هيئة علماء المسلمين في العراق

الحالة الراهنة في بغداد ما بين معركة الاستجواب ومعركة الملفات / الدكتور مؤيد الونداوي
الحالة الراهنة في بغداد ما بين معركة الاستجواب ومعركة الملفات / الدكتور مؤيد الونداوي الحالة الراهنة في بغداد ما بين معركة الاستجواب ومعركة الملفات / الدكتور مؤيد الونداوي

الحالة الراهنة في بغداد ما بين معركة الاستجواب ومعركة الملفات / الدكتور مؤيد الونداوي

أسابيع طويلة مرت خلالها أنظار المراقبين والشارع العراقي، المثقل بهمومه واستمرت تتنقل ما بين أربيل والنجف والموصل، تتبع كل ما هو جديد محتمل قد يصدر من قبل معسكر القوى المطالبة بسحب الثقة عن رئيس الوزراء. في الوقت ذاته كانت هذه الانظار تتابع اجتماعات مجلس الوزراء الذي قرر رئيس الوزراء أن يعقدها هو الاخر في محافظات عراقية تم اختيارها بدقة وبما يمنحه فرص مضافة لمواجهة خصومه، وهكذا جاءت كل من كركوك والموصل والناصرية، لتكون ضمن الاختيارات المبكرة لتكون مكانا لاجتماعات الحكومة  ولتكون مناسبة كي يمنح نوابا من هذه المحافظات بعض مما يرضيهم ويجعلهم  يقفون الى جانبه.

في ذات الوقت خرج رئيس الجمهورية ببيانه الشهير ليقول (لعم) لموضوع سحب الثقة عن رئيس الوزراء مما اثار بدوره جدلا جديدا على الجدل الدائر اصلا في هذا الموضوع، ليس هذا وحسب بل اتجهت انظار المراقبين والعراقيين جميعا من جديد الى عواصم دول الجوار للقناعة القائمة أن هذه العواصم في حوزتها الكثير من مفاتيح اللعبة الجارية ليس في بغداد بل في عموم العراق.
زيارات عديدة نفذها مسؤولين عراقيون واخرون كثيرون من السعاة المعروف عنهم أنهم سعاة سريون ولأكثر من عاصمة في الاقليم من اجل كسب ودها وتأييدها. أحتلت طهران موضع الاهتمام مثلما هي دوما وأبدا، بينما تعرضت كل من أنقرة والرياض والدوحة لحملة جديدة من التشهير والتجريح من قبل أطراف محسوبة على المالكي وليسهموا من جديد بمزيد من التدهور في علاقات العراق العربية.

رئيس الجمهورية، مصّرٌ على انه ادى دوره الدستوري بوصفه حاميا للدستور في كل ما له من صلة بهذه الازمة، وقد اوضح ذلك خلال استقباله في مدينة السليمانية للمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر. مثل هذا التوضيح المتعدد الاوجه، يعني أن الرئيس غض النظر عن الكثير من الامور غير الدستورية التي شهدتها وتشهدها البلاد من وقت لآخر، مما ليس له بصلة بهذه الازمة، ولهذا نجده يشدد على أهمية الحوار المشترك من أجل تفكيك الأزمة وتطبيق الاتفاقات المبرمة بين جميع الاطراف، في وقت سابق في اشارة منه إلى أن على رئيس الوزراء أن يلتزم بها على الرغم من أن الاخير مقتنع أن فيها خروقا دستورية، ومع حلول ليلة الخميس الماضي سربت مجموعة اجتماع أربيل نص رسالة الـ "لعم" التي كان الطالباني قد أرسلها إليهم في وقت سابق والتي تمت صياغتها بعناية تاركة الباب مفتوحا لكل الاحتمالات.

أمام "لعم" الرئيس العراقي لم يبق أمام دعاة سحب الثقة سوى أن يحزموا أمرهم والسعي من أجل احضار رئيس مجلس الوزراء أمام البرلمان وإخضاعه للاستجواب، وهو موضوع منصوص عليه دستوريا، ومناقشته عن موضوعات أخرى، يرون أن رئيس مجلس الوزراء قد مارسها وطبقها خلافا للدستور، لينتهي الاستجواب بطرح موضوع سحب الثقة عنه، خصوصا وأن دعاة سحب الثقة يعتقدون جازمين بوجود العدد الكافي من الأصوات التي ستدعم مطلبهم، هذا إذا ما طرح الموضوع للتصويت داخل قبة البرلمان سواء بالتصويت العلني أو السري. حتى الآن من المتوقع أن يقود الاستجواب، النائبة عن تيار الاحرار مها الدوري، وقد جاء اختيارها لأسباب كثيرة ومعروفة، ولهذا باتت هذه النائبة معرضة لحملة هجمات وتشهير واسع من بعض المواقع الخبرية القريبة والمحسوبة على رئيس الوزراء وكتلته.
هذا وقد باشرت اللجنة المكلفة ببناء مفردات الاستجواب القادم بعملها ونجد أن عملها هذا سيواجه بعض المشاكل، لأن كل طرف من أطراف اجتماع أربيل يرغب في أن يتم التركيز على نقاط بعينها من دون سواها، بسبب من تعارض ذلك مع مصالحها الخاصة، وبالتالي من المتوقع أن ينحصر الاستجواب في نقاط محدودة جدا مع رغبة أن يأخذ الاستجواب المنتظر شكل توجيه سؤال وجواب فقط كي لا يسمح لرئيس الوزراء بالخروج عن هذا الاستجواب، وينشر ما لديه من ملفات تدين هذا الطرف أو ذاك من خصومه وهي كثيرة دون شك.
المراقب للشأن العراقي بوسعه ان يؤشر مبكرا طبيعة النقاط التي سيتركز عليها الاستجواب، وتأتي في المقدمة منها تلك المتصلة بقضايا النفط والتعيينات والتوازن، والتدخل بأعمال الهيئات المستقلة وابرام الاتفاقيات الدولية.

من جانبه فقد فضل رئيس الوزراء حتى الآن التمسك بمطلبه في أن يجلس جميع الشركاء في العملية السياسية على طاولة الحوار من دون شروط مسبقة، تاركا لنواب قائمته الدخول في المماحكات مع الآخرين في رفع حالة التشنجات بين الاطراف أو خفضها، وفسح المجال للمواقع الخبرية المؤيدة له للنيل من الخصوم بأساليب مختلفة، وهو بالتأكيد ليس متحمسا لأن يفسح المجال لبعثة الأمم المتحدة العاملة بالتدخل بهذا الموضوع لقناعته بمخاطر مثل هذا التدخل على مستقبل العراق، ويقف إلى جانبه رئيس المجلس الاعلى الذي بدوره حذر من زج المنظمات الدولية بهذه المشكلة الداخلية وكان على حق في ذلك.
تفجيرات الأربعاء الماضي تزامنت مع مناسبة دينية عزيزة أريد من خلالها اثارة المشاعر الطائفية من جديد، والغريب أن أكثر من مناسبة مماثلة آخرها تلك التي جرت في سامراء لم تشهد اعمالا ارهابية كهذه، على الرغم من كونها جاءت في ظل اجواء الصراع ما بين الوقفين السني والشيعي على عائدية عدد من المراقد الدينية لهذا الطرف أو ذاك في أكثر من محافظة من محافظات العراق، تفجيرات الأربعاء الماضي كانت رسالة سياسية واضحة أراد من يقف وراءها إعلام الآخرين بأن قضية سحب الثقة  من عدمها عن رئيس الوزراء ستكون مكلفة لجميع الأطراف وأن أول من يتحملها هو الشعب العراقي.

وكما هو واضح حتى الآن آن موضوع استجواب رئيس الوزراء أمام البرلمان لن يكون أمرا سهلا إن تم، وأن رئيس الوزراء بالمقابل بات يهدد مرة أخرى بما تحت يده من ملفات، تدين الكثير من خصومه، وقد تجعلهم تحت طائلة القانون، وقد ينتهي بالبعض منهم أن يكون مصيره مشابها لمصير نائب الرئيس طارق الهاشمي.

لن يقدم رئيس الوزراء جديدا خصوصا وأن الشعب العراقي والكثير من الاطراف الدولية المهتمة بالشأن العراقي تدرك تماما حقائق الأمور، وأن جميع أطراف العملية السياسية العراقية متورطون بالعديد من الجرائم التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الابرياء وبملفات فساد مالي كبير لم يشهده بلد من بلدان العالم حتى الان، وأن ما يريده الشعب أن تكشف جميع الملفات لا أن تستخدم لمصلحة طرف دون طرف أخر، أو أن يأتي توقيت كشفها لتحقيق مصالح سياسية بعينها.

إن على الشعب العراقي أن يدرك أن هذه الأزمة ستطول كثيرا، ولن تكون لها نهاية قريبة، وقد تمتد لأسابيع إن لم تكن شهورا، طالما ظل المالكي يدرك أن بوسعه أن يتجنب الحضور أمام البرلمان، مستخدما ذرائع كثيرة بات يتحدث بها انصاره منذ الآن، وإن لجأ إلى المحكمة العليا لتبرير حضوره أو عدم حضوره، عندها على الجميع أن يتوقع كم ستستغرقه هذه الأزمة؟ وعلى الجميع أن يكون جاهزا لقبول أسوأ الاحتمالات، بما في ذلك تصاعد وتيرة العنف والقتل المتبادل والاعتقالات والتي قد تمتد لتشمل رؤوس عدد ممن هم طرف في هذه الأزمة.

أضف تعليق