معلوم أن القرآن الكريم نزل في رمضان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، كما قال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين)، الدخان: 3 .
وقال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، القدر: 1، ثم نزل بعد ذلك مفرقاً على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، فقال تعالى (وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)، الإسراء: 106، وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان وهذه إشارة مهمة ينبغي التوقف عندها، لماذا في رمضان، وليس في غيره من الشهور؟؛ لأنه شهر القرآن، كما قال تعالى (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)، البقرة: 185، وهذا يعني أن لهذا الشهر الكريم ميزة خاصة في العبادات عموماً وبصورة خاصة قراءة القرآن وتدبره، هذه الميزة الزمانية التي يتضاعف فيها الأجر إن شاء الله تعالى، يجدر بالمسلم أن يتأملها ملياً، مقتدياً بخير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم في مدارسته القرآن الكريم خلال شهر رمضان.
المسلمون يقبلون على قراءة القرآن في رمضان وهذ أمر لا تخطئه عين عند الدخول لأي من المساجد، ولكن لا نرى مدارسة القرآن موزاية لهذا الإقبال، وهنا يكمن التقصير، فقراءة القرآن لمجرد التلاوة هو أمر تعبدي ومأجور المسلم على فعله إن شاء الله، إلا أن المطلوب إلى جانب ذلك تدبر القرآن وفهمه ليتحقق العمل به بعد ذلك، قال تعالى (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)، ص: 29، وقال تعالى آمراً بتدبر القرآن (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، محمد: 24، قال ابن كثير في تفسيره عن الحسن البصري (رحمه الله)"والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله وما يرى له في خلق ولا عمل" ، وإذا ما تأملنا الآية جيداً فإن المطلوب هو التدبر أي الفهم، ثم بعد ذلك يتذكر أولو الألباب، وهنا تبدأ مرحلة العمل، وهذا ما فهمه الصحابة وسلف الأمة رضي الله عنهم عندما كانوا يحفظون من القرآن عشر آيات لا يتجاوزوها حتى يفهموا معناها ويعملوا بها، ثم ينتقلون إلى الآيات الأخرى، فثمرة التدبر العمل الذي ينعكس على تصرف المسلم في جميع جوانب حياته، كما أشار إلى ذلك الحسن البصري.
إن الله تعالى ذكر عن أهل الكتاب أن منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني فقال تعالى (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ وإن هم إلا يظنون)، البقرة: 78، وقال ابن كثير: "أي لا يدرون ما فيه"، ومن عدل الله تعالى قال عن آخرين منهم (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون)، البقرة: 121، ونقل ابن كثير عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله" .
قد تسأل مسلماً لماذا لا تجعل لك قراءتين ؟، قراءة التدبر وأخرى للأجر أو البركة، ربما سيجيبك بأنه لا يعلم أو لا يستطيع أن يتعلم وهذا أمر صعب عليه، وهو صحيح بداية ولكن لماذا لا نتعلم، فأحدنا عندما يكون فقيراً أو ليس لديه مال يسعى بكل جهد للحصول عليه، فنجهد أنفسنا - وهو أمر مشروع - إلا أننا في جانب العلم وفهم القرآن نعتذر ونضع المبررات التي نحاول أن نغطي فيها على تقصيرنا اتجاه القرآن وخاصة في شهر رمضان، ومما يعين على الفهم والتدبر اقتناء احد كتب التفسير والتأمل في جو هادئ والاكتفاء مثلا بعشر آيات لكي يترسخ ذلك في الذهن، ثم يطور المسلم نفسه بعد ذلك بقراءة كتب أخرى في التفسير وعلوم القرآن.
ولعلي أُذّكر نفسي واخوتي المسلمين في هذا الشهر المبارك، بمثل واحد وهو : هب أن النور قد انطفأ وأنت تتناول الإفطار فماذا ستفعل؟ يقيناً ستسرع إلى إيقاد النور؛ لأن الظلمة لا يطيقها الإنسان، ألا تعلم أخي المسلم أن القرآن نور ومن لم يقرأه ويتدبره ويعمل به، فحاله كحال من انطفأ نور منزله، فلماذا لا تنيره كاملاً برمضان وغير رمضان في قلبك وبيتك وبين أهلك؟ قال تعالى (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً)، النساء: 174، وقال تعالى (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)، الشورى: 52، ومن اتبع هذا النور جعل الله له فرقاناً يفرّق به بين الخير والشر والحق والباطل، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم)، الانفال:29، قال ابن كثير: "فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وُفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا وسعادته يوم القيامة...."، وهذا النور فيه هدى وشفاء للمؤمنين، كما قال تعالى (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد)، فصلت:44.
فيوم القيامة توزع الأنوار على قدر العمل الصالح في الدنيا، في يوم يحتاج الانسان إلى بصيص نور ليبصر طريقه، فمن زادت حسناته زاد نوره، قال تعالى (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا)، الحديد: 12- 13، قال ابن كثير: "يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة بحسب أعمالهم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة،... وقال الضحاك: ليس لأحد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط، طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا" وذلك مصداق قوله تعالى (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير)، التحريم: 8، فما أحوجنا إلى هذا النور في الدنيا والآخرة، ولعل شرف الحال والزمان والمكان يتحقق في رمضان لتحصيل هذا النور، فشرف الحال أن المسلم صائم، وشرف الزمان شهر رمضان، وشرف المكان المسجد، فكيف إذا اجتمعت كلها لتكون السبب في نيل قبس من هذا النور وليزداد المسلم نوراً على نور، قال ابن كثير: "كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه"، أي نور الوحي ونور الفطرة، والحذر كل الحذر من الأخرى، كما قال تعالى ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور)، النور: 40، فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، وأن يعظم لنا نوراً .
تدبر ومدارسة القرآن في رمضان / عبد المنعم البزاز
