هيئة علماء المسلمين في العراق

عن الذين فضحوا انفسهم وانفض الناس من حولهم/ عوني القلمجي
عن الذين فضحوا انفسهم وانفض الناس من حولهم/ عوني القلمجي عن الذين فضحوا انفسهم وانفض الناس من حولهم/ عوني القلمجي

عن الذين فضحوا انفسهم وانفض الناس من حولهم/ عوني القلمجي

قيل للامام أحمد بن حنبل، كيف تعرف الكذابين؟، قال، بمواعيدهم. وهذا افضل دليل منطقي يبيح لنا وصف راس السلطة في العراق نوري المالكي بالكذاب اذ لم يف بأي وعد قطعه على نفسه امام الناس، فهو قد فاق عرقوب الذي تضرب به الامثال في نكثه للمواعيد. ولا يغير من هذه الحقيقة وجود بعض الناس المفتونين به والمصدقين له والمروجين لادعاءاته بالوطنية وحب العراق ووحدة اراضيه، فالسلطة لها تاثيرها والقوة لها رهبتها والاموال لها سحرها والفتاوى الدينية لها احترامها. ولو كان العراق مستقلا، والنظام ديمقراطي فعلا ، والقضاء نزيها، لكان مكان المالكي السجن، وليس البقاء في منصبه لحد الان، وربما البقاء لولاية ثالثة ورابعة، او مدى الحياة.
وما دام الحديث عن المالكي ، فمن غير الانصاف تجنب الحديث عن الاخرين، فكلهم كذبة لذات السبب، سواء كانوا اعضاء في الحكومة او البرلمان او رئاسة الجمهورية، مثلما ليس من الانصاف اغفال التهم الاخرى التي تعد جرائم جنائية كبرى، مثل قتل الناس الابرياء وسرقة المال العام، والفساد الاداري والاضرار بالاقتصاد الوطني. وهناك من الوقائع العلنية ما يكفي لادانتهم دون ادنى شك. فالصراعات التي لازالت دائرة بين متزعمي الطوائف، اظهرت بوضوح ضلوع هؤلاء في تلك الجرائم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد اعترف كل طرف من اطراف الصراع، بان لديه ما يكفي من الملفات الجرمية التي تدين الطرف الاخر، فهذا اعلن عن ملف يخص قتل الناس الابرياء، وذاك يحتفظ  بملف تصفية الخصوم بمسدسات كاتمة الصوت، وثالث تضمن ملفه السرقات وعقد الصفقات الوهمية بمئات الملايين من الدولارات، وبعضها بمليار او عدد من المليارات، ورابع اختص بمهربي النفط والغاز، الامر الذي ولد قناعة لدى عموم العراقيين، بان الجميع قتلة ومجرمون وفاسدون. والا بماذا يفسروا لنا تسترهم على هذه الملفات الاجرامية طيلة هذه السنين والاعلان عنها خلال الصراع فيما بينهم؟  اليس التستر على الجريمة تعد مشاركة فيها؟ بالمقابل، آما كان من المفترض، لو كانوا وطنيين وتهمهم مصالح العراق واهله، كما يدعون، تقديم هذه الملفات الى القضاء لينال اصحابها الجزاء العادل؟.
دعونا نوافق احباب المالكي والاخوة الاعداء في توصيفهم لحرب الملفات، بانها  مجرد حرب اعلامية وتهديدات متبادلة، كان الهدف منها اقصاء بعضهم للبعض الاخر، وبالتالي لا تصلح لان تكون دليلا او اداة جرمية، خاصة وان احد منهم لم يقدم او يعلن عن ملفاته، لا امام الناس ولا امام القضاء. حسنا، ترى ماذا عن الجرائم الاخرى التي ارتكبوها على ارض الواقع منذ استلامهم السلطة ولحد الان؟، اليس تجويع الناس وحرمانهم من ابسط مقومات الحياة الضرورية التي تديم الحياة جريمة؟، اليس اعتقال الناس عشاوائيا في السجون السرية وتعذيبهم حتى الموت جريمة؟ اليست المشاركة في العملية السياسية التي صممها المحتل لخدمة اهدافه العدوانية جريمة؟ اليس التوقيع على الدستور الذي قسم البلاد والعباد جريمة؟ اليس توقيع المعاهدات والاتفاقات الامنية التي باعت العراق لامريكا جريمة؟ ثم اليست ام الجرائم مشاركة امريكا وحلفاءها باحتلال العراق واعتبار ذلك عيدا وطنيا؟
