هيئة علماء المسلمين في العراق

ماذا يجري في العراق؟ / وليد الزبيدي
ماذا يجري في العراق؟ / وليد الزبيدي  ماذا يجري في العراق؟	 / وليد الزبيدي

ماذا يجري في العراق؟ / وليد الزبيدي

في كتابه (عالم مستعاد) الذي صدر عام 1957 يقول السياسي الأميركي ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، مهمة رجل الدولة يجب أن تتمثل في تحقيق التوافق بين العادل والممكن، وإذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في العراق، يجب أن نعرف الذين يحكمون فيه، ويتفق جميع الذين كتبوا عن اشتراطات بناء الدولة الحديثة، على أن أولوية المسؤول الأول في الحكم، أن تتجه إلى الآليات والوسائل التي تسهم في البناء والتطوير وتنأى بعيدا عن أدوات التحطيم والتدمير، التي غالبا ما تظهر أمام الرأي العام كالفؤوس التي تواصل ضرب مفاصل البناء لتخريبها والعبث بها، ورغم قناعتنا في وقت مبكر أنه لا يوجد في سدة الحكم الحالي في العراق من يعمل على البناء ويحرص على التنمية الحقيقية في هذا البلد، لسبب بسيط أن تأريخ الاحتلالات في العالم تثبت أنه لا يمكن أن تتلاقى مصالح الغزاة مع مصالح الشعوب التي تتعرض للغزو، وأن لا غزو إلا لأهداف محددة، لا تخرج عن فائدة الغازي أولا وثانيا وثالثا وعاشرا، وللولايات الأميركية أهدافها من الغزو الذي وضعت خططه قبل الشروع بإطلاق أول صاروخ فجر التاسع عشر من آذار ـ مارس عام 2003 بأكثر من عقد ونصف العقد من الزمان، ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي تشكلت خلايا أزمة في البيت الأبيض وفي البنتاجون ووكالة المخابرات الأميركية، وأخذت كل خلية على عاتقها وضع الخطط اللازمة لغزو العراق واحتلاله، وكان في مقدمة تلك الخطط اختيار الزعامات التي تتولى سدة الحكم في هذا البلد، لأنها ستكون الأداة التنفيذية للمحتلين، وهذه قاعدة عامة عند حصول أي مخطط لغزو بلد وليس من اختراع الأميركيين الذين لهم الباع الواسع في الاحتلالات وفي اختيار الاشخاص الذين يقفون في الواجهة ويتصدرون المجالس والمؤتمرات في الحديث عن (الحقبة الجديدة)، والعمل على تسويقها بين أبناء البلد وفي الرأي العام بصورة عامة، وحصل ذات الشيء في العراق، فكان البحث عن الذين يصلحون لهذه المهمة، ولم يجدوا صعوبة في البحث، فقد كان العشرات إن لم نقل المئات من السياسيين يترددون على سفارات الولايات المتحدة في دول العالم عارضين خدماتهم، ويذكر البعض من السياسيين أن العديد من هؤلاء يصادف وجودهم في دوائر وزارة الخارجية بواشنطن، والهدف عقد الاجتماعات وترتيب الأوراق وتقديم المقترحات لغزو العراق واحتلاله، كما أن آلاف العراقيين في الخارج قد انخرطوا في دورات تدريبية بإشراف مباشر من وكالة المخابرات الأميركية من بينهم مثقفون وأدباء وإعلاميون وعسكريون، وتشهد براغ على ذلك ولا ينكر الكثيرون مشاركتهم في تلك الدورات، بل إن المئات منهم قد وصلوا في الأيام الأولى للاحتلال في أبريل ـ نيسان إلى بغداد، ووصلت المجموعة الأولى مع الجنرال الأميركي جي جارنر الذي تم تعيينه حاكما على العراق في الأسابيع الأولى قبل استبداله ببول بريمر الذي وصل في مايو عام 2003، وكان هؤلاء جميعا يتباهون في مجالسهم وأمام الأقارب بتدريبهم من قبل المخابرات الأميركية قبل بداية الغزو.

لكن خطاب هؤلاء ومن بينهم السياسيون في تلك الأشهر قد يكون مقبولا من قبل البعض، فهم يقولون ويكتبون ويصرحون علنا وأمام الرأي العام، أنهم اضطروا للتعاون مع أميركا وكانوا على استعداد للتعاون مع الشيطان لتغيير الأوضاع في العراق، وأن قوة في العراق غير قادرة على إزاحة الحكم في هذا البلد دون الاستعانة بالدول العظمى وفي مقدمتها أميركا وبريطانيا وبعض الدول العربية، يضيفون في أحاديثم أنهم قد تسببوا بخسائر فادحة على صعيد المبادئ التي يؤمنون، لكنهم اضطروا للتعاون من الأجنبي، وهذا الخطاب تحدثت به جميع أطراف السلطة القادمة مع الاحتلال، وقد اضطروا للتضحية لكي يضعوا حدا لما يجري في البلد، والمحافظة على ثروات العراق لتذهب إلى جيوب العراقيين، ولكي ينهض البلد بالتعليم والصحة والأمن وحقوق الإنسان، وأن لا يسمع عراقي واحد برجل أمن يطرق الباب ويجرجره إلى المعتقلات والسجون، والقائمة طويلة التي تحدث بها القادمون مع الأميركيين في أسابيعهم وأشهرهم الأولى، ويتذكر ذلك العراقيون جيدا.

أضف تعليق