هيئة علماء المسلمين في العراق

ثورة لكل العراقيين / الدكتور سعد سلمان المشهداني
ثورة لكل العراقيين / الدكتور سعد سلمان المشهداني ثورة لكل العراقيين /  الدكتور سعد سلمان المشهداني

ثورة لكل العراقيين / الدكتور سعد سلمان المشهداني

تصادف هذا اليوم الذكرى الثانية والتسعين للثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين) التي تعد إحدى المفاخر الوطنية في تاريخ العراق المعاصر والتي برهنت على الروح الوطنية التي يتمتع بها الشعب العراقي ومثلت نزوعه إلى الحرية والاستقلال ضد الاحتلال البريطاني . وقد كان لثورة العشرين تاريخ مشرق يستحق التدوين للاطلاع والعبرة وقد صدرت ثلاث صحف في خلال الثورة فكانت تنطق بلسان الثوار، وتنشر أخبارهم وحركاتهم، وتعبر عن أهدافهم ومقاصدهم، واحدة في بغداد هي صحيفة (الاستقلال) واثنتان في النجف الاشرف هما صحيفتا (الفرات والاستقلال) .

والذي يهمني في هذا المقال الصورة المشرقة للثورة التي تجعلني أحرص على تحريض الذاكرة وإجراء مقارنة بين ما كان بالأمس واليوم والخلاصة التي قد ننتهي إليها منها هي كيف واجه الأجداد قوى الاستعمار وكبدوه خسائر فادحة ؟ وكيف فشل الانكليز على الرغم من دهائهم في إدامة سيطرتهم على المدن العراقية وافتعال المعارك بين الفئات العراقية المختلفة للانزلاق الى الفخ الطائفي والعشائري؟

لقد قدمت ثورة العشرين نفسها للعالم كونها ثورة جميع مكونات الشعب العراقي وهذا ما جعلها تقدم صورة رائعة لأعمال المقاومة العراقية خلال الثورة وهي المقاومة التي أدت الى ارتفاع الأصوات في البرلمان الانكليزي والصحافة البريطانية مطالبة بجلاء القوات البريطانية ما دفع الى زيادة الجهد من أجل اختراق الثورة واسقاطها من الداخل. 

إن ثورة العشرين على الرغم من عفويتها وعدم وجود قيادة موحدة لها وعلى الرغم من فارق السلاح ونوعيته بين الطرفين، كانت أول ثورة عربية في الشرق تقوم ضد الاحتلال وقواته وقد كبدت المحتلين خسائر قادتهم وغيرت نظرتهم للكيفية التي يجب أن يحكم بها العراق، وهو ما تمثل في التخفي وراء واجهة وطنية، لأن الحكم الاستعماري المباشر يستفز العراقيين ويؤلبهم ضد الغزاة، في حين تكون المتاريس الوطنية قادرة في بعض الأحيان على امتصاص النقمة وتأجيل الانفجار المحتمل .

ولعلي لا اجافي الحقيقة حينما أقول إن ثورة العشرين لم تكن ثورة طائفة معينة او مكون معين ولم تنحصر بمنطقة معينة من ارض العراق، بل كانت ثورة لكل العراقيين ولكل مناطق العراق من شماله إلى جنوبه فهي ثورة اعالي الفرات الصحراء الغربية بقيادة الشيخ نجرس الكعود والعشائر المتحالفة معه في تلك المنطقة (حديثه, عانه, القائم) ونزولا الى منطقة الفلوجة وخان ضاري، وكان قائد العمليات في منطقة خان ضاري الشيخ ضاري الذي قتل القائد البريطاني لجمن، وفي الديوانية وبالتحديد ناحية الرميثة كانت شرارة الثورة الاولى وكان قائد العمليات فيها الشيخ شعلان ابو الجون والشيخ غثيث الحرجان، وهنا نتذكر معركة العارضيات بقيادة الشيخ سوادي الحسون ومعركة ابي صخير بقيادة الشيخ مزهر الفرعون « كبير رؤساء آل فتلة » ومعركة الرستمية ( الرارنجية ) بقيادة رئيس عشيرة العوابد الشيخ مرزوك العواد .
وامتدت هذه الثورة الى الفرات الأوسط, وهذه المنطقة مركز قيادة ثورة العشرين بقيادة الشيخ عبد الواحد الحاج سكر ,محسن ابو طبيخ , نور الياسري, علوان الياسري, قاطع العوادي وشيخ الظوالم والاقرع وبقية العشائر العراقية شاركت في ثورة العشرين إلى البصرة والمنتفك ومنهم عشائر السعدون.

ولم تكن مرجعية الثورة مقتصرة على حوزة النجف الاشرف بل كان لحوزة الكاظمية حضور  لا ينكر في الثورة متمثلة بالشيخ محمد مهدي الخالصي، وفي بغداد شاركت العوائل الوطنية هي الأخرى بالثورة إذ بدأت المظاهرات تشتعل يومياً ضد الانكليز والذي كان يقود التنظيمات والمظاهرات ويحرض الناس على التظاهر في بغداد جعفر ابو التمن والسيد السويدي وال الجميل، وكان للعشائر العربية في ديالى موقف متميز لعشائر العزة وشيخها حبيب الخيزران وعشائر العبيد وعشائر تميم وعشائر الداينية  والدهلقية، وفي شمال العراق الذي قاد الثورة ضد الانكليز الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وعدد من العشائر الكردية . ولقد كان لهذه الثورة العديد من الجبهات مع القوات البريطانية منها جبهة الحلة والسماوة والكوفة والدليم وديالى وكفري وكركوك وقلعة سكر والشطرة وسوق الشيوخ ومناطق اخرى .

من هنا فأن الثورة العراقية الكبرى التي نحتفل اليوم بذكراها الثانية والتسعين تعد بحق ملحمة خالدة سجل فيها الإنسان العراقي مثلاً رائعاً لوحدة الشعب بكل أطيافه القومية والدينية والمذهبية والتركيبة الطبقية للمجتمع، فالعربي والكردي والتركماني وغيرهم والمسلم والمسيحي والصابئي والسني والشيعي كلهم في خندقٍ واحد تجمعهم (الهوية العراقية) ولا تفكير في الهويات الفرعية الاخرى .

لقد  استطاع العراقي الأعزل أن يوجه لسلاح بريطانيا العظمى أقسى إهانة تتجرعها الدولة المنتصرة في معظم معاركها وهكذا راح يهزج فلاح الرارنجية والعارضيات والشامية والمشخاب (الطوب أحسن لو مكواري)  . لقد كتب كثير من الباحثين والسياسيين والمؤرخين المذكرات عن ثورة سنة  1920العظيمة في العراق من عراقيين واجانب كان معظمهم من رجال الاستعمار البريطاني في العراق وبالتالي فان ما كتبوه عن الثورة لا يخرج عن تسجيل جزء من الصورة فما احوجنا اليوم الى الكتابة عن الصورة الكاملة لهذه الثورة العظيمة التي وحدت العراقيين جميعاً حول هوية عراقية واحدة ومصلحة عراقية واحدة ترفع شعار ( العراق أولاً) .

وربما تكون مقالتي هذه دعوة لكل المهتمين ان تنال هذه الثورة العراقية الكبرى من عناية المؤرخين ما تستحقه، لجمع الكثير مما هو مدون عنها بتناول شرائح ومقاطع منها ولم يتسن تناولها بشكل شامل ... والله من وراء القصد .

أضف تعليق