تعد المشكلة البيئية التي يعاني منها العراق منذ عام 2003 واحدة من اهم المشكلات التي خلفها الاحتلال السافر نتيجة للاعمال التخريبية التي مارستها القوات الغازية طيلة السنوات التسع الماضية، وفشل
المسؤولين في الحكومات المتعاقبة في ايجاد السبل الناجعة لمعالجة هذه المشكلة التي اصبحت تشكل خطرا حقيقيا على العراقيين يضاف الى الاخطار الاخرى وعلى رأسها التدهور الامني وتصاعد وتيرة اعمال العنف التي يذهب ضحيتها يوميا العشرات من ابناء هذا البلد بين قتيل وجريح .
واوضحت المصادر الصحفية التي تراقب الشأن العراقي ان المشكلات البيئية في العراق كثيرة ومتنوعة بينها، تلوث مياه الشرب، والتصحر، والجفاف، والتلوث الاشعاعي، وتلوث الهواء والتلوث الصناعي، وغيره، وهي مشكلات لم تنفع معها المحاولات الخجولة للحكومات التي تشكلت في ظل الاحتلال السافر او المنظمات الدولية المعنية بالمحافظة على البيئة والتي كانت وما تزال مواقفها ازاء هذه المعضلة في الكثير من الاحيان اشبه بموقف المتفرج، بالرغم من التحذيرات التي دقت ناقوس الخطر، ولا سيما تلوث مياه الشرب وعدم صلاحيتها حتى للاستخدامات المنزلية كالطهي مثلا، حيث يقتصر استخدامها في عمليات الاستحمام وغسيل الملابس وري الحدائق المنزلية، وذلك لان نسبة الفشل في الفحص البكترولوجي لنماذج مياه الشرب وصلت الى 10% سنويا في الوقت الذي تؤكد فيه منظمة الصحة العالمية على ضرورة ان تكون تلك النسبة صفرا .
واشارت المصادر الى ان تردي نوعية مياه الشرب المنتجة في العراق وازدياد تلوثها في الآونة الاخيرة جراء الاهمال وعدم الاهتمام من قبل السلطات الحكومية بهذه المشكلة الكبيرة، ساهم في تفشي الكثير من الاوبئة المختلفة والامراض كـ( الكوليرا ) التي راح ضحيتها المئات من الاطفال والنساء .
كما القت مشكلة التصحر والتعرية التي تعاني منها التربة وانحسار الاراضي الزراعية في بلاد وادي الرافدين، بظلالها على الواقع البيئي في العراق، حيث شهدت الارض وخاصة الصالحة للزراعة منها، تراجعاً ملحوظا وتدهوراً متواصلاً، خلال السنوات التسع الماضية بسبب سوء استثمارها وشحة الوسائل والتطبيقات العلمية لاحياء الاجزاء التي تعاني من التدهور، وبذلك تقلص نصيب الفرد العراقي من الأرض الصالحة للزراعة بعد ان انخفضت انتاجيتها نتيجة تلوث التربة بالمعادن الثقيلة والاشعاعات والمقذوفات الحربية التي سقطت بكميات كبيرة جدا على مساحات شاسعة من الاراضي خلال الحروب التي شهدتها البلاد منذ عام 1991، ما ادى الى فقدان احد أركان التنمية المستدامة بعد ان كانت الارض تشكل أكثر من 90% من خيرات وحاجات المجتمع العراقي اليومية .
ولفتت المصادر، الانتباه الى ان مشكلة تلوث هواء العراق نتيجة انتشار الاشعاعات اصبحت من الاخطار الحقيقية المحدقة بصحة ابناء هذا البلد وذلك لان تأثيرات تلك الملوثات على الحياة البشرية تبقى لفترات زمنية طويلة، في الوقت الذي تراجعت فيه مستويات تقديم الخدمات والمستلزمات الطبية الضرورية لمعالجة المرضى الذين يعانون من تلك الاشعاعات .. مؤكدة ان تأثير ذلك التلوث لم يقتصر على الانسان فحسب بل طال حتى الحيوانات والنباتات والاحياء البرية، ما أدى الى احداث خلل في التوازن البايولوجي، وانتاج الصناعات الغذائية.