يقول الله تعالى "مَن قتل نفسا بغير نفس او فسادا في الارض فكانما قتل الناس جميعا  ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا". وهذه الاية الكريمة تكفي هنا لتاجيل الحديث عن الجرائم الاخرى. هؤلاء الاشرار لم يكتفوا بما قتلوا، وانما مصرين على الاستمرار في هذا الطريق، وهذا ما اكدته مجريات الصراع الدائر حتى الان، اذ لم نسمع عن مفردة واحدة من بين مفردات الصراع تضمنت اية اشارة تدل، ولو من بعيد، على احياء النفس، وبالتالي احياء الناس جميعا، فلازال الانفلات الامني قائما، والاستقرار مهزوزا ، ومتطلبات الحياة الضرورية معدومة. بل على العكس من ذلك تماما، حيث جرى صياغة الشعارات بما يخدم  تحقيق الاهداف والطموحات غير المشروعة لهذا الطرف او ذاك. فنوري المالكي ركز في شعاراته على تسقيط الاخرين واقصائهم من الساحة السياسية ليحقق حلمه بان يكون الحاكم الاوحد الى اجل غير مسمى، والاستيلاء على الغنيمة كلها وترك فتاتها للاخرين، بينما سعى خصومه الى تحقيق غايات اخرى، فمسعود البرزاني وجد في هذا الصراع فرصة ثمينة لتحقيق طموحاته باقامة دولته الكردية، في حين اراد اياد علاوي وقائمته استعادة مكانته التي فقدها كرجل امريكا الاول في العراق، اما مقتدى الصدر وتياره فقد اقتصر همه على تحقيق اوهامه بان يكون الزعيم والقائد الاكثر شعبية في العراق، وليس اسامة النجيفي رئيس مجلس النواب بعيدا عن هذه الدائرة فهو اراد ان يكون الممثل الوحيد للمكون السني حسب التعبير المبتكر والذي اصبح دارجا في ظل الاحتلال. في حين اكتفى جلال الطالباني بموقع الناصح الامين وفاعل الخير لكي يختم حياته السياسية كحكيم الامة والسياسي الفريد من نوعه في تاريخ العراق الحديث.!!!
ولكن هذا ليس كل شيء، فحتى ورقة الاصلاح التي تقدم بها تحالف المالكي لم يتسرب من السبعين مادة التي تحتويها اية اشارة لمعالجة الاسباب التي ادت الى قتل الناس، وانما جرت الاشارة الى المواد التي تخدم اهدافهم غير المشروعة، وذلك من خلال  وصفها بالمواد التي لها"اسبقيات في العمل  كحسم ملف الوزارات الأمنية والتوازن في القوات المسلحة والهيئات المستقلة وأجهزة الدولة المختلفة، والى الدستور والتغيرات في قلبه ومنها حسم قضية تحديد ولاية رؤساء الجمهورية والوزراء ومجلس النواب".  وهذا يعني بان الاصلاحات التي تهم العراقيين وتنقذهم من الموت البطيء اصبحت مؤجلة الى امد غير معلوم. خاصة وان الورقة قد اكدت على اسبقية هذه المواد وربط  تطبيق بقية المواد بتطبيق المواد السابقة، والتي قد تطول حتى الانتخابات القادمة في نهاية عام 2014. ترى الا ينطبق على هذه الورقة المثل القائل" جاء يكحلها عماها"؟، بالمقابل، الا يحق لكل عراقي ان يصرخ في وجوه هؤلاء ويقول لهم ان كنتم صادقين، لماذا لم تفعلوا ذلك  طيلة هذه السنين التي ذاق فيها المواطن كل هذا الاضطهاد والالم والمعاناة والحرمان من ابسط مقومات الحياة كالكهرباء والماء ولقمة العيش وجرعة الدواء؟ ، ام ان هذه الورقة هي حيلة اخرى لامتصاص نقمة العراقيين وامتعاضهم منكم ومن صراعاتكم حول المال والسلطة؟.
لا نجازف اذا قلنا بان ماحدث قد ولد قناعة لدى عموم الناس بان هذه العملية السياسية وعتاولتها لا يرتجى منها املا ولا يرى ضوءا في نهاية نفقها، وهذا ما يفسر الرفض الشعبي العام لما حدث من صراع، كونه اختص بتامين مصالحهم وزيادة ثرواتهم على حساب مصالح الناس، لكن من المؤسف حقا حيث الرفض، لمجرد الرفض، لن يجبر هؤلاء الاشرار على تغيير سلوكهم وتوجهاتهم السيئة الذكر، وانما سيدفعهم الى استخدام  جميع وسائل الخداع والتضليل والاغراءات من اجل امتصاص حالة الرفض والاستياء هذه. لكي يضمنوا الاحتفاظ بمناصبهم، خاصة وان هذه المناصب، اصبحت في