في الايام الاولى للغزو، سار العسكري الامريكي متوجها نحو مدينة الناصرية جنوب العراق. على مبعدة 16 كيلومترا من جنوب غرب المدينة، وقف قريبا من آثار أور، أشهر مدن العراق القديم، مدينة القبور الملكية وما تحويه من أنفس الاثار السومرية كالقيثارات وادوات منزلية مصنوعة من الفضة والذهب.
نظر الى الزقورة بجلالها وهيبتها، اقدم ما يمثل البنايات العجيبة للمعابد في العصر الشبيه بالكتابي، التي تميزت بها حضارة وادي الرافدين، شيدها الملك اور ـ نمو الذي دام حكمه 18 عاما عام 2111 ق.م. نظر الغازي حوله مهموما، مكتئبا لمرآى ما يجهله. وحين سأله احد الصحافيين المرافقين للفرقة العسكرية عن رأيه بالعراق، أجاب باصقا كلماته بغضب شديد: تبا له. بلد حقير، قاحل... لا يشبه امريكا، بلا مراكز للتسوق... تصور، لقد سرنا أياما ولم نشاهد مطعم ماكدونالد واحدا فيه، ثم أشار بيده الى الزقورة باحتقار، قائلا: منذ ايام ونحن لانرى غير هذه الخرائب!!.
أقرأ كلماته فأستعير صوت جلجامش لاواسي أنكيدو في لحظات حزنه: " لماذا اغرورقت عيناك بالدموع يا صديقي؟ ولم ملأ الأسى لبك وصرت تصعد الزفرات. وأنادي مع السياب حزنا يا عراق يا عراق، ومع الجواهري يا دجلة الخير، ومع طه باقر وعلماء آثارنا الكبار لاقول آه يا بلاد العشرة الاف موقع أثري، كيف تطأك اقدام الغزاة.
في الوقت نفسه، افهم جيدا سبب غضب الغازي واكتئابه. اذ يخشى البرابرة الحضارة ورموزها. انها شفرة الشعوب السرية في حماية نفسها. لا يفهمونها. يرون فيها خطرا يهدد كيانهم واستيطانهم. فما علاقة العسكري الامريكي بالاثار؟! وما علاقة المحتل بالحضارة والتاريخ؟! انها بالنسبة اليه شيئان. اما سلعة يحاول شراءها أو ان لم يستطع شراءها وامتلاكها فلن يفكر بشيء غير الرغبة بتدميرها ومحوها.
في العراق المحتل، حولت قوات الغزو، مدينة بابل الى معسكر أمريكي. بذلك احتل الغزاة العراق مرتين. لان بابل، أشهر اسم في العالمين القديم والحديث، عنوان حضارة وادي الرافدين، هي العراق. اسوارها وجنائنها من عجائب الدنيا السبع. حولوا شوارع أكبر مدن الدنيا القديمة الى ممشى للدبابات والمصفحات.
شارع الموكب الملكي فيها، احتله الصهاينة لينتقموا من انتصار نبوخذ نصر ( 604 ـ 562 ق.م) عليهم، وليسيطروا على ما وصفه النبي الاسرائيلي أرميا كأس ذهب بيد الرب جعل الارض سكري. بوابة الالهة عشتار حولوها الى بوابة لانطلاق اسلحة الهجوم على اهلنا. اثار القصور الملكية والبروج والجسور والمعابد اهتزت تحت فيالق الغزاة. فثار العالم وعلماء الاثار مطالبين منددين متضرعين بكل ذي ضمير حي من اجل حماية المدينة الاقدم، ونجحوا في اغلاق المعسكر.
انتقل الغزاة بعد ذلك الى مدينة سامراء، الى سر من رأي، عاصمة المعتصم الواقعة على مبعدة 125 كيلومترا شمال بغداد، ليحولوا الملوية، منارة المسجد العظيم، رائعة الفن المعماري الاسلامي، المبنية عام 847 م، الى مرصد للقناصة. ثم شرعوا ببناء سور حول المدينة هدد أساس المناطق الاثرية التي يمر بها. وغادروا الملوية منذ عام بالضبط بعد ان ضربتها القنابل، وها هم قد عادوا لاحتلالها منذ أسابيع. كما قامت قوات الاحتلال، بالتعاون مع مستخدميها، أخيرا، بغارات جوية مكثفة وقصف اربع قرى تقع بين سامراء والدور، وهو طريق يمر على طول الموقع الاثري باستثناء الكيلومترات الخمسة الاخيرة.
وقد حذر العديد من علماء الاثار من ان قصف القرى سيؤدي حتما الى زعزعزة اساس المواقع الاثرية وتخريبها.
وبعد ان نهبت مئات المواقع الاثرية المتروكة بلا حماية او حراسة بل صارت مرتعا للصوص وسارقي الاثار والمهربين وبعد ان هدمت المتاحف ونهبت القطع الاثرية النادرة وتم بيع الكثير منها بارخص الاسعار في المزادات الامريكية والاوروبية، ها هي قوات الاحتلال تحول مدينة كيش الاثرية الواقعة في الشمال الشرقي من مدينة الحلة الى معسكر للتدريب. لينطلق التحذير حتى من قبل وزارة الثقافة الافتراضية حيث منعت قوات الاحتلال الاقتراب او الدخول الى الموقع للتحقيق في مدى الاضرار التي لحقت به.
