يقتضي التأريخ الأمانة في تسجيل الوقائع وتوثيقها ليتسنى للأجيال الجديدة تأمل المشهد، الذي عاشه ناسهم ومر بدولتهم من زاوية دقيقة، ما يسهم بتكوين رؤية موضوعية، ومن بين هذه
الأمور الحديث عن حل الجيش العراقي بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003، ومثل ذلك ما تردد عن وجود خيانات بين قيادات الجيش وضباط الحرس الجمهوري خلال المعارك التي جرت منذ بداية الغزو حتى انهيار القوات المسلحة العراقية في التاسع من ابريل عام 2003، والتساؤلات التي يطرحها البعض، عن عدم تصدي القوات العراقية للقوات الغازية الزاحفة على الأرض من أقصى الجنوب العراقي صوب العاصمة بغداد.
فيما يتعلق بقتال الجيش العراقي، فإن جميع المنصفين يقولون وللتأريخ، إن قيادات وعناصر وجنود الجيش العراقي قد تصدوا لقوات الغزو الاميركية والبريطانية على قدر ما يستطيعون، إلا أن المفصل الأخطر كان محصورا في توازن القوة بين الجيوش الغازية والجيش العراقي المنهك خلال سنوات الحصار، وبتسليحه الضعيف جدا قياسا إلى الترسانة العسكرية الاميركية والبريطانية، وعندما نذكر طيارا يقود طائرته ليضرب الغزاة رغم إيمانه المطلق بأنه سيلقى حتفه في هذه المهمة، فإن ذلك يدلل على الروح القتالية العالية للجيش العراقي، وعندما تبادر سيدتان باقتحام الدبابات الاميركية وتفجران نفسيهما في القوات الغازية، فهذا دليل قاطع آخر على تفاني المقاتلين والضباط في التصدي للأعداء الغزاة، وهناك الكثير من القصص التي لم توثق للأسف بسبب تسارع الأحداث وذهبت أدراج الرياح، وفيما يتعلق بما تردد عن خيانات واتصال لقيادات في الجيش والحرس الجمهوري العراقي، فإن جميع الروايات التي تم تسريبها أو تداولها حول أسماء بارزة من ضباط الجيش والحرس الجمهوري، قد تأكد كذبها وعدم دقتها، وأن الحقيقة الثابتة تقول، إن خيانات للجيش والوطن لم تحصل بين ضباط وقيادات وعناصر القوات المسلحة العراقية بمختلف صنوفها.
في السياق ذاته، فإننا غالبا ما نتحدث عن إقدام ما يسمى بالحاكم المدني الاميركي بول بريمر بحل الجيش العراقي في قرار شهير صدر بهذا الشأن، ولكن لابد من الحديث عن هيكل الجيش ووجوده على أرض الواقع عندما تم إتخاذ هذا القرار من قبل الاميركي بول بريمر، ولكيلا يتصور الكثيرون أن بريمر قرر حل الجيش العراقي المتواجد بكل ضباطه وجنوده وآلياته وأسلحته داخل المعسكرات وفي الثكنات العسكرية، فالواقع أن جميع هؤلاء قد اضطروا لمغادرة أماكنهم بعد قرار بريمر، وللأمانة التاريخية نقول، إن بول بريمر وصل الى بغداد بتأريخ ( 13/5/2003) أي بعد شهر وأسبوع من دخول القوات الأميركية بغداد، وعندما أمضى بريمر ليلته الأولى في العراق، لم يكن هناك أي أثر للجيش العراقي ولا قوات الحرس الجمهوري والتشكيلات الحكومية الأخرى.
أنا أعرف أن هناك قرارا قد تم إتخاذه بحل الجيش العراقي، إلا أن الحقائق التي حصلت على أرض الواقع العراقي تقول، إن القوات المسلحة العراقية بدأت بالتلاشي من معسكراتها ووحداتها منذ الرابع من ابريل عام 2003، أي قبل عدة أيام من وصول القوات الاميركية الى ساحة الفردوس وإسقاطها التمثال الشهير للرئيس الراحل صدام حسين في التاسع من ابريل عام 2003، وكان أول الفيالق التي غادر ضباطه وجنوده مقراتهم ووحداتهم ،هما الفيلق الثالث في مدينة البصرة والفيلق الرابع في مدينة العمارة، أما القوات المتواجدة في الموصل وكركوك والانبار فقد انهارت بعد يوم التاسع من ابريل، وذلك بعد انتشار خبر تجوال القوات الأميركية في بغداد وانهيار السلطة في العاصمة العراقية.
وقبل أن يصل بول بريمر الى بغداد بأكثر من شهر لم يكن هناك أي أثر للمعسكرات والقواعد الجوية العراقية، فقد كانت الدبابات منتشرة في الطرقات الخارجية بين محترقة بسبب القصف الأميركي أو معطوبة، وكانت هناك صواريخ ما زالت منصوبة على منصات الاطلاق في بغداد ومناطق أخرى.
أما المعسكرات والقواعد الجوية فقد تم نهب موجوداتها وتحولت منذ الاسبوع الأول إلى مساكن للكثير من العوائل العراقية.
وعندما تم إعلان قرار حل الجيش العراقي في مايو من عام 2003 لم يكن هناك ضابط او جندي عراقي واحد يرتدي الزي العسكري في جميع أنحاء البلاد.
هل حققت أميركا أهدافها بالعراق؟! .. الجزء الخامس / وليد الزبيدي
