هيئة علماء المسلمين في العراق

إستراتيجيّة الأمن القومي.. وإرهاب الدولة المنظم!.. د. محمد مورو
إستراتيجيّة الأمن القومي.. وإرهاب الدولة المنظم!.. د. محمد مورو إستراتيجيّة الأمن القومي.. وإرهاب الدولة المنظم!.. د. محمد مورو

إستراتيجيّة الأمن القومي.. وإرهاب الدولة المنظم!.. د. محمد مورو

ليس من قبيل الترف الفكري ولا حتى السياسي أن نهتم بالوثيقة التي أصدرها الرئيس الأمريكي جورج بوش عن إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي في السنوات القادمة؛ ذلك أن تلك الوثيقة تكشف أن محور النشاط والسياسات الأمريكية في السنوات القادمة سيكون في منطقتنا تحديداً، ومن ثم فإن تأثير هذه الوثيقة سينصب علينا شعوباً وحكومات وجماعات سياسية، في الحاضر والمستقبل على السواء. الوثيقة الجديدة هي الوثيقة الثانية التي أصدرها جورج بوش في غضون أربعة سنوات، وكانت الوثيقة الأولى قد صدرت عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وحددت ساعتها أولويات، وأهداف وسياسات أمريكا.

ولعل صدور وثيقة جديدة تحمل بعض المتغيرات عن الوثيقة الأولى - على الرغم من وجود قواسم مشتركة بين الوثيقتين - يعبر في الحقيقة عن أن الوثيقة الأولى أخفقت في تحقيق الأهداف كلياً أو جزئياً، أو لم تعد صالحة للاستمرار كقاعدة سياسية وفكرية للسياسات والممارسات الأمريكية الراهنة والمستقبلية.

الوثيقة الجديدة جاءت في (49) صفحة بعنوان "أمريكا في حالة حرب"، كل من الوثيقتين بالطبع اشتملت على أفكار المحافظين الجدد الذين يسيطرون على إدارة الرئيس بوش، ومن ثم فالأهداف الأمريكية في الوثيقتين واحدة، وهي ضرورة قيادة الولايات المتحدة للعالم، وحقها في التصرف بشكل منفرد واستخدام القوة العسكرية، والضربات الاستباقية للقضاء على أي تهديد حقيقي أو مشكوك فيه يواجه أمنها، وحق أمريكا في غزو الدول الأخرى دون الرجوع إلى الأمم المتحدة، وبكلمة واحدة فإنها تعبر عن روح الإمبراطورية الأمريكية.

والغريب أن الانتقادات التي وُجّهت للوثيقة الأولى حول حق الولايات المتحدة في استخدام القوة ضد الآخرين وغزوهم لمجرد الشك في وجود خطر محتمل، وهو نوع من إعطاء أمريكا الحق في تحديد نوايا الآخرين، أو الحكم عليهم، أي الخصم والحكم والجلاد معاً!!. هذه الانتقادات لم تفلح في تخفيف اللهجة والألفاظ المستخدمة في هذا الصدد.

الوثيقة القديمة اهتمت أكثر بالحديث عن الحرب والضربات الاستباقية والقوة الأمريكية ...الخ، والوثيقة الجديدة لم تغفل ذلك، وإن كانت اهتمت أكثر بالحديث عن نشر الديموقراطية في العالم، ومعركة الأفكار، وليس السلاح فقط في الحرب على الإرهاب، وهذا يعني أن هناك إدراكاً أمريكياً بأن الحرب على الإرهاب ليست بهذه السهولة، وأنها معركة طويلة جداً، وأنها ليست معركة عسكرية فقط، والاهتمام المبالغ فيه في الوثيقة الجديدة حول نشر الديموقراطية في العالم يعني أن هناك إحساساً أمريكياً بأن لعبة الخطر وأسلحة الدمار الشامل لم تعد قابلة للتصديق، وتعني أيضاً أن هناك إحساساً أمريكياً داخلياً وعالمياً، بأن القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان إما أنها هُزمت، وإما أنها تدفع ثمناً باهظاً من الدماء والأموال، ومن ثم فلا بد من البحث عن حجة طويلة المدى للاستمرار في الحرب وتكون تلك الحجة براقة وعاطفية بالنسبة للشعب الأمريكي في نفس الوقت.

