ما زالت الجرائم الوحشية والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان العراقي ولا سيما شريحة الاطفال التي خلفتها الحرب العدوانية الظالمة ـ التي قادتها الادارة الامريكية ضد العراق عام 2003 تحت
اكاذيب باطلة وذرائع وحجج زائفة ـ تشغل اهتمام الكثير من الجمعيات والمنتديات العربية والعالمية المعنية بالطفولة التي تراقب ما يجري في هذا البلد الجريح الذي يئن منذ اكثر من تسع تحت وطأة المشكلات والازمات المتواصلة في ظل الحكومات المتعاقبة التي لا هم للمسؤولين فيها سوى تحقيق مصالحهم الشخصية وملء جيبوهم من السحت الحرام على حساب معاناة الشعب العراقي المظلوم الذي يكابد شظف العيش، واصبح اكثر من ربعه يعيشون تحت خط الفقر بسبب البطالة المتفاقمة وعدم توفر فرص العمل.
ولتسليط الضوء على معاناة الاطفال في العراق فقد عقد ( نادي حديث الامة ) في السادس عشر من الشهر الجاري ندوة في العاصمة البريطانية لندن تحت عنوان ( حال الطفولة في العراق .. هل من ترياق ؟ ) تناول المشاركون فيها نتائج الاحتلال السافر وما نجم عنه من جرائم بشعة وانتهاكات صارخة لحقوق الانسان العراقي بينهم نحو خمسة ملايين طفل اصبحوا ايتاما مشردين في الشوارع بعد فقدانهم الاب او المعيل .. محملين المسؤولين في الحكومات المتعاقبة التي شكلها الاحتلال البغيض مسؤولية هذه الانتهاكات والمعاناة التي وصفوها بانها جرائم ضد الانسانية.
واوضح الدكتور ( مثنى عبدالله ) في بحثه الذي قدمه خلال الندوة، ان الطفل في العراق اصبح ضحية مركبة، لانه يعجز عن صنع واقعه ما يوقعه هذا العجز في شباك البالغين التي قد تكون خطيرة حتى من الاقربين في مجتمع كالعراق الذي فقد الكثير من مبادئ التكافل الاجتماعي وقيم الاسرة بسبب الغزو والاحتلال المقيت، كما اصبح الطفل العراقي في نظر السلطات الحكومية مهدور القيمة كونه الحلقة الاضعف وليس له صوت مؤثر في هذا المجتمع.
واشار ( عبدالله ) الى ان السلطات الرسمية في العراق تعترف بوجود خمسة ملايين طفل يتيم اي ما يعادل نسبة 16% من مجمل الشعب العراقي، ورغم ذلك فان المسؤولين في الحكومات التي نصبتها ادارة الاحتلال لا يكلفون انفسهم حتى عناء النظر في هذه المشكلة التي خلفت هذا العدد الكبير من اليتامى، او اية مشكلة اخرى تتعلق بالطفولة وكأن شريحة الاطفال ليست من شرائح المجتمع العراقي.
واكد ان حالات العوز الشديد التي يعاني منها العراقيون منذ اكثر من تسع سنوات اوجدت مناخا خصبا لتشريد الكثير من الاطفال ولجوئهم الى الشوارع لتتلقفهم العصابات المنظمة التي تعمل تحت الحماية المحلية او المافيا الدولية المتخصصة بتجارة الاطفال، واستغلالهم كأيدي عاملة مجانية او زجهم في ممارسات لاأخلاقية تقتل براءتهم وتصادر مستقبلهم الذي قد يجعلهم يستسلمون للاستغلال والعبودية والعيش في حياة واطئة ومخزية .. مشددا على انه لم يجرؤ احد على بذل جهود جدية لانقاذ اطفال العراق ـ الذين هم رجال المستقبل ـ مما يخطط لهم، بل ان العديد ممن صمموا على ركوب الصعاب في هذا الشأن وجدوا انفسهم يسبحون ضد التيار وان بعضهم لاقى حتفه ليكون عبرة للآخرين الذين قد يقدمون على مثل ذلك .
وفي انتقاده لدور المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان والطفولة على وجه التحديد قال الدكتور ( مثنى عبدالله ) ان تلك المنظمات لم تغامر ولم تتحر الامور على طبيعتها في المجتمع العراقي وفضلت ان تأخذ معلومات مرتبة من القلة القائمين على دور الايتام او مدراء المراكز التأهيلية وبعض الاطباء الذين معظمهم اما ان يخشى على سلامته الشخصية او ضالع في الحلقة الشريرة لطمس هذه الجرائم التي قد يكون مستفيدا منها .. مشيرا الى ان هناك اشخاص من طوائف اخرى لا يتورعون عن استغلال قسم من الاطفال الايتام واخضاعهم لغسيل الادمغة بهدف تحويلهم عن القيم والمبادئ الانسانية الصحيحة ومن ثم استخدامهم في عملية التجييش للانقسام الطائفي داخل المجتمع .
واستعرض الباحث عددا من المشكلات المستديمة التي ما زالت تعاني من وقعها المؤلم معظم العائلات العراقية ولا سيما تلك التي ابتليت بأطفال معاقين او يعانون من امراض خطيرة كالسرطان وغيره ـ والذين تكثر نسبتهم في المناطق الجنوبية والغربية من العراق ـ .. مشددا على ان تلك العائلات اصبحت تفضل الاستسلام لقدر موت ابنائها المحقق وذلك لعدم تمكنها من الحصول على الدواء اللازم او الخدمات الطبية عالية التكاليف التي لا تتحملها ميزانيات تلك الاسر التي تكاد تكون خاوية اصلا، في الوقت الذي تشهد فيه الشوارع والارصفة بيع الادوية والمستلزمات الطبية دون وصفات طبية رسمية وبأسعار خيالية في ظل آفة الفساد المستشرية في المؤسسات والدوائر الحكومية ولا سيما المستشفيات والمراكز الصحية التي تتسرب منها تلك الادوية.
وخلص الدكتور ( مثنى عبدالله ) في بحثه الى القول : كل ما تقدم يجري تحت نظر ومسمع المسؤولين في السلطات الحكومية في هذا البلد الغني، الذي بلغت ميزانيته المعلنة مؤخرا اعلى معدلاتها في تاريخ العراق، نتيجة لارتفاع اسعار النفط .. مؤكدا ان القبول او التغاضي عن ظاهرة الفساد واستمرار المسؤولين بممارسة نهب وسرقة اموال الشعب ولا سيما حقوق الاجيال المقبلة المتمثلة بشريحة الاطفال، يعد جريمة حقيقية يجب ان لا يفلت مرتكبوها من المحاسبة وانزال القصاص العادل بهم ليكون رادعا لضعاف النفوس والمتجبرين ومنعهم من العبث بحقوق ضعاف الاجسام والعزّل ولكي لا ينحدر المجتمع الى شريعة الغاب فلا يفيد حينئذ الترياق حتى ولو جاء متأخرا لمداواة جراح العراق.
الهيئة نت / خاص
ح
حال الطفولة في العراق بين اهمال السلطات الحكومية وعدم اهتمام الهيئات الدولية المعنية بحقوق الانسان