وكان برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة قد اكد في تقاريره بان هناك حاجة لتعامل عاجل مع الأزمة البيئية في العراق والتي ساءت كثيرا نتيجة الأضرار الناجمة عن الحرب، وارتفاع معدلات التلوث كما ان أنظمة المياه والصرف الصحي تحتاج إلى إصلاح فوري، فضلا عن المخلفات الطبية والقمامة التي يجب أن تزال لتقليل خطر تفشي الأوبئة والامراض، حيث اقترح البرنامج اجراء تقييما عاجلا عن أخطار المواقع التي تعرضت للقصف باليورانيوم المنضب والاسلحة المحرمة دوليا من قبل خبراء متخصصين، والتعامل فورا مع أبرز مواقع التلوث الاشعاعي.
ومن الكوارث البيئية الاخرى التي تهدد العراق، التغيرات المناخية وآثار الحروب المتتالية حيث أصبحت العواصف الرملية زائرا أسبوعيا ثقيلا ومؤذيا يترك آثاره الصحية والبيئية على الانسان والمزروعات، لا سيما بعد ان اضحت ارض الرافدين ـ التي كانت معروفة بحاضرتها المائية والاروائية ـ تعاني من الجفاف الذي تسبب بهجرة آلاف الأسر من المزارعين إلى المدن وترك اعمالهم الزراعية، كما ادى تلوث الهواء والتربة باليورانيوم المنضب والأسلحة الكيماوية في اصابة الاف العراقيين وخاصة الأطفال بأمراض سرطان الدم المختلفة التي فشلت السلطات الصحية الحكومية في توفير العلاجات اللازمة لأولئك المرضى الذين استسلم معظمهم لقدر الموت.
واكدت المصادر ان انخفاض تدفق المياه في نهر دجلة ادى الى ازدياد التلوث في الأنهار، حيث وصلت الملوحة في هذا النهر الى مستويات عالية بلغت أربعة أمثال مستوياتها قبل أربعة عقود مضت .. عازية اسباب ذلك الى بناء سدود الري والسدود الكهرومائية، التي تقيمها الدول التي يمر بها نهري دجلة والفرات، حيث اصبح معدل تدفق المياه في نهر دجلة الان نحو (280 ) مترا مكعبا في الثانية فقط ونحو ( 220 ) مترا مكعبا في نهر الفرات بعد أن كان (500 ) متر مكعب خلال السبعينات.
واوضحت ان معدل الملوحة في مياه نهر دجلة المحملة بالمبيدات الحشرية والمعادن يبلغ الان نحو ( 350 ) جزءا في المليون عند الحدود التركية، وألف جزء بالمليون في العاصمة بغداد ووسط العراق، نتيجة انخفاض معدل تدفق المياه ونظام الري السيئ، كما يهدد انخفاض تدفق المياه، الأحياء في الاهوار عند نقطة التقاء دجلة والفرات جنوب العراق والتي تعد اكبر أراض رطبة في جنوب غرب أسيا.
وخلصت المصادر الصحفية الى القول : إذا استمر الوضع الحالي كما هم عليه اليوم، سيصبح ثلثي مناطق ارض بلاد الرافدين ـ التي كانت تتميز بواحد من أوسع أنظمة الري نطاقا في العالم ـ خلال السنوات القليلة المقبلة غير مأهولة بالسكان نتيجة الجفاف وشحة المياه في هذا البلد الذي كان في الماضي القريب يعد من اغنى بلدان المنطقة بهذه المادة الحيوية المهمة للانسان والحيوان والنبات .. مشيرة الى ان أولى موجات اللاجئين بدأت بالنزوح من المناطق الريفية إلى المدن، بسبب الجفاف وتردي الواقع الزراعي الذي اضطرهم الى مزاولة مهن أخرى .
وكالات + الهيئة نت
ح
مشكلات تلوث الماء والهواء والجفاف والتصحر..اشباح حقيقية تثير قلق العراقيين وتلاحقهم في كل مكان