العراق "المحرر"، منجما من ذهب ودولار ويورو، ناهيك عن ان الذي يفقد منصبه قد يفقد حياته، حتى لو كان في بروج مشيدة. واغلب الظن بانهم سينجحوا في مسعاهم، من خلال القبول بتقديم التنازلات المتبادلة، والاتفاق على ترميم العملية السياسية، بل وسينصاع الجميع لرئاسة المالكي للحكومة ليس في ولايته الثانية فحسب، وانما سيقبلون بترشيحة لولاية ثالثة، فامريكا باعتبارها صاحبة القرار الاول وايران ذات النفوذ المهم في العراق، قد اتفقا على المالكي كي يكون الرجل الاقوى في العراق. وان تناط به بناء دولة مركزية وقوية في الداخل لمواجهة المقاومة العراقية وضعيفة امام الخارج لتظل اسيرة امريكا وايران، وهذا ما اكدته موافقة المالكي على اعادة مئات الضباط والقادة من الجيش العراقي الذي حله بريمر، وكذلك اعادة الكفاءات الوطنية التي مسها الضر حتى لقمة العيش وجرعة الدواء، اضافة الى الاستعانة بالخبرات الامريكية في هذا المجال.
الى هنا، لا نجادل بان ماجرى ذكره يدخل في باب التوصيف لما حدث، وفي احسن الاحوال يساهم في كشف فضائح هؤلاء وتعريتهم، بينما المطلوب الاستفادة من ذلك وتوظيفه في خدمة مشروع تحرير العراق، ومن ضمنه اسقاط العملية السياسية، وهذا يتطلب الحديث بكل صراحة ووضوح حتى اذا كانت مؤذية ، واذا كنا في السابق نغض الطرف عنها، وفق مبدا للضرورة احكام، فان السكوت عليها طول الوقت، او الاستمرار في تجاهلها، سيضر اضرارا  كبيرا بمشروع تحرير العراق. حيث الاعتماد على قناعة الناس التي تولدت برفض هؤلاء وعمليتهم السياسية ودستورهم الملغوم وانتخاباتهم المزورة وبرلمانهم الصوري، لا يكفي لاسقاط العملية السياسية اذ لم يجر تطويره الى حركة شعبية متواصلة تمهيدا الى قيام انتفاضة شعبية عامة، وصولا الى خوض معركة بغداد الكبرى وتحرير العراق بالكامل. وهذا لن يتم في ظل غياب الفعل السياسي المؤثر للقوى الوطنية وغياب وحدة فصائل المقاومة العراقية. ولكي نكون اكثر صراحة ووضوح، فانه من المعيب التلكؤ في انجاز هذه الاهداف النبيلة، التي هي الشروط الاساسية لتحقيق الانتصار. والا بماذا نفسر عجز المقاومة عن تحرير مدينة واحدة او تحرير بغداد بعد كل الانتصارات المذهلة التي حققتها، والخبرات الواسعة التي اكتسبتها، والشجاعة التي يمتلكها مقاتيلها، والارادة الحديدية التي يتمعون بها، في مقابل وجود ضعيف جدا للقوات الامريكية في المدن العراقية، وكذلك وجود "جيش عراقي" مهلل وضعيف التسليح والتدريب والخبرات، في حين تمكنت المعارضة السورية، بصرف النظر عن الخلاف حولها، كونها وطنية او مرتبطة بالخارج، وفي مدة قصيرة، من خوض معركة دمشق الكبرى ضد الجيش السوري، الذي يمتلك من القدرات العسكرية والتسليحية ما يفوق الجيش العراقي عشرات المرات.اضافة الى الدعم العسكري والميلشياوي الذي يتلقاه من ايران وحزب الله؟،  ولا يغير من هذه الحقيقة اذا ما هزمت المعارضة السورية في هذه المعركة غدا او بعد غد.
هذه الحقائق المؤلمة لم يعد بالامكان تجاهلها او الاستهانة بها، والاصرار، بالمقابل تقزيم العدو ليجري تبرير او تاجيل وحدة فصائل المقاومة، او على الاقل القيام بخطوات جادة على هذا الطريق، كتشكيل جناح سياسي لها. ولا يشفع لقادة فصائل المقاومة، بالنسبة لي كعراقي، ما يساق من تبريرات رغم اهميتها، اذ من المفترض تذليل جميع العقبات التي تحول دون تحقيق الوحدة. والا سينفض الناس من حولها، كما انفضوا من حول قادة العملية السياسية مع قياس الفارق طبعا، فالامثال تضرب ولا تقاس.

اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

عوني القلمجي

19/7/2012

أضف تعليق