تعترف الوثيقة الجديدة بأن الإرهاب ليس نتيجة حتمية للفقر؛ فالعديد من "الإرهابيين" تربّوا في ظروف ميسورة، وهذا صحيح ولكنه يفتقر إلى الربط بين الفقر والإحساس بأن هذا الفقر ناتج عن نهب استعماري، ومن ثم فالإحساس بالظلم والتعاطف مع حالة التردي الاقتصادي يمكن أن يؤثر على شخصيات غنية أو تربّت في ظروف ميسورة، نرى أن العامل هنا عامل ديني أو عاطفي أو ثقافي أو غيره وليس بالضرورة عامل طبقي، وهذا أمر موجود في كل حركات المقاومة.

ويظهر التأثير الصهيوني على الوثيقة واضحاً في قولها: "إن الإرهاب ليس ببساطة نتيجة للقضايا الإسرائيلية والفلسطينية؛ فالقاعدة قامت بالتخطيط لحادث 11 سبتمبر في فترة كانت مسيرة السلام نشطة، ولعل تلك الرؤية الأمريكية تكشف عن جهل مركب في الإدارة الأمريكية؛ لأن القضية الفلسطينية وما يحدث فيها مثلها مثل غيرها، وإن كانت هي الأكثر تأثيرا ليست وليدة تلك السنوات؛ فالإحساس بالظلم يتراكم لدى المسلمين منذ (150) عاماً على الأقل سواء في النهب الاستعماري أو المذابح إبان فترة الاستعمار، ثم في فترات السلام أو الحرب، ثم إن السلام الأمريكي الإسرائيلي المزعوم لم ينطلِ يوماً على الشعوب، ولم تشعر بجد فيه، والشعوب تعرف أن السلام الحقيقي يعني إنهاء الاحتلال وعودة اليهود إلى بلادهم التي جاؤوا منها، ومن ثم عودة الفلسطينيين إلى كل ديارهم، وتعويضهم عن المدة التي طُرِدوا فيها من هذه الأرض. وما دام الإحساس بالظلم، أو النهب الأمريكي الذي يؤدي إلى الفقر، أو اغتصاب الأراضي وذبح الأهالي في فلسطين والعراق ليس السبب الحقيقي من وجهة نظر الأمريكيين ـ أو هذه الوثيقة بالتحديد ـ للإرهاب، فما هو السبب إذن؟!.

تقول الوثيقة: إن السبب يرجع إلى وجود نوع من الاغتراب السياسي لدى الإرهابيين ـ وهو نوع من الكلام المطاط الذي يصلح لتفسير أي شيء وكل شيء، ويرجع إلى وجود أيديولوجية تسوّغ الإرهاب ـ وهو بالطبع يقصد اتهام الإسلام!!.

والحل طبعاً في الوصفة السحرية من وجهة النظر الأمريكية، هو الديموقراطية التي سوف تنهي الاغتراب السياسي، وتحقق نوعاً من الاعتدال الإسلامي!!
لكن الغريب والعجيب أن حديث الوثيقة عن الديموقراطية سوف يصطدم للوهلة الأولى مثلاً بعدم ترحيب أمريكا بفوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية، ودعوة الكونجرس لقطع المعونات عن الشعب الفلسطيني عقاباً له على انتخاب حماس، ويصطدم أيضاً بإعلان أمريكا نوعاً من قانون الطوارئ الدولي، فتعتقل مَن تشاء من المسلمين، وتعذبهم وتقتلهم في أكثر من مكان بالعالم، في أفغانستان، والعراق وجوانتاناموا وغيرها..، بل في داخل أمريكا نفسها بقانون الأدلة السرية، وفي البقع السوداء في أوروبا وغيرها التي ثبت استخدام أمريكا لها كسجون دائمة أو مؤقتة.

على كل حال فإن الجزء الصحيح ـ وربما الوحيد في الوثيقة ـ هو أن الإدارة الأمريكية تعترف بأن الحرب على الإرهاب ستكون طويلة، وأنها تشبه الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي السابق بحجة أن الإرهاب يستند إلى قاعدة شمولية وقمعية، ولكنها فكرية وأيديولوجية ذات بريق معين.

الإسلام اليوم

أضف تعليق