هناك رأيان مختلفان، بخصوص الأهداف الاميركية في العراق، التي دفعتها لغزو هذا البلد عام 2003، أحدهما يذهب الى القول إن أميركا قد حققت هدفها الرئيسي القاضي بتدمير
الجيش العراق لضمان حماية إسرائيل، وهذا ما تحقق بصورة تامة، في حين يرى طرف آخر أن مهمة اميركا في العراق أبعد بكثير من قضية تدمير الجيش العراقي، الذي يتفق الكثيرون أنه يمثل خطرا على إسرائيل، وبين هذا الرأي وذاك يدور جدل واسع بين النخب العراقية والعربية وفي الكثير من الحلقات النقاشية .
يثار هذا النوع من النقاش بعد خروج القوات الاميركية من العراق، الذي لم يتوقعه الكثيرون بل لم يصدقوا كل ما قيل عن الانسحاب الاميركي من العراق، منذ أن بدأت الحملة الانتخابية للرئيس الاميركي باراك اوباما، التي أعلن خلالها خطة لسحب القوات الأميركية من العراق، ولا شك أن اوباما لم يتخذ قراره هذا لاعتبارات عاطفية أو انتخابية كما يتصور البعض، وأن ما يحصل على الأرض في العراق من خسائر اميركية هائلة في البشر وفي الاقتصاد الاميركي قد فرض هذا القرار الذي تحدث عنه اوباما في وقت مبكر، والاميركيون بصورة عامة لم يتخيلوا أنفسهم ان صورة الانتصار الكبيرة التي رسمتها وسائل الاعلام في التاسع من ابريل عام 2003، بعد وصول قواتهم بسرعة مذهلة الى وسط بغداد خلال ثلاثة أسابيع، قد تتحول الى صورة معتمة خاوية تزخر بآلاف الجثث العائدة من العراق ممزقة او محترقة ومئات الآلاف من المجانين والمعوقين، وخسائر اقتصادية مخيفة أدخلت الولايات المتحدة منذ عام 2008 في دهليز الازمة الاقتصادية الخانقة، ورغم بعض التطمينات التي يطلقها السياسيون الى ان الضالعين في الاقتصاد يقولون إن تداعيات الأزمة مازالت وستتواصل لسنوات، وكل ذلك بسبب مجمل الخسائر في العراق الذي دخله خلال سنوات الغزو مليونا جندي ورجل امن ومتعاقد اميركي ـ حسب اعتراف باراك اوباما في خطابه عن سحب القوات في نوفمبر عام 2011ـ كما تحركت اكثر من 47 الف آلية ودبابة وعربة ثقيلة في العراق، وقد احترق ودمر الكثير منها، واستخدمت هذه القوات 283 الف قطعة اتصال، وملايين قطع السلاح المختلفة.
ومثلما نتجت عن قرار الانسحاب الاميركي من العراق صدمة أو صدمات عند الكثيرين الذين لم يتوقعوا خروج هذه القوات التي شيدت 505 قواعد عسكرية كبيرة من بينها 20 قاعدة عملاقة تشبه المدن الاميركية في طرز البناء والانفاق والمقاهي والملاهي الليلية والنوادي والسجون المجهزة بمختلف انواع التعذيب، فأن الاسئلة التي يطرحها الكثيرون في ضوء نتائج الغزو الاميركي الذي انتهى بهزيمة اميركية من العراق، تبحث عن إجابات دقيقة خاصة عند البعض من الذين لا يريدون تصديق ان اميركا قد انهزمت من العراق، فهؤلاء اذا قالوا اميركا اختارت الخروج بارادتها فانهم يقرون بجنون القادة الاميركين وأن كل انواع الخبل تسيطرعليهم، فكيف يغادرون العراق بعد كل هذه الخسائر التي تكبدوها على ارضه، واذا قالوا ان اميركا قد انجزت مهمتها وصنعت الديمقراطية في العراق فان الصغار والكبار سيضحكون من اعماقهم على طرح من هذا القبيل لان العراق غارق بالفوضى والرعب والخوف والفساد وانتهاكات غير مسبوقة لحقوق الانسان، وأينما تقلب الصورة في العراق فانك تصطدم بالدمار والخراب، وهذا امر لم يعد خافيا على أحد، فكيف يجروء عاقل او حتى مخبول ليقول إن اميركا انجزت مهمة بناء الديمقراطية في العراق.
وهناك أمر آخر لا يريد البعض الاقرار به لكي يصلوا الى قناعة حقيقية بما جرى في العراق، هؤلاء لا يريدون الاعتراف ان عشرات الآلاف من المقاومين العراقيين قد هزموا اكبر قوة في العالم،لهذا تجدهم يتخبطون في محاولة تحليل اسباب هروب اميركا من ارض الرافدين، ويبحث هذا الفريق عن تفسير وذاك عن تبرير، دون محاولة جرح الحقيقة التي افرحت الكثيرين واوقدت الهزيمة في دواخل البعض.
لكن ما قاله رئيسيان للولايات المحتدة في مناسبتين مختلفتين يمكن من خلاله الوقوف عن جوهر القضية التي ننقاشها، ففي اخر مطاف للوجود الاميركي في العراق قال الرئيس باراك اوباما في خطابه الذي اعلن فيه انسحاب كامل القوات الاميركية في نوفمبر عام 2011( أن جيلا كاملا من الاميركيين سيتأثرون بتداعيات ونتائج الحرب في العراق)، في حين قال جورج دبليو بوش في الاول من مايو عام 2003( أن الولايات المتحدة حققت نصرا كبيرا في الحرب ضد العراق).
هل حققت أميركا أهدافها بالعراق .. الجزء الاول / وليد الزبيدي
