هيئة علماء المسلمين في العراق

رمضان يتحدث عن العراق/ د. أحمد قاسم كسار
رمضان يتحدث عن العراق/ د. أحمد قاسم كسار رمضان يتحدث عن العراق/  د. أحمد قاسم كسار

رمضان يتحدث عن العراق/ د. أحمد قاسم كسار

لقد مللنا كلام السياسيين والإعلاميين عن العراق، تعالوا معي اليوم لنستمع إلى حديث جديد، ومن نوع فريد، إنه حديث رمضان عن العراق نريد أن نعطي الكلمة اليوم لرمضان ليحدثنا عن ذكرياته مع العراق والعراقيين، فهو يزورنا كل عام، ويقضي معنا شهراً بأيامه ولياليه، ولا شكَّ أن لديه الكثير من الذكريات والقصص والحكايات خلال مروره السنوي الكريم بهذا البلد وهذا الشعب.

طبعاً نود في البدء أن نقول -نحن العراقيين- لرمضان كلمة، ربما نقولها لأول مرة في علاقتنا الطيبة معه، نقول وبصراحة لرمضان: لقد جرّبنا صيام نهارك وقيام ليلك في كثير من البلدان، فما رأينا طعم حلاوتك إلا في بلدنا، لقد صمنا شهرك في بلاد الشام والأناضول، ورحلنا في موسمك إلى بلدان السياحة والبترول، فما شعرنا بنفحاتك إلا في أرض العراق، لا ندري ما العلاقة بينك وبين بلدنا، المهم أنك في العراق شيء مختلف، يشعر بهذا الشيء العراقيون دون غيرهم، وجرب واسأل.

عودة إلى ضيفنا رمضان المبارك والكريم والعزيز والحبيب، الكلمة لك ولن أقاطعك أبداً، فتفضل:

بسم الله الرحمن الرحيم، أشكركم على هذه الاستضافة، وهي ليست بغريبة على العراق والعراقيين، فقبل قدومي تلهج مآذن المساجد بالترحيب بي، أوما تقولون: (مرحباً مرحباً مآآآآآآآرحباً بك يا شهر رمضان مرحباً)) بمقامكم المهاوريّ البديع، وهكذا أيام توديعي فالشأن نفسه.

بالفعل زيارتي للعراق في كل عام تختلف عن باقي البلدان، فالناس رغم ما يعانوه من مصائب وما حلَّ بهم من ويلات وما يصاحبه من الحر الشديد وسوء خدمات وانقطاع كهرباء فإنهم لا يفكرون بالإفطار ولا يتعذرون بهذه الحجج لعدم الصيام أو القيام، إني أرى في كل عام أن حكم الله يمضي في العراق، فلا تعطيل لشرع الله، مهما كانت الظروف ومهما بدت الأزمات فحرمتي مصانة ومحفوظة.

عجبت من أهل العراق لا يعطشون ولا يجوعون في رمضان، فهي بلد لا تحس فيها بظمأ وأنت بين نهرين، لولا أن جفّت بفساد الناس ومساوئهم، هي بلد لا تجوع فيها وأنت بين خيرات وادي الرافدين قبل أن يفسد هذه الأرض كمياويات صبت عليها صباً، وإشعاعات منضبة سلطت عليها غصباً، هي بلد أمر عليها مرور الكرام في كل عام، فزيارتي خفيفة عليهم فما يشعر الناس بي إلا وتكبيرات العيد ترفع من مآذن المساجد.

أنا عمري الآن أكثر من ألف وأربعمائة وثلاثين سنة، في عامكم هذا 2012 سأدخل الثانية والثلاثين بعد الأربعمائة وألف، فقد فرضت بالصيام في السنة الثانية للهجرة، ومنذ دخول الإسلام إلى أرض العراق على يد صحابة نبيكم عليه الصلاة والسلام وأنا أزور هذا البلد سنوياً، ولا أريد أن أتحدث عن تاريخي الطويل في أرض الرافدين، فلقد صام فيَّ أناس بهذا البلد ما رأيت مثل صيامهم، ولقد قام ليلي أناس ما رأيت مثل قيامهم، ولقد أعلنت عن قدومي مآذن، وزينت قباب، وأوقدت سرج، وفتحت محاريب، ورصت صفوف، وعقدت مجالس، وطهّرت مساجد، الله على أهلها وناسها، كانوا من أهل البيت ومن الصحابة، كانوا من أهل الولاية والصلاح، كانوا من المجاهدين المرابطين، كانوا من العباد الزاهدين، كانوا من العلماء العاملين، وطلبة العلم النجباء المجتهدين، وعوام المسلمين، ها! ولا أنسى ولاة أمر عادلين، وحكام قسط مسلمين، رأيت ما رأيت منهم من الحرص على العبادة والاجتهاد في الطاعة والصبر على العمل، ماذا أتكلم عنهم؟ عن خشوعهم؟ عن إخلاصهم؟ عن جهادهم؟ عن بكائهم؟ عن حالهم؟ عن ماذا؟

