قبل ثلاث سنوات شنت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً على العراق ضاربة القانون الدولي بعرض الحائط فنالت الحرب بجدارة وصف “العدوانية” استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 3314 المؤرخ في العام 1974
الذي يميز بين الحرب المشروعة والعدوان بالقول: “إن العدوان هو عبارة عن هجوم عسكري ينطلق من أراضي دولة على دولة أخرى”، ويشكل خرقاً لميثاق الأمم المتحدة إذ يؤكد أن “استخدام القوة المسلحة من طرف دولة ضد دولة أخرى يشكل حجة كافية لاعتباره عملاً عدوانياً”. وبررت الولايات المتحدة حربها على العراق بمبدأ “الدفاع عن النفس” وهو معتمد في الوثيقة الأممية في المادة 51 لكنه يستخدم عندما يتعرض عضو في الأمم المتحدة للاعتداء. في هذه الحالة يحق له أن يدافع عن نفسه لكن هذا الحق يجوز للعراق وليس للمعتدي الأمريكي.
وينص الميثاق الأممي أيضاً على جواز استخدام القوة العسكرية لكنه يشترط قراراً من مجلس الأمن الدولي استناداً إلى المادة السابعة من الميثاق التي تنص على اللجوء إلى القوة عندما تهدد إحدى الدول السلام العالمي، ونحن نعرف أن العراق لم يهدد أحدا قبل الغزو ولم يعتد على أحد أما القرار 1441 الذي تقول واشنطن إنه يجيز لها استخدام القوة فهو يشترط قراراً ثانياً من مجلس الأمن ولا يكلف الولايات المتحدة منفردة بشن هجوم عسكري والحجة الأخيرة التي استخدمتها واشنطن كانت “استباق الخطر” العراقي المزعوم وهنا الطامة الكبرى ذلك أن النظام العراقي كان ضعيفاً ومعزولاً ومقاطعاً بعد حرب الكويت وكانت أراضي العراق مقسمة وأطفاله يموتون جوعاً. ما يعني أنه آخر بلد يمكن التفكير بشن حرب وقائية ضده. إن الحرب الأمريكية عليه تستند إلى شريعة الغاب وحدها ولأنها كذلك فقد تحوّل العراق خلال السنوات الثلاث الماضية إلى غابة حقيقية بالنسبة لأهله وللمنطقة، لكن الغابة التي صنعها المحتل في بلاد الرافدين عن سابق تصور وتصميم ترتد عليه بحسب الأنباء الحرة الوافدة من بغداد والتي تشير إلى أن الجنود الأمريكيين ما عادوا قادرين على احتلال البلد وذلك للأسباب التالية:
ما عادوا متواجدين في المدن الرئيسية ما خلا المنطقة الخضراء. ما عادوا قادرين على تسيير دوريات راجلة كما كانوا يفعلون في بداية الاحتلال، والدوريات الراجلة الوحيدة التي تصورها وسائل الإعلام هي تلك التي تتم أثناء هجوم شامل بواسطة آلاف الجنود على مدينة أو منطقة متمردة. خفّض الجنود مراكزهم الثابتة بسبب القنص وهم يتجمعون عموما في قواعدهم العسكرية ينطلقون منها ويعودون إليها بسرعة فائقة. ولخشيتهم من التحرك على الأرض فهم يستخدمون الطائرات المروحية للقيام بأعمال الدورية لكن هذه الأخيرة تتعرض بدورها للإصابات وبات الطيارون يخافون التحليق على علو منخفض. وأخيراً برهن المحتل أنه غير قادر على التأثير حتى على المتعاونين معه، إذ فشل في فرض إياد علاوي في الانتخابات الأخيرة وأخفق في إيصال أحمد الجلبي إلى البرلمان، ولم يتمكن من فرض عادل عبدالمهدي في رئاسة الحكومة ثم إنه غير قادر منذ ثلاثة أشهر على فرض حكومة العراق وإن تمكن من تشكيلها فلن تكون قادرة على العمل بحرية في البلاد، لأن أفرادها مهددون بالموت إن تجولوا في الشوارع أو اندمجوا مع السكان.
يبقى القول إن تشكيل الحكومة العراقية بات يحتاج إلى التفاهم مع إيران وبات إشراك السنة في العملية السياسية يحتاج إلى تعاون مع الجامعة العربية ما يعني أن الاحتلال الأمريكي للعراق أمسى محصوراً بالأجواء والمياه الإقليمية ووسائل الإعلام حيث يمنع المحتل نقل تفاصيل ما يدور داخل “الغابة العراقية” إلى الخارج.
بعد ثلاث سنوات لم يعد بوسع واشنطن طلب النجدة من أحد ذلك أن المتدخلين في الشأن العراقي لمصلحة المحتل خابت مساعيهم شأن الأمم المتحدة التي فشلت في تشريع الاحتلال، والعملية السياسية وخابت أيضاً مبادرة الجامعة العربية في مباركة الانتخابات الأخيرة ودعوة السنة للمشاركة فيها، وبدت الجهود السورية في ضبط الحدود للتخفيف من العمليات العسكرية محدودة الأثر.
أما الحرب الأهلية التي ربما يعتقد البعض أنها تيسر للمحتل سبل الخروج من مأزقه فإنها تهدد إن اشتعلت بإحراق المنطقة برمتها بما في ذلك مصالح أمريكا ومصالح أصدقائها ونفوذهم.
يبقى أن آمال المحتل باستخدام العراق كمنصة لإحداث تغيير “ديمقراطي” في المنطقة تهاوت كقصر من الكرتون ذلك أن الغابة العراقية باتت نموذجاً سيئاً للإصلاح الأمريكي من طرف أصدقاء واشنطن الذين يعملون اليوم على الحؤول دون سقوط النظام السوري.
.. ومع ذلك لا يبدو أن الإدارة الأمريكية مهيأة للاعتراف بحجم الكارثة العراقية وبآلاف الأخطاء “التكتيكية” التي تحدثت عنها كوندي رايس مثلها مثل النخب الأمريكية التي تبدو وكأنها منومة مغناطيسياً إلى حد أن المعلق “المعجزة” توماس فريدمان كان يرفع بوجوهنا قبل أشهر قليلة فقط إصبعاً عراقية بنفسجية.
لقد حوّل الاحتلال الأمريكي بلداً عربياً عريقاً إلى “غابة حقيقية” ولم يعد هو نفسه قادراً على البقاء فيها. لو كنت معلقاً أمريكياً لخرجت عن جوقة البنتاجون ولخاطبت جورج بوش صباح كل يوم بعبارة واحدة: سيدي الرئيس جدول انسحاب قواتك من العراق اليوم قبل غد حتى نتخلص من لعنة العراق قبل فوات الأوان.
الحياة
خفة الأمريكي هي الأصل ... فيصل جلول
