لم يكن دونالد رامسفيلد يمزح، حين قال قبل أيام إن القوات الأمريكية في العراق لن تتدخل إذا وقعت حرب أهلية، ولن تناصر طرفا على آخر، ولم يكن شاطرا عندما نعت زميلته كوندوليزا رايس بنقص في الفهم لأنها أعلنت أن آلاف الأخطاء التكتيكية ارتكبت في العراق .
لم وهنا، تحتاج مداركنا من رامسفيلد إلى توصيف للجاري في العراق، وهو يرى الحرب الأهلية هناك احتمالا ليس معنيا به، بل بجنوده الذين لا ينجيهم من حوامات الموت اليومي الجدل في واشنطن عن أخطاء تكتيكية وتصورات استراتيجية وأنظمة أمنية، وغير ذلك مما يغيب عنه أي أفق للمشروع الأمريكي في العراق، بعد ثلاث سنوات على وضع جندي أمريكي (قتل لاحقا) علم بلاده على تمثال لصدام حسين قبل إسقاطه في بغداد.
بالتوازي مع العجز المكشوف، الأمريكي والعراقي والعربي، عن إنقاذ العراق الذي ضاع، يتبدى عجز آخر عن توصيف المصيبة المتواصلة فيه، إن كانت حربا طائفية وأهلية أم فشلا سياسيا مستعرا أم مواجهة مع إرهاب وافد، أم ذلك كله وغيره، ففيما تفرّسنا في السنوات الثلاث وجوها عراقية، وفدت إلى بلادها من غير مطرح، ونجحت في انتخابات ودخلت في حكومات، وتولّت مسؤوليات، فيما كان هؤلاء يثرثرون عن وحدة العراق واستقلاله وأمن مواطنيه ودستوره وديمقراطيته وتحقق العدالة فيه، كان من تفاصيل مشهد العراق المدمى هذا القتل والتمويت والخطف والنهب والحرق والتدمير وكل صنوف الشطب، في بلد طالما استعصى على الانهيار، ولم يعرف أهلوه في تاريخهم تفشي مثل العصابات التي تستبيح البلاد، وتقتل الشيعي لأنه شيعي والسني لأنه سني.
يغالب العراقيون هذا الحال الأسود والمرعب، والمحزن أيضا، لم يعودوا قادرين على احتمال هذا الخراب الذي لا يطاق، حيث الجثث، ومنها المقطوعة الرأس (!)، تضاعف من الكآبة الحادة، ولا أطباء نفس يكفون، على ما قال مدير مصح عقلي في بغداد، وآمالهم بجرعات من الأمن والأمان مفقودة، لا سيما وأن مسؤولين وجيرانا عربا ومحتلين أمريكيين يقولون إن الحرب الأهلية بدأت، ما يعني أن الجحيم الذي هم فيه مرشح لسعير كثير. وفي هذه الغضون، يترفع أركان الاحتلال في واشنطن عن إشهار اعتراف صريح بهزيمة المشروع الأمريكي برمته في العراق، سواء في مقصده إقامة حالة ديمقراطية وسوق حر ونموذج سياسي متقدم وارتهان اقتصادي بأمريكا، أو في تقديم نموذج للعرب يصبح محطة أولى في مسار إعادة صياغة للمنطقة وفق “شرق أوسط جديد”. تُرى هل كان ضروريا أن يتحطم العراق لتتحطم هذه الأوهام؟
الدار العراقية
جحيم عراقي... معن البياري