دعْ عنكم هذا، وتعالوا معي أحدثكم عن آخر عشر سنوات في العراق، كما تعلمون فإني شهر اليمن والإيمان والأمان، وشهر السلامة والإسلام، وشهر الخير والرشد، هذه المعاني افتقدتها كثيراً، أنا أعلم أنها سنوات استثنائية من تاريخ عراقكم، ولكنها واقع، نعم؛ لقد صام الناس وقاموا ولكن لا أمن ولا أمان، ولا سلامة ولا سلام، لم أشهد الخير والرشد، وإنما شهدت البشر قد فسد، مرَّ العراقيون في هذه السنوات بجفوة، كثير منهم أمسكوا وما صاموا، وكثير منهم صلّوا وما صلّوا، لقد شهدت في هذه العشر مساجد قد هجرت وأغلقت، ومصلين قد نفروا، وصائمين قد قتلوا، وأحراراً قد اعتقلوا، ونساءً قد اغتصبوا، وعوائل قد هجروا، وأطفالاً قد يتموا، ماذا أحدثكم عن عشر نحسات ما رأيت مثلها في العراق أبداً.

قبل عشر سنوات كنت في العراق شهراً واحداً، ولكن اليوم زادوا فيَّ وأنقصوا، هذا يصوم يوماً قبلي، وذاك يفطر بعدي، وذاك يرى هلالي، وآخر لا يريد أن يراه، وثالث يريد أن يراه في الموعد الذي يراه، لقد كان أبناء بالعراق يصومون جميعاً ويفطرون جميعاً، منذ عشر سنوات وأنا في مد وجزر لأيام حرّمت صيامها وهي يوم الشك ويوم الفطر، فاختلاف العراقيين لم أذكر له شبيهاً لا باختلاف المطالع ولا باختلاف الأماكن والبلدان.

لقد كنت أزور العراق قبل عشر سنوات ولا أجد إفطاراً جهرياً إلا هنا وهناك، وكنت أهزأ من مطاعم مجازة خلال شهري، وزاد هزؤي يوم أن رأيت المطاعم معظمها مجازة، والإفطار علناً بسبب وبغير سبب، وأن الناس لا يخافون الله في أيامي بانتهاكم الحرمات، وتجاوزهم على المحرمات، ويتتبعون فتاوى مضللة، وآراء منحرفة، لكي يشبعوا شهواتهم. 

لقد كنت أزور العراقيين والناس معظمهم مقبلون على الله بتوبات حقيقية، وكنت أشهد نسائم المغفرة ونفحات الرحمة تتنزل على الناس، واليوم أرى كثيراً ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، يصوم وجوفه مليئ بالحرام، يقوم وعقله مليئ بالوساوس، يتصدق وجيبه مليئ بالرشوة، يذهب إلى المسجد ونيته كلها رياء، يصلي في الصف الأول وهو أبعد الناس عن الله، يتصدق صدقة الفطر وقد منع الزكاة، يمسك عن الطيبات ويتعاطى المسكرات والمخدرات، يغض بصره عن المحرمات ويتابع خلاعة الأفلام وفسق المسلسلات، ينتظر أذان المغرب ولا ينتظر أذان الفجر، يهنأ الناس بالعيد ولا يهنأهم بالصيام.
لقد كنت أرى في العراق قبل عشر سنوات أفواجاً من الناس تقبل على بيوت الله، واليوم أرى أفراداً أعدهم عدّاً، لقد كانت المساجد ذات أنشطة بالمحاضرات والمسابقات والبرامج والاعتكاف والذكر وحلق العلم ودروس القرآن التي ذهبت بذهاب أهلها، وما بقي منها إلا الاسم والرسم.

لقد كانت زيارتي للعراق قبل عشر سنوات أرى الفرحة والنشوة على وجوه الأطفال العراقيين، وقد سمعت تغاريدهم، وكانوا مما يقولنه: ((ماجينة يا ماجينة حلِّ الكيس وانطينا، ولبيت مكة ودّينا))، واليوم أمر على أطفال يُتَّم بالملايين لا فرحة لهم ولا مرح، لا يتذكرون إلا مصيبتهم وهمّهم.

لقد كانت موائد الإفطار عامرة بخيرات الله تعالى، والناس لبعضها، وأطباق الطعام تتبادل بين البيوت، كان شهري موسم خير للجميع، واليوم كثير من الصائمين والصائمات يتحسرون على وجبة يشتهونها، وعلى أكلة يطلبونها، بسبب الغلاء والعوز والفقر والبطالة والحاجة وغيرها من المظاهر التي لا تجعل المرء يتمتع بخيرات الله ونعمه، ولا يستطيع أن يتلذذ بالطيبات التي أحلت له، لقد أصبح الماء البارد على الظمأ حسرة على الناس، لقد شاصت تمور العراق وخربت وهي خير ما يفطر عليها، إن لمذقة اللبن فقداً على كثير من موائد العراقيين لأنَّ الضرع قد جفَّ، ولا مطر في وقته، ولا مجرى لماء في محلّه، ولا ربيع يذكر في موسمه.

ومن مظاهر الخير التي فقدتها في العراق في عشرهم هذه أنَّ بعضاً منهم يؤخر فطره عن أذان المغرب، ليس بإرادته، وإنما بسبب انقطاع الطرق، وكثرة الحواجز، ونقاط التفتيش، فلا يصل الصائم إلى بيته إلى والليل قد دخل، ولا تزال الأمة بخير ما عجلوا الفطر.

إن المائدة العراقية في هذه العشر لم تكتمل فرحتها، فما من مائدة تنصب في العراق إلا وقد فقدت واحداً من أهلها، فأنى للسعادة أن تحل والبيوت العراقية تستذكر أفرادها على مائدة كل إفطار وسحور، وتدعوا لهم عند الفطر وعند الإمساك، إما بالرحمة، وإما بالفرج، وإما بالرجوع سالماً، فالمفقودون من على موائد العراقيين إما أن يكون مقتولاً، أو معتقلاً، أو مهجراً، لقد شهدت الحزن يخالط اللقيمات التي تلوكها الأمهات، ويمضغها بعسر الآباء، ولا تستيغها الأرامل والثكالى، ولا يهنأ بها الأيتام والمحرومون.
لقد أصبح العراق والعراقيون موضوع دعوات رمضانية سمعتها هنا وهناك لتفريج كربهم، وتيسير أمرهم، وتحرير بلدهم، وحقن دمائهم، ولم شملهم، ورحم شهدائهم، ومشافاة مرضاهم، ومعافاة جرحاهم، وفك أسراهم، والإفراج عن معتقليهم، وإهلاك مفسديهم، والانتقام من ظالميهم، وغيرها من الدعوات التي تحمل هموماً وآهات ومشاكل في مفاصل الحياة كلها.

في ختام هذا اللقاء شكرت رمضان على هذا اللقاء الممتع، وأوصيته قائلاً: أستحلفك بالذي أمر بصيامك، واستشهدك على رمضانات العراق اليوم وقبل عشر سنوات أن تشكونا لربك، فربنا وربك الله، ولقد كنا نقول: يا رمضان لا تشكونا عند الملك الديّان، واليوم نقول: يا رمضان اشكونا عند الملك الديّان، فأنت شاهد وشهيد، أنت خير لنا من تقارير حقوق الإنسان، والمراقبين الدوليين، أنت خير من يتحدث عنّا، يا رمضان لا تغادرنا إلا بفرج قريب، يا رمضان أوصي بقية الشهور بنا خيراً، ونلتقيك على خير دوماً، ولا حرمنا الله من خيراتك في الدنيا والآخرة.

أضف تعليق