هيئة علماء المسلمين في العراق

«ديمقراطية» الاحتلال في العراق كما عشتها / عراق المطيري
«ديمقراطية» الاحتلال في العراق كما عشتها / عراق المطيري «ديمقراطية» الاحتلال في العراق كما عشتها / عراق المطيري

«ديمقراطية» الاحتلال في العراق كما عشتها / عراق المطيري

ما زال البعض ممن يروج للاحتلال ولحكومته مزدوجة العمالة يصر على أن العراق يتجه بخطوات سريعة إلى تحقيق ديمقراطية ينفرد بها تكون نموذجا لمن ينشد أسلوب الحكم هذا صادقا في العالم، وليس في الدول العربية أو دول العالم الثالث فحسب، كما يحلو للغرب أن يسميها.

ونحن لا نكتفي أن نكذب مثل هذا الادعاء، ونستهجن من يتبناه فقط لسبب بسيط هو أنه لا يستطيع أي بلد في العالم ينشد أن يرتقي لمستوى متقدم من الإنسانية يمارس سياسة كالتي تتبعها شلة العصابات القابعة في المنطقة الخضراء، فعناصرها يختلفون فيما بينهم على كل شيء ولكنهم يتوحدون بالمطلق في إرادة واحدة هي قهر الشعب العراقي وإذلاله تحت عنوان إقامة الديمقراطية، ولا ينجو من هذا إلا أتباعهم والمطبلون لهم من سقط المتاع والرعاع من أراذل القوم أو من غرر به وظن، كما كان يروج الأعداء، أن في إسقاط نظام الحكم الوطني القائم قبل الغزو الأمريكي الهمجي عام 2003 خلاصا من حالة الحرمان التي عاشها شعبنا بسبب الحصار الأمريكي الظالم، حيث كان يشاع حينها.

ونحن لا نقول هذا افتراء أو تجنيا على هؤلاء أو ننظر لهم ونحن نعيش خارج القطر أو بعيدين عن معاناة أبناء شعبنا ولسنا ممن فقد مصلحة أو نفعا معينا أو امتيازا كنا نحظى به قبل الغزو الأمريكي للقطر، بل نقول هذا ونحن نتعامل معه كواقع حال مفروض علينا عشناه كما عاشه كل الشعب العراقي طيلة التسع سنوات ونيف الماضية وعشنا تفاصيل دقيقة من ممارسات الترويع والقتل تحت عناوين مختلفة، نحمد الله كثير الحمد ونفتخر أننا صمدنا أمامها بل زادتنا عنادا وقدما في طريق الجهاد لمقاومة وجودهم ونشارك أبناء شعبنا في هذا الشرف حتى يأذن الله بنصره الذي وعدنا به.

كشاهد عاش وقائع لم تروَ لي ولم أشاهدها إنما حصلت معي كأحد ضحايا "ديمقراطيتهم" التي يدعونها، وسأعرض حالتين اثنتين فقط بشكل سريع:

الأولى أن ديمقراطيتهم جوزت لهم وبأمر مباشر من مقتدى الصدر لقاء مبلغ أربعين مليون دينار يدفعها فيلق القدس الإيراني، كما هو مثبت في اعترافات شركائهم لدى دائرة الاستخبارات في المحافظة، فقد صوبت بنادق الحقد نحو صدري عام 2006 ليفرغوا فيه ما شاؤوا غدرا من رصاصات الحقد، بينما كنت عائدا لبيتي أحمل قوت أطفالي، ولكن إرادة الله أنقذتني، ووقفة الشرفاء الذين هبوا لإنقاذي والتبرع غير المحدود بكل شيء، ابتداء من نقلي إلى المستشفى وتشكيل فريق حراسة للدفاع عني على مدار اليوم وانتهاء بالتبرع بأضعاف حاجتي من الدم، شاءت حكمة رب العالمين جل في علاه وعظم ثناؤه أن أبقى حيا لأعيش ويكون لي دور أكبر في الجهاد رغم ما خلف هذا الفعل الجبان من آثار في جسمي؛ والخلية التي نفذت العمل الإجرامي تقيم الآن في حي الفقراء في محافظة النجف ليلا وتتواجد في مسجد الكوفة أو مقبرة محمد صادق الصدر نهارا تحت حماية مدير استخبارات النجف وبدعم من نوري المالكي، كما أخبرني بذلك نصا مدير استخبارات المحافظة رغم إصدار أمر قضائي بإلقاء القبض عليهم.

والثانية، أنني كنت أحدا ممن شملتهم حملة الاعتقالات التي أمر بها وقادها وأشرف على تنفيذ تفاصيلها واحد من أقذرهم وأكثرهم انغماسا في الدم العراقي نوري المالكي شخصيا، فداهموا بيتي وروعوا عائلتي في الساعة الثانية والنصف من ليلة 22/ 23 تشرين الأول 2011 واقتادوني في سرب من الهمرات والمصفحات وبين ما يقارب سرية من المليشيات التي يسمونها شرطة، وفور وصولي إلى دائرتهم باشروا معي التحقيق بتهم ثلاث هي:

1/ التخطيط لانقلاب عسكري.
2/ استلام دعم مادي وتمويل من خارج القطر.
3/ الترويج لأفكار حزب البعث العربي الاشتراكي.

تهم جاهزة مسبقا ومعدة ليلبسها من يتم اعتقاله وتحولت فورا مادة إلقاء القبض من 240 "شك واشتباه" إلى 4/أ "إرهاب"!! وتم إيداعي في سجن دائرة الاستخبارات مع مجموعة ممن اعتُقلوا بنفس الأسلوب ولنفس التهم، رغم أن معظمهم لم ينتمِ إلى حزب البعث طيلة حياته، بل إن قسما منهم كان حاقدا على البعث ورجاله فكانت هذه المناسبة فرصة لتصحيح مواقفهم وقطعوا عنا أي اتصال بالعالم الخارجي ومنع عنا توكيل محامي دفاع.

إن أوامرهم كانت محددة لاعتقال نماذج معينة من رجال شعبنا دون غيرها، فقد صدرت التوجيهات لاعتقال أبطال البعث المعروفين بنشاطهم وبتأثيرهم الاجتماعي وبسعة علاقاتهم بالإضافة إلى أي شخص وطني مخلص ومعاد للاحتلال الأمريكي أو الفارسي، بينما صدرت في بغداد توجيهات بالتركيز على طائفة محددة أكثر من غيرها وبأعداد كبيرة لا على التعيين لملء المعتقلات لتبدأ مساومات بين كتلهم على قاعدة خذ وطالب، علما أن لا أحد من الموجودين في المعتقل له علاقة بكتلة محددة من تلك التي تشارك في حكومة العمالة أو حتى متعاطف معها.

لقد حاول محققو ديمقراطية الاحتلال الأمريكي الفارسي انتزاع الاعتراف بشتى وسائل التعذيب التي لا تخطر على العقل البشري، ويندى لها جبن الإنسانية، وبدأت رحلة التنقل بين السجون السرية ومختلف أصناف وانتماءات المحققين، وشاءت الظروف أن التقي برجال في مراحل عمرية مختلفة، وأن أطلع على قصص مرعبة وأساليب في التعذيب مخجلة جدا تبدأ بالضرب بالعصي الكهربائية وتنتهي بالاعتداء الجنسي على الرجال، غير إدخال العصي الخشبية وقضبان الحديد في أدبارهم؛ وما خفي كان أعظم!! بينما شاهدت وخصوصا في سجن الرصافة الخامسة القريب من ملعب الشعب جناحا خاصا لأتباع مقتدى الصدر من المجرمين القتلة ولكنهم يعاملون في منتهى الاحترام، بل إن قسما منهم لا يدخل إلى الزنزانة أبدا حتى عند المنام ويتجول بين السجانين كأنه واحد منهم! وإن أغلبهم يملك أكثر من هاتف نقال لإدارة عصاباتهم على مدار الساعة، ويبدو أنهم جاءوا بهم إلى هذا المكان لإنقاذهم من المطالبة بالثارات العشائرية.. ولعله من السخرية أننا شاهدنا متعهد إطعام المعتقلين بزي معمم وبلهجة عربية غير سليمة تخلى عن واجبه الديني في نقل صورة المعتقلات إلى مرجعيته الدينية وانشغل بالربح الفاحش الحرام.

شاهدت سوء التعامل مع المعتقلين بتهم سياسية حتى الكبار منهم في السن والمرضى والحرمان من العلاج وزيارة الطبيب، وقد توفي ثمانية من المعتقلين لظروفهم الصحية الصعبة وحرمانهم من العلاج، وقد أصيب القسم بأمراض مزمنة وصلت حتى الإصابة بالسرطان، بل إن من يسأل عنه ذووه إذا عرفوا مكانه يتوجب عليه الخضوع إلى تحقيق جديد عن كيفية معرفة عائلته بعنوان سجنه؛ وتعاملنا مع سجانين مرتشين ضباطا ومراتب عندهم كل شيء يدفع ثمنه على شكل بطاقات الهاتف الجوال بابتزاز وضيع وبدناءة نفس بعيدا عن كل القيم الإنسانية.

لقد شاءت الصدفة أن ألتقي بممثلة منظمة هيومن رايتس ووتش وأطلعها وغيري من المعتقلين على كثير من الممارسات التي تحصل في سجون الاحتلال، وعندما سألتها عن إمكانية نشر مشاهداتها أجابت بصراحة أنها غير قادرة على ذلك لأنها سوف تمنع من زيارة المعتقلات مستقبلا، وأن منظمتها تتمنى من خلال زياراتها أن يحصل بعض الردع أو الحد من تلك الممارسات.

أي ديمقراطية تلك التي يتفاخر بها من يدعي أنه رئيس الحكومة ببناء السجون الضخمة التي تستوعب آلاف الرجال وفي كل محافظات القطر، غير السجون السرية؟ وأي ديمقراطية تلك التي تقوم برعاية تشكيلات المليشيات، تنشطر دكاكين الأحزاب فيها لتنجب تشكيلا جديدا من المليشيات؟ وأي ديمقراطية تلك التي تستقطب الناس إليها بالتهديد وقوة السلاح؟ وأي ديمقراطية تلك التي تقوم في دولة لا يحسن موظفو مكتب رئيس وزرائها صياغة كتاب رسمي باللغة العربية؟!! وعن أي ديمقراطية نتحدث في دولة هي الأولى في الفساد المالي والإداري؟ وأي ديمقراطية يتم فيها تصفية الخصوم السياسيين أو مخالفي الرأي وحتى المشتركين معهم في العمالة بالسلاح أو بالتهم الجاهزة ولا خيار أمامه غير الهجرة خارج القطر أو الاستعداد الدائم للاعتقال؟...

إن أحزاب حكومة العمالة الحالية المنصبة في العراق أصابهم هوس وجنون وعقدة اسمها البعث، فكل شخص وطني أو مخلص لتربة العراق ومائه وكل شخص رافض للاحتلال الأمريكي أو الفارسي أو كل شخص يحترم انتماءه القومي هو بعثي!! وهناك تهمة جاهزة يتلبسها عند الحاجة تحت المادة 4أ/ إرهاب، وهذا بحد ذاته مبعث فخر واعتزاز لكل شخص تنطبق عليه هذه المواصفات.

إن ما هون تلك الأيام السود أن عوائل المعتقلين بعد الضغط الجماهيري المتواصل والسماح بالزيارات حولت لحظات اللقاء إلى مهرجانات للنصر والتحدي، ولم تتمكن شبكات الحديد التي كانت تحول بين المعتقلين وعوائلهم من تحقيق غايات وضعها؛ وأقسم أني سمعت من كثير من الزائرات الماجدات زغاريد الفرح وشد العزم والفخر بشرفاء العراق وتمتزج دموع الفخر بالحزن، وقد قالت إحداهن رغم معاناتنا من فراق الفرسان إلا أننا نتباهى بكم، وما من عراقية شريفة إلا وتمنت أن يكون أحدكم زوجها أو أخاها أو أباها أو ابنها.

تلكم صورتان فقط عشتهما شخصيا عن الديمقراطية القذرة التي أدخلها تحالف الاحتلال الأمريكي الفارسي الصهيوني لعراقنا الغالي، غير مئات الآلاف من الحالات التي صادفت كل أبناء شعبنا يحفظونها عن ظهر قلب تملأ أطنانا من الأوراق وتحتاج إلى ساعات طوال لسردها.

لك المجد يا عراقنا الحبيب على صبرك وعلى عنفوانك الدائم بأبنائك الأبطال الغر الميامين، تتجاوز كل المحن وتقف دائما صامدا شامخا كنخيلك لا تهتز أمام أي ريح صفراء.

أضف تعليق