هيئة علماء المسلمين في العراق

صليبيون، غزاة، صهاينة ولكن... لصوص أيضاً.. محمد قبرطاي
صليبيون، غزاة، صهاينة ولكن... لصوص أيضاً.. محمد قبرطاي صليبيون، غزاة، صهاينة ولكن... لصوص أيضاً.. محمد قبرطاي

صليبيون، غزاة، صهاينة ولكن... لصوص أيضاً.. محمد قبرطاي

هل كانت القصة، قصة بحث عن اسلحة دمار شامل في العراق؟ هل كانت انتقاما من طموحات العراق الاقليمية وسعيا لتدمير ما كان يفترض انه القوة الاقليمية الوحيدة التي سيكون بوسعها ردع التهديد الاسرائيلي، وبالتالي فرض سلام أكثر عدلا، قائم على توازن قوي حقيقي؟ هل كان غزو عام 2003 تتمة لغزو فشل في تحقيق أهدافه عام 1991 عندما تم جر العراق الى الوقوع في حفرة الكويت؟ هل كان انتقاما من جرأة القيادة العراقية على قصف اسرائيل، ولو بأسلحة تقليدية، ردا على قيامها بقصف المفاعل النووي العراقي مطلع الثمانيات؟

كل هذه الأسئلة ما تزال موضع جدال، ولكن الحقيقة التي كثيرا ما تغيب عن الانظار هي ان غزاة الصليبية الجديدة، قد يكونون شنوا الحرب على العراق لكل هذه الأسباب مجتمعة، الا انهم فعلوا ذلك كله من اجل هدف إضافي لا يقل أهمية، بل ربما يتقدم، جميع الاهداف الاخرى: نهب العراق لكي يبني كل واحد، في المكان المناسب، من أعضاء عصابة المحافظين الجدد ثروة شخصية من خلال شركات وهمية وعقود مزيفة وتعاقدات على أعمال سرعان ما اتضح انها لا تعدو كونها أعمال نصب من مستوى يصعب تخيل مدى انحطاطه وقذارته. وهو مستوى مبتذل حتى ليصعب على المرء ان يتصور كيف ان شخصيات سياسية بارزة تبلغ بها الدناءة الى ذلك الحد؟!!.

بعض الاموال المنهوبة كان عراقيا. ولكن بعضها الآخر كان من أموال دافعي الضرائب الامريكيين انفسهم. مما يجعل ملاحقتهم قضائيا واحدا من أبرز المهمات التي ستلقى على عاتق حكومات المستقبل. فقد كان هؤلاء، وهم في السلطة، لصوصا بالمعنى الحرفي للكلمة.

في اوائل حرب العراق سلمت الامم المتحدة الى سلطة (التحالف) التي تقودها امريكا 23 مليار - بليون - دولار لاعادة تعمير العراق الذي دمرته قوات (التحالف) وعلى الاخص القوات الامريكية. لكن العراق ما زال مدمراً فأين ذهبت تلك المليارات؟!!

لقد تكلم عدد من كبار الموظفين الامريكيين الذين وبختهم ضمائرهم عن قيام زملائهم بنهب وتبديد الاموال التي اقتطعت من عائدات نفط العراق ولم ينفق منها الا ما هو أقل من القليل - حتى يكاد الرقم يصل الى صفر - على الجرحى والمرضى العراقيين الذين لا يجدون العلاجات ولا الأدوية وعلى الجوعى والعطشى الذين يفتقدون الماء والغذاء وضروريات الحياة الاخرى.

انها أكبر عملية اختلاس مالية في تاريخ العصر الحديث لا بل والقديم أيضاً!!.
في البداية اودع مبلغ الـ 23 مليار دولار العائد من مبيعات النفط العراقي منذ الاحتلال في خزائن بنك - فيدرال ريزيرف Federal Reseve - في نيويورك ثم جرى نقل معظم هذه الاموال الى العراق ووزعت على المدراء الامريكيين المسؤولين عن اعادة تعمير العراق؛ لأن النظام المصرفي العراقي انهار كلياً.

وقد تحدث فرانك ويليس الذي كان سابقاً احد كبار المسؤولين الامريكيين في حكومة الاحتلال - وهو رجل شريف أنّبه ضميره على سكوته لفترة طويلة عن سوء تصرفات المدراء الامريكيين الاخرين باموال الشعب العراقي التي ائتمنوا عليها -، فقال: "وصلت الى العراق اموال طائلة. كانت هناك اكوام فوق اكوام من الدولارات. وكان بعض الامريكيين يلعبون كرة القدم برزمات من فئة المئة دولار. كان الجو جنونياً الى حد يصعب تصوره حتى في الخيال"!!.