ومدينة كيش هي واحدة من اقدم المدن السامية في جنوب العراق، ومن المراكز الحضارية المهمة التي كشفت التنقيبات فيها عن بقايا عصر فجر السلالات. يتألف الموقع الاثري فيها من مجموعة من الاطلال تسمى تل الاحيمر (تصغير احمر).. يقول الاستاذ طه باقر، عالم الاثار العراقي الكبير، في كتابه مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة: الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، وهو المرجع الذي استند اليه في كل ما اورده عن الاثار، ان ما تم الكشف عنه في مدينة كيش يضيف اشياء مهمة الى معرفتنا بحضارة وادي الرافدين ولا سيما في عصــــر فجر السلالات.
ويشاهد في كيش بقايا برجين مدرجين اي زقورتين شيدتا بالطين المستوي ـ المحدب. وقد شيد كل منهما فوق مصطبة كبيرة مزينة الاوجه بالطلعات والدخلات. وان هاتين الزقورتين على قدر عظيم من الاهمية لانهما اقدم نماذج للزقورات من عصر فجر السلالات. وعثر في كيش كذلك على مجموعات من دور السكن وهي ذات اهمية خاصة. ووجدت في الشوارع او الازقة الفاصلة آثار ترسبات من فيضان او طوفان ولعلها الترسبات الطوفانية من بقايا الطوفان المذكور في اثبات الملوك السومرية وفي ملحمة جلجامش. وفيها مجموعة من القبور. ومقبرة وجد فيها اجزاء من عربات ويمكن نعتها بالقبور الملكية وهي اقدم من مقبرة اور الشهيرة وان كانت لا تضاهيها بالكنوز.
يرى المؤرخ المعروف اومستد ان اول استعمال لكلمة عراق ورد في العهد الكشي منتصف الالف الثاني قبل الميلاد.. في وثيقة تاريخية ترقى في تاريخها الى حدود القرن الثاني عشر ق.م وجاء فيها اسم اقليم على هيئة أريقا الذي صار الاصل العربي لبلاد بابل.
وان سلالة كيش الاولى هي اول سلالة حكمت من بعد الطوفان. في عصرها بدأ العصر التاريخي الصحيح حيث بدأ سكان وادي الرافدين يدونون بالكتابة المسمارية شؤون حياتهم، كما بدأت المدونات التاريخية الرسمية بالظهور وتميزت بالتطور العمراني والمدني وظهور الحياة السياسية على هيئة دول مدن.
من بين الاثار المادية المميزة الاختام الاسطوانية التي تتميز بالنقوش والمواضيع الاسطورية والاحتفالات والولائم وتجذيف القوارب وصور فسرت على انها تمثل الزواج الالهي او المقدس. وتميزت بالتعدين، وكان المعدن الشائع البرونز والفضة والذهب. واشتهر فيها فن النحت البارز ( الريليف) والمجسم، ونحت دمي الحجر الصغيرة التي كانت تستخدم على هيئة تعاويذ وقلائد.
احرز فن العمارة تقدما كبيرا خاصة في ابنية المعابد والقصور التي وجدت نماذج لا بأس بها نذكر منها القصر الفخم المكتشف في كيش ومن المرجح انه شيد في الطور الثاني من عصر فجر السلالات. وقد استطاع ملكها الاكدي سرجون الاول، حوالي ثلاثة الاف عام ق.م، من توحيد دويلات المدن السومرية وتاسيس اول امبراطورية سامية في العراق واتخذ اكد عاصمة له.
هذا باختصار شديد تاريخ مدينة كيش، وهو تاريخ لا يقل اهمية عن تاريخ معسكري بابل وأور. كما انه مماثل لبقايا مدينة سبار، التي هاجمتها قوات الاحتلال في الاسابيع الاخيرة. وتعرف آثار مدينة سبار، وهي من مدن بلاد أكد، باسم تل ابو حبه، وهي على بعد نحو 20 ميلا جنوب غربي بغداد. واشتهرت بكونها احدى مراكز عبادة الاله الشمس (شمش)، حيث معبده المسمى أي ـ ببار الذي عبدت فيه معه زوجته المسماة آي.
ان تحويل المواقع الاثرية العراقية، مهد الحضارة البشرية، ومعلما من معالم حضارتنا وتاريخنا الى معسكرات تنطلق منها آلات القتل والتدمير الموجهة ضدنا، هي عملية اغتيال منظمة ومزدوجة. فعلى المستوى الاول، انها عملية اغتيال وتصفية جسدية لاهلنا وعقولنا وهذا ما يتم يوميا الآن في العراق.
وعلى المستوي الثاني، انها عملية تهديم ومسح لذاكرتنا الحضارية والتاريخية والثقافية. انها عملية اغتيال منظمة لهويتنا الرافضة للاحتلال بكل اشكاله. انها عملية تهدف الى مسح قصصنا، تراثنا، ثقافتنا، اساطيرنا ومدننا العريقة وكل ما يذكر العالم بوجود العراق. وهي تهدف بالدرجة الاولى الى فصل الانسان وعزله عن عناصر كينونته ليفقد موقع قدميه، تسجن مخيلته، ليسهل تحويله من انسان الى سلعة باحثة عن سلعة.
القدس العربي
العراق: أمريكا تمسح الذاكرة الحضارية والتاريخية والثقافية.. هيفاء زنكنة
