ان العداء بين العراق والولايات المتحدة على أشده منتصف تسعينيات القرن الماضي على خلفية دخول العراق الكويت في اغسطس عام1990، وبعد ذلك تزعم الولايات المتحدة للتحالف الدولي الذي
ضم ثلاثا وثلاثين دولة، وشنت حربها الواسعة ضد العراق مطلع عام 1991، ومن ثم قادت أميركا حرب الحصار القاسي والخطير ضد العراق، إلا أن ذلك لم يمنع العراق من تصدير أول شحنة نفط حسب برنامج النفط مقابل الغذاء، الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1996 ، ويصدر العراق بموجبه كميات من نفطه مقابل استيراد بعض الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء، وبعد الأذى الكبير الذي لحق بالشعب العراقي من جراء العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة، التي فُرضت ضد العراق، إلا أن ذلك لم يمنع أن تكون أول شحنة نفط عراقية قد حملتها باخرة عملاقة الى الشركات الاميركية في ذلك الوقت،وأذكر أن لغطا دار بين الأوساط العراقية، واستغرب البعض تصدير العراق لنفطه إلى الولايات المتحدة، رغم العداء المحتدم بين بغداد وواشنطن، وقيل الكثير حول تلك الصفقة إلا أن العارفين بالعلاقات الاقتصادية وكيفية تعامل الشركات الاميركية فسروا الأمر من زاوية تجارية بحتة، وأن النفط سلعة تباع إلى هذه الجهة أو تلك، وأن الأمر لم يتوقف على سلعة النفط العراقية وحده، فهناك سوق النفط في العالم مفتوحة أمام الجميع.
ذكرت هذه القضية للدخول في موضوع طالما أخذ حيزا كبيرا من التحليل والنقاش، لدرجة أن الإتجاه العام عند الكثيرين يذهب نحو تكريس قناعة، تقول إن الولايات المتحدة قد قررت غزو العراق بهدف السيطرة على نفطه، وقال آخرون إن هدف الغزو الاميركي هو(سرقة نفط العراق) ورغم جميع الوقائع والأحداث التي جرت في العراق، إلا أن الكثيرين ما زالوا يعتقدون بذلك وهذا بتقدرينا خطأ فاحش.
في واحد من جوانب العمل السياسي الذي يعتمد المسافات البعيدة والمشاريع المخفية،لابد من إثارة قضية هامشية، وإعطائها الأولوية في تفكير وانشغالات الرأي العام، وفي مشروع كوني مثل مشروع اميركا في المنطقة والعالم، الذي بدأ من العراق، فإن الطرق على قضية النفط يسهل مرورالكثير من الطروحات والمشاريع، وبما أن السمة الطاغية في الأحاديث والتحليلات خلال العقود الأخيرة، تذهب باتجاه صناعة قناعات عند الناس، تكرس المطامع الاميركية بنفوط المنطقة العربية، فإن رمي حجارة وسط هذا الجو للقول إن هدف اميركا من غزو العراق للاستحواذ على نفطه يلقى الكثير من المقبولية، لأن النفط سلعة عالمية، وأن الولايات المتحدة مستهلك كبير لهذه السلعة، وأن احتياط العراق يُعد الأكبر في المنطقة بعد المملكة العربية السعودية، وأن الكثير من الخبراء يتحدثون عن إنتاج اخر برميل في العالم من النفط سيكون في العراق.
ولأن الكثيرين لا يرون من السياسة الاميركية إلا التصريحات التي تصدر من هذا المسؤول أو ذاك، فإن الاعتقاد السائد وهو الخاطيء للأسف الشديد، أن الاميركيين يتحدثون بكل ما يفكرون، وأن حدود سياساتهم لا تتجاوز مصالح شركاتهم الآنية، وأن خطاب الرئيس الأميركي عن حال الامة يرسم تفاصيل السياسة الاميركية، في حين يقتصر ذلك في غالبيته على المعالجات الداخلية.
وعند مناقشة قضية فيما إذا كان هدف أميركا من غزو العراق السيطرة على نفطه، فإن الحقائق الموضوعية تقول، إنه ليس بامكان أميركا أو غيرها، سحب النفط العراقي من تحت الارض ونقله إلى داخل الولايات المتحدة، فمن الجانب الفني هذا أمر مستحيل ،والأمر لا يشبه استخراج مئات آلاف الأطنان من الذهب أو المعادن الثمينة، وأن العراق لا يمنع تصدير النفط إلى أميركا، وخير مثال على ذلك ما ذكرناه في بداية الحديث.
من هذا الفهم، نرى أن الترويج لفكرة أن هدف الولايات المتحدة من غزو العراق هو نفطه، عبارة عن محاولة خبيثة لتبسيط مشروع أكبر بأهداف أبعد، وأن أميركا لا تخجل من تهمة اهتمامها بالنفط لاستخدامه في الصناعات المتطورة والبضاعة التي يعاد تصديرها الى العالم، ومن بينها الدول العربية، لكن القلة يبحثون في الأهداف الحقيقية لمشروع غزو العراق الرامي الى تدمير العراق برمته، وتخريبه وإعادة إنتاجه اجتماعيا وتربويا وثقافيا وفق رؤية جديدة، ذات نزعة إستهلاكية، وتفكيك الكثير من الاواصر المجتمعية والحضارية والثقافية في المجتمع العراقي.
لقد خسرت الولايات المتحدة ما يقرب من أربعة آلاف مليار دولار في حربها على العراق، في حين وصلت صادرات العراق من النفط خلال سنوات الخسائر الاميركية الهائلة الى ما يقرب من السبعمائة مليارات دولار فقط، وهذه الحقيقة تكشف حجم الكارثة التي تعيشها أميركا بعد وقوعها في المستنقع العراقي.
هل كان النفط هدف أميركا في العراق ؟ / وليد الزبيدي