ويعلق المحامي الامريكي ألن غريسون الذي يمارس مهنة المحاماة في ولاية فلوريدا على هذه الفضيحة فيقول: "الواقع هو ان المدراء الامريكيين في العراق قد جمدوا القانون العراقي والقانون الامريكي على السواء". ويضيف هذا المحامي الذي يدافع عن الوشاة الذين ستعاقبهم الحكومة الامريكية؛ لأنهم كشفوا فساد ذمة اللصوص الامريكيين في العراق فيقول: "عندما يحترق اي بلد يعم فيه الفساد والسلب والنهب. وهذا هو ما حصل ويحصل حتى الآن في العراق. فهؤلاء اللصوص لا همَّ لهم الا ملء جيوبهم بالدولارات. وحيث انه قد جرى تجميد القانونيين العراقي والامريكي على السواء فان اي شخص يعترض على السرقات يُقتل بدعوى انه ارهابي او حتى دون ابداء اي مبرر".

وقد عرض على التلفزيون البريطاني - القناة الرابعة - مؤخراً فيلم انتجته مؤسسة غارديان فيلمز Guardin Films عن ممارسات النصابين واللصوص الامريكيين. فمثلاً عندما قرر الامريكيون ان يسحبوا من التداول الدنانير العراقية التي كانت تحمل صورة الرئيس صدام حسين واستبدالها بعملات لا تحمل صورته، منح عطاء القيام بهذه المهمة الى شركة امريكية اسمها كستر باتلز وهي شركة امنية امريكية صغيرة اسسها شخصان يدعى احدهما سكوت كستر ويدعى الثاني مايك باتلز. وكان الاخير مرشحاً في السابق عن الحزب الجمهوري -الحزب الحاكم في امريكا حالياً - لعضوية الكونغرس.

وقد منحت هذه الشركة عقد استبدال العملة العراقية على اساس تعويضها عن التكاليف ثم اضافة 25% من قيمة التكاليف كربح لها. لكن كستر باتلز انشأت شركات اخرى وهمية كي تزودها بفواتير مزيفة تحتوي على ارقام مضخَّمة تقدمها كستر باتلز الى المسؤولين في سلطة الاحتلال فيدفعونها دون تدقيق او تحقيق.

الا ان احتيال الشركة انكشف عندما قدمت سهواً بياناً عن مصاريفها لانشاء مهبط لطائرات الهليكوبتر اذ وضع محاسب الشركة مبلغ 176.000 دولار ككلفة هذه المهمة التي تطالب بها الشركة ووضع سهواً الى جانبها مبلغ الكلفة الحقيقية وهو 96.000 دولار فقط . والفرق طبعاً هو 80.000 دولار. وفي صفقة اخرى عثرت هذه الشركة في مطار بغداد على روافع "فورك ليفت" قديمة من مخلفات شركة الطيران العراقية فدهنتها وطالبت سلطة الاحتلال بعشرة ملايين دولار على اساس انها آليات جديدة استوردتها في الاونة الاخيرة مع ان كلفتها الحقيقية كانت اقل من ثلاثة ملايين دولار. والاغرب من ذلك هو ان الحكومة الامريكية لم تتخذ اية اجراءات قانونية ضد هذه الشركة او غيرها على الرغم من انها اكتشفت اعمال النصب التي ارتكبتها!!.

مخالفات هذه الشركة ليست الا واحدة من جملة مخالفات كثيرة فمثلاً كان الامريكيون قد عثروا في خزانة بداخل القصر الجمهوري على 750 الف دولار. ولكن هذا المبلغ اختفى فجأة اذ استولى عليه اللصوص الامريكيون. وفي حادث آخر غادر موظفان امريكيان العراق قبل ان يبيِّنوا مصير مبلغ 5ر1 مليون دولار كان بعهدتهما.

ويلاحظ ان الامريكيين لم يسلموا الحكومة العراقية المؤقتة الاولى التي تشكلت لتسلم المسؤوليات المدنية الا مبلغاً قليلاً جديداً من الاموال الطائلة التي كان يفترض ان تسلمها سلطة الاحتلال. لكن بول بريمر رئيس تلك السلطة اوعز الى مرؤوسيه عندما اقترب موعد التسليم بان يصرفوا كل ما تحت أيديهم من اموال خلال الشهر الاخير. فقاموا باهدار - او سرقة - 5 مليارات دولار في شهر واحد!!.

وقد ذكر أحد موظفي سلطة الاحتلال انه كان قد تلقى امراً بان يصرف 7 ملايين دولار في غضون سبعة أيام فقام بوضع المبلغ في جيبه ولم يعترض رئيسه على ذلك اذ يحتمل انه حصل على جزء من ذلك المبلغ، وقام المحاسب روبرت ستاين باختلاس اكثر من مليوني دولار فضلاً عن قبض الرشوات. لكن ستاين ليس الا واحداً من اكثر من خمسين موظفاً امريكياً يجري التحقيق معهم بشأن الاختلاسات، ومن المرجح ان يفلتوا من العقاب مقابل دفع رشوات!!.

ويعتقد ان هناك صلات وثيقة بين مدارء اعمال الاختلاس والشركات الامريكية التي حصلت على عقود اعمار من جهة، وبين قادة المحافظين الجدد في واشنطن من جهة أخرى خاصة وان تلك الشركات كانت تفوز بالعقود بناء على توصيات من شخصيات محافظة، مقابل دفوعات يتم تحويلها اليهم بعد ان ينتهوا من أعمال النصب والنهب التي تولوا القيام بها في العراق.

وبطبيعة الحال فان بعض هذه الأموال دفعت لمحافظين بصفة أتعاب واستشارات ان لم يكونوا اعضاء مباشرين في مجالس ادارة تلك الشركات مباشرة.

وحصل السياسيون العراقيون الذين حملتهم الدبابات الامريكية الى السلطة في بغداد على حصة من اموال النهب، وذلك عندما اتيح لهم تقديم قوائم باسماء موظفين وهميين في الوزارات التي يتولون قيادتها.

ويجري التنافس حاليا على قيادة الوزرات الأمنية لسبب جلي هو انها تسمح بتسجيل اعداد لا حصر لها من الموظفين الوهميين، كما ان مشترياتها غالبا ما تكون باهظة الكلفة، بحيث يتحول نهبها الى منجم ذهب لا ينضب!!.

وكان حازم الشعلان وزير الدفاع في حكومة أياد علاوي اتهم بنهب مليار دولار من خلال صفقة أسلحة اتضح انها خردة. وبطبيعة الحال، فان التحقيقات لم تسفر عن نتيجة، ربما لأن المتورطين في الصفقة يملكون القدرة في بغداد وواشنطن على ستر العملية!!.

حتى اذا لم يكن ذلك كافيا، فقد اتهم احمد الجلبي النائب الحالي لرئيس الوزراء بجلب مطبعة لتزوير العملة العراقية وتم ضبطها في مقر اقامته، قبل ان يُزعم انه جلبها على سبيل التجربة للتأكد من "عدم امكانية تزوير الدينار العراقي الجديد"، وجرى ترتيب محاكمة صورية له لكي يخرج من الاتهام برئيا.

وقد كان من المفروض بالطبع ان تُصرف المبالغ التي اختلسها الامريكيون على مشاريع صحية وتعليمية واعمال لاعادة تعمير ما دمره العدوان الامريكي. لكن لم ينفق على تلك المشاريع مثقال ذرة.

ويموت الاطفال وغيرهم من المرضى العراقيين في المستشفيات لعدم وجود الادوية او الاجهزة الطبية اللازمة. ولكن قلوب الغزاة واللصوص القاسية لا ترق لمصائب ضحاياهم!!.

ويقول الطبيب الامريكي كينر رايتفيلد ان جميع العراقيين كانوا يتوقعون ان تستمر حالة الفوضى لمدة ثلاثة اشهر بعد بدء الاحتلال، لكنهم لم يتوقعوا ان تستمر لمدة ثلاث سنوات.

ولم يكن العراقيون يتوقعون ان بلادهم الغنية بالنفط لا يجد فيها المواطنون الكفاية من وقود السيارات ولا من اي شيء اخر بما في ذلك الغذاء والدواء. ولم ينجل حتى الان متى سيجلو الامريكيون مع الديموقراطية و"الديموقراطيين" الذين جلبوهم معهم ليشاركوا في التدمير والسلب والنهب.

الكاتب: نائب رئيس تحرير "العرب" اليومية

أضف تعليق