إذا لم ينجح حكمكم طيلة الفترة الماضية من إصلاح فقرة واحدة من فقرات الدستور المليئة بالعثرات والمغالطات والمتناقضات والوصفات الناسفة
وإذا لم تستطيعوا وبرغم العائدات الكبيرة للنفط من تحقيق أي إصلاح حقيقي في الحالة المزرية التي يعيشها معظم العراقيين، أمنيا ومعاشيا وخدميا، فهل ستستطيع ورقة الإصلاح الفضفاضة، التي ستجعلون منها لافتة للتغطية على مشهد الانفراط المتواتر بعقد المحاصصات اللصوصي فيما بينكم، من إصلاح ما أفسده دهر الاحتلال وأعوانه، في بلاد أصبح مصلحوها الحقيقيون مغيبين، والعابثون بها، آمرين في قصور حكمها؟
لأي عمل كان أدوات ودوافع، وأهم أدوات الإصلاح الحقيقي عندكم غائبة، ونعني بطبيعة الحال غياب المصلحين الحقيقيين، أما إذا قصدتم إصلاح ذات البين، أي إصلاح ما فسد في علاقاتكم ببعضكم، وهي بطبيعتها علاقات غير سوية لأنها بين مغتنمين وورثة مستخلفين من قبل محتل جائر لبلاد لا تستحق أن ينتسب إليها لا أن يحكمها أمثالكم، فإن الإصلاح في تلك الحالة يسير جدا لأنه سيكون عبارة عن مصالحة مصلحية بين شركاء في مشروع الخراب الذي اجتاح البلاد والعباد ولأجل غير مسمى.
الدوافع هي الأخرى مرتبطة بالأهداف المرجوة، وبما أن تلك الأهداف لا تتعدى الاستمرار بتحسين الأداء بما شرعه المحتل وما أقامه من سلطة تخلفه، فإن أمرها ذاته سيكون عنوانا لليسر الذي سيتحقق فيه إصلاح ما شاب العلاقات المصلحية القائمة من تعارضات ومصادمات، خاصة وإن الدوافع هي ذاتها عند كل الأطراف المتنازعة على حجوم عوائد حصصها من الحكم!
لأي دولة ناجحة ماكينة تقوم بآليات الدفع الذاتي لتحقيق مسلسل وظائفها العامة والخاصة، أما دور السلطة فيها فهو دور المقود الذي يحركه الحاكم لتحديد الوجهة العامة لسير عمل تلك الماكينة، وعليه فإن آليات عمل ماكينة الدولة تتمتع بالثبوت النسبي، أما السلطة وحاكمها فيتمتعان بخاصية التحول والتغير والتداول الذي يتفاعل بدوره مع خصائص الثبوت النسبية لماكينة الدولة.
أما في حالة الدولة الفاشلة فإن الأمر مقلوب أو مشوه إلى حد بعيد، حيث لا وجود لماكينة مستدامة، والمتوفر في هذه الحالة ماكينة، تقليد، تحاول أن تحل محلها وتتقمص أدوارها كافة، وغالبا ما تكون أسباب فشل عمل تلك الماكينة هو عدم أصالتها، وبالتالي تلفها السريع أمام ضغوط العوامل الداخلية والخارجية التي تصل مستوياتها إلى درجة تبديد أي أواصر مستحدثة لانبثاق دولة جديدة، وفي كل الحالات فإن الخارجي والداخلي من العوامل يستدعي الآخر، برغم من حاسمية أحدهما على الآخر.
في حالة العراق فإن الحاسمية ما زالت للعامل الخارجي في فشل الدولة واحتمالات تفصصها، حيث لم يكتف الاحتلال بإزاحة السلطة التي ادعى تهديدها لأمنه القومي وإنما دمر مقوماتها وأطاح ببنيتها التحتية، وأقام محلها سلطة تتلبس لبوس الدولة، وصمم آلياتها لتدور بحلقة مفتونة بالنوبات الصرعية التي لا بد أن تؤدي إلى وأد أي مشروع وطني قادم يستعيد الدولة المفقودة، وبالتالي أعطاها تذكرة سفر لمرة واحدة لا يعود بعدها العراق كما كان، وإنما يتحول إلى دويلات غير معلنة غارقة في صراعات جوهرها سلطوي متلحف بغطاء المكونات!
انسحاب القوات المحتلة، رغم كونه استجابة حتمية لتحدي المقاومة العراقية وبكل أشكالها لكنه لا يعني البتة تخلي الأمريكان عن لعب أدوار جديدة تستكمل وبأشكال ناعمة ما لم يتحقق بعد من مشروعهم الممرحل، وهو يعني تحديدا دخول المشهد مرحلة من الاستعداد الأمثل لتحقيق البقية الباقية وبأقل التكاليف، وبأيادي ورثتهم في حكم العراق.
الأزمة الناشبة حاليا بين متحاصصي الحكم من ورثة الاحتلال ليست الأولى، وهي ليست الأخيرة بطبيعة الحال، فقبلها كانت هناك أزمة مجلس الحكم، وأزمة الدستور، وأزمة حكومة الجعفري، وبعدها أزمة تشكيل حكومة التوافق الثانية، وبين الأزمتين كانت هناك صراعات محتدمة وتحت مسميات مختلفة بين أغلب الأطراف الأساسية المبشرة بتغانم حكم العراق كاملا أو مجزأ، بل إن حمى المغانم جعلت الصراع يدخل في ثنايا التحالف الواحد والكتلة الواحدة والحزب الواحد، والانشقاقات التي تغمر المشهد الحزبي في العراق خير دليل على ذلك!
ما يميز الأزمة الأخيرة عن سابقاتها أنها تأتي في ظل توافق شبه معلن بين أمريكا وإيران على إبقاء المالكي، وقبل ذلك أنها تأتي دون أن يكون هناك وجود عسكري أمريكي فاعل في العراق، أي أنها أول اختبار لصلابة المشهد من دون أن يكون هناك تأثير أمريكي مباشر عليه، وهذا الاختبار قد أثبت بالمطلق هشاشة الوضع برمته، لأن عدم انهياره لا يعني قطعا صلابته.
فبقاء المالكي بمنصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة طيلة فترة الست سنوات الماضية جعله يتمكن وحزبه من مفاصل السلطة الفعلية في المركز، بل جعله صاحب الحظوة الأولى في تمديد فترة حكمه إلى ما شاء الله، مليون عسكري وشرطي ورجل أمن وقوات خاصة، وأغلب مجالس المحافظات الجنوبية مربوطة بحزب الدعوة، وقائمة دولة القانون التي يتزعمها المالكي تستقطب كل المنشقين من القوائم الأخرى، حتى أصبحت قدرته عالية على احتواء مطالبات الشركاء في مجلس النواب وقبله الوزراء، وساعده التوازن الطارئ بين النفوذين الأمريكي والإيراني على تحييد رئاسة الجمهورية، وهو الآن قادر على إعادة إنتاج حكمه بواسطة أي انتخابات عامة يجدها مخرجا له من ضغوط الشركاء، خاصة بعد تمكنه من مفاصل ما يسمى بالسلطة القضائية، وبعد ترتيبه لأوراق أغلب الهياكل والمفوضيات المستقلة.
فلا عجب إذا سمعنا مطالبات من بعض أركان التحالف الوطني نفسه الذي يفترض به نصيرا للمالكي يدعو إلى تحديد ولايات الرئاسات الثلاث، كما ورد ذلك في مطالب الصدريين، الذين هم أيضا ليسوا بمعزل عن الضغوط الإيرانية المجيرة لمصلحة المالكي، وليس غريبا إذا سمعنا صوتا آخر من التحالف الوطني نفسه، وهو صوت صباح الساعدي، يؤكد فساد القضاء وعلى رأسه مدحت المحمود رئيس مجلس القضاء الأعلى، حيث اتهمه صراحة بالعمل لحساب المالكي وبعدم النزاهة والحياد..
وبرغم كل ذلك فإن المالكي مطالب بإرضاء شركائه المنزعجين من تنامي قوته على حسابهم، ليكسب مزيدا من الوقت كي يستطيع تجديد فترات حكمه ومن دون شركاء، وعليه فهو مستعد ومن خلال ورقة الإصلاح منح قبول مرشح القائمة العراقية لوزارة الدفاع ومنح وزارة الداخلية لأحد أطراف التحالف الوطني، وهو مستعد لقبول تشكيل مجلس للسياسات الاستراتيجية بقيادة علاوي وباختصاصات "شوروية"، وهو مستعد لقبول حلول وسط حول العقود النفطية لحكومة إقليم كردستان مع شركة اكسون موبيل، وكذا في مسألة احتساب مخصصات قوات حرس الإقليم على ميزانية وزارة الدفاع، والاتفاق على صيغة مرضية للطرفين تستبقي الوضع على ماهو عليه في المناطق المتنازع عليها!
حوار ما يسمى بالإصلاح قد يؤدي إلى توافق مؤقت جديد، تراهن فيه جميع الأطراف على المستقبل القريب، الذي لا يتجاوز السنتين حيث الاستحقاق الانتخابي الجديد، وحيث المتغيرات المتوقعة إقليميا والتي يحاول كل طرف فيها الاستعداد لحلب نتائجها لصالح إعادة النظر في الحصص المقررة عرفيا ودستوريا، وكل بحسب أجندته الطائفية والعرقية- البرزاني باتجاه الدولة الكردية الناطقة، وعلاوي باتجاه حكومة إنقاذ متوافقة في سياستها مع السائد إقليميا بعد حسم موضوعي سوريا والملف النووي الإيراني، والمالكي باتجاه حكومة الأغلبية الطائفية- لكنه لن يؤدي قطعا إلى استقرار ناجز في المشهد السياسي العراقي وذلك لأن الشركاء جميعا سيعدون العدة بعد انتهاء هذه الجولة إلى القادم من الجولات، والتي يراد لها أن تصل، وبأي شكل من الأشكال إلى حيث النتيجة الأمريكية الإسرائيلية المطلوبة، وهي تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات!.
ماكينة الحكم القائم في العراق مصممة للإفساد وليس الإصلاح!/ جمال محمد تقي
