الاموال والارواح والمعدات العسكرية الاميركية والاطاحة بسمعة الدولة الاعظم وهيبتها في العالم بفعل المقاومة الشعبية العراقية الناشطة، بحيث لم يعد يخشاها او يحترمها اي انسان في هذه المعمورة كما كان الحال عليه قبل عملية الغزو والاحتلال للعراق، فانها جانبت الصواب وابتعدت عنه بمسافة تعادل المسافة الفاصلة بين هدفها الستراتيجي وما تمخض عنه من نتائج كارثية على الولايات المتحدة الامريكية قبل العراق.

ومن الثابت دون مواربة ان عملية اسقاط النظام كان يراد لها ان تكون وسيلة لتحقيق اهداف ستراتيجية هامة وخطيرة جدا في مقدمتها أحتلال العراق وفرض الهيمنة الكاملة عليه والعمل على فرض اجندات عديدة من بينها البدء بمشروع الشرق الاوسط الكبير والعمل على اسقاط عدد من الانظمة في المنطقة وفرض الاعتراف بالكيان الصهيوني دون قيد او شرط واستثمار ثروات العراق الطبيعية وفي مقدمتها الثروة البترولية ومن ثم استخدام العراق كقاعدة للانطلاق في فرض مشروعها الامبراطوري على الدول الاخرى.

ان التطورات والاحداث التي اعقبت احتلال العراق، وبعد ثلاث سنوات، اكدت فشل تلك الاهداف فشلا ذريعا بسبب بروز ظاهرة المقاومة الشعبية العراقية الباسلة وتصديها الشجاع ومقاومتها للقوات الامريكية التي اوقعت الخسائر تلو الخسائر ليس في الجيش الامريكي المحتل فقط بل في تعطيل خططها الستراتيجية وعرقلتها ايضا بحيث اصبح الهم الاكبر في الاونة الاخيرة للقوات الامريكية يتجسد بالعمل على توفير الظروف الامنية اللازمة للانسحاب من العراق مع حفظ ماء الوجه امام شعبها وامام شعوب العالم الاخرى.

المقاومة العراقية البطلة، نجحت بامتياز في اجبار امريكا وحلفائها بالحديث علنا عن الهروب الذي يحفظ ماء الوجه قبل ان تكون هزيمة ماحقة وحديث (بريجنسكي) الاخير ليس من باب الامنيات او الترف الفكري وانما جاء تحذيرا من وقوع زلزال مدمر قبل وقوعه!. وتأتي خطة (بريجنسكي) في الوقت الذي يكثر الحديث عن هزيمة مرة تواجهها قوات الاحتلال في العراق التي يزداد نزيفها كل يوم وهي خطة تحمل في طياتها دعوة لحفظ ماء الوجه وسرقة علنية لنصر ناجز حققته المقاومة العراقية التي اذاقت قوات الاحتلال الامريكي وحليفاتها مر الهزيمة خلال الاعوام الثلاثة الماضية من عمر الاحتلال البغيض لبلدنا العراق".

ما الذي دعى كوندليزا رايس اذن للقول بان قرار ادارتها لاسقاط النظام كان قرارا ستراتيجيا ناجحا بعد تسليمها بارتكاب آلاف الاخطاء التكتيكية في العراق وهي التي تعرف تمام المعرفة بالعلاقة الجدلية بين القرار والتطبيق، كما تعلم جيدا بان الاخطاء التكتيكية لا يمكن ان تكون سبيلا لنجاح المشروع الستراتيجي خصوصا عندما تكون الاخطاء بالحجم الذي ورد على لسانها فهي تحاول بقولها هذا ان تخدع نفسها قبل ان تخدع الاخرين الذين استقبلوا تصريحاتها بالعديد من الاستغراب والدهشة والتساؤل.

لم يعد خافيا على المراقبين وجود صراعات حادة بين اقطاب الادارة الامريكية الراهنة وخصوصا بين وزير الدفاع رامسفيلد ووزيرة الخارجية كوندليزا رايس حول طبيعة وحجم الاخطاء التي ارتكبتها قوات الاحتلال في حربها على العراق، الامر الذي دعاها لفضح تلك الاخطاء الكبيرة التي مارستها القوات الامريكية التي كانت وما زالت تحت قيادة رامسفيلد، التي تاتي بمثابة ادانة لسياسة وزير الدفاع وتحميله مسؤولية تلك الاخطاء التي راح ضحيتها ذلك الكم الكبير من جنوده ومعداته وامواله.

ولكونها تعرف تمام المعرفة بان السيد رامسفيلد متمرس على المجابهات ويملك قدرة غير عادية على الاطاحة بمن يخالفه الراي او يحاول الوقوف عائقا امام تنفيذ خططه وهو يتمترس بتفرده في التاثير على الرئيس بوش، مستذكرة ما حدث للسيد كولن باول حينما بدا بفضح الاكاذيب المفتعلة لاسباب الحرب على العراق والتي كانت في مجملها من انتاج رامسفيلد ووكلاءه من العراقيين. وكيف تمكن السيد رامسفيلد من الاطاحة به.

ولان القرار الستراتيجي في مختلف دول العالم من اختصاص وصلاحيات رئيس الدولة فقد حاولت في لفتة ذكية منها، عدم التورط في فتح نيران مدفعيتها الثقيلة ضد غريمها رامسفيلد والرئيس بوش في آن واحد، الامر الذي دعاها للدفاع عن قرار اعلان الحرب على العراق واعتباره قرارا ستراتيجيا ناجحا، رغم يقينها بان الخطا الحقيقي يكمن في اصل القرار الذي قاد للوقوع بالاف الاخطاء التي جاءت على ذكرها، كمحاولة تكتيكية منها لا نظن انها ستمر على الثعلب الماكر رامسفيلد الذي تفوق على جميع خصومه واطاح بهم الواحد اثر الاخر، والذي كان آخرهم كولن باول.

أضف تعليق