مما لايختلف عليه اثنان هو مجئ الامريكان الى العراق من أجل تحقيق أهدافهم القريبة والبعيدة ، في مقدمتها النفط وتأمين أمن المتحالفين معهم. وكأسلافهم من المستعمرين اتبعوا سياسة تشويه الحقائق وتوجيه الامور باتجاه أهدافهم ومصالح
هم الخفية ، وتشويق الناس الى شئ لا يحملونه معهم ، بل تركوه في بلادهم. ألا وهو الديمقراطية.
"نحن جئنا الى العراق لنشر الديمقراطية". شعار أخفوا ومايزال يخفون تحته آلاف من الألاعيب السياسية. يبرزون في إعلامهم بأنهم على درجة عالية من الاخلاص للعراق لا يصل اليها العراقيون أنفسهم. وحينما يأتي العراقي الى السلطة تحت ظل احتلالهم ضمن العملية الديمقراطية التي يسمحون بممارسة قشور منها ويفتخرون بها ، يرفعون عصا ريغان الغليظة بوجهه.
كي لا يُسألون عن أنهار من دم العراقيين وأنابيب النفط المفتوحة من دون عداد على مصانعهم وشركاتهم ، يحركون جانبا من بساط الاستقرار العراقي والتفاهم السياسي بين كتله السياسية ومكوناته القومية والدينية ليهتز العراق بأسره وينشغل الكل بالمحافظة على أنفسهم وعدم السقوط الى الهاوية.
الذي يتهرب من دفع الضرائب لحكومته في بلاده ويدوس على ضميره تجاه خدمة وطنه ومساعدة مواطنيه كيف يكون مخلصا لشعب وبلد يحتلانه؟ ليس هناك دليل في مسيرة الحضارات الانسانية ما يثبت عكس ما نقول. والذي يدفعه الحصول على الاقامة أو الجنسية أو أية مصلحة شخصية الى الانخراط في مسلك ملئه القتل والدمار والترقب والخوف من الموت والتدريب على كيفية قتل الاطفال والنساء والشيوخ والعجائز ومداهمة بيوت المدنيين وإرعابهم وتعكير أمنهم وسلامتهم في منتصف الليل ومع الفجر لأنهم (أعداء)!! كيف يستطيع جلب الديمقراطية ، بل نشر أبسط مفاهيمها في وسطهم.
مفهوم "المشروع" يحمل غالبا في طياته تصورات وأهداف وطموحات إيجابية. وأدوات ووسائل تنفيذه تكون إيجابية كذلك. أما عكس ذلك ، سواء سمي بـ "خطة" أو "برنامج عمل" أو أية تسمية أخرى ليس إلا "المؤامرة" بعينها ، خاصة حينما تكون أدواتها ووسائل تنفيذها وتحقيق المرجو منها باطلة وفاسدة وغير مشروعة.
فصاحب الاول يقدر ويحق له الافتخار به ولا يعارضه أحد ، بل يجد مؤازرة من القريب والبعيد منه. أما صاحب الثاني فليس له نصيب من ذلك إلا إذا فرضه بالقوة والاكراه ، ويعارضه حتى المقربون منه ممن بقيت ضمائرهم حية. وعليه الاعتراف بالفشل ولَم أقلامه وأوراقه وإعلامه وديبلوماسيته وأدواته العسكرية وألاعيبه السياسية ويعود من حيث أتى.
أنا أعتقد أن الامريكان قد فشلوا في العراق سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا ، أو سموا سياستهم هناك بـ "مشروع" أو "برنامج عمل" أو "مساعدة" أو غيرها.
وسوف يعودون الى بلادهم عاجلا أم آجلا. وكلما تأخروا في الانسحاب يفقدون صداقة من يرغب في إنشائها معهم. وخير دليل على ذلك تراجع هذا الجزء من العراقيين عن إلقاء الزهور على جنودهم ، كما فعلوه في بداية الاحتلال. كما أن تجارب السنوات الثلاث الماضية لهم في العراق خير دليل على نزول مؤشرهم الى درجة لم يكن يتوقعونها يوما.
الدار العراقية
لم يبق أمام الامريكان في العراق سوى الاعتراف بالفشل - خالد فرج أحمد